أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زيد علي الشمري - الطائفي ورواية العمى














المزيد.....

الطائفي ورواية العمى


زيد علي الشمري

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 12:54
المحور: الادب والفن
    


اليوم، وبعد أكثر من شهر تقريبًا، أكملت رواية «العمى» للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو.
هذه ليست رواية عن فقدان البصر بالمعنى البسيط للكلمة، بل رواية تفتح أمام القارئ أسئلة وجودية وفلسفية عن الإنسان والمجتمع، عن الخير والشر، وعن مقدار ما يمكن أن يتغير الإنسان عندما تنهار القوانيين التي تنظّم حياته.
وأنا أقرأ الرواية، ومع كل صفحة جديدة والأسئلة التي تطرحها، وجدت نفسي أعود إلى أحداث عشتها وعاشها العراقيون بعد عام 2003، وخصوصًا سنوات الطائفية التي أصبح فيها الإنسان يُقتل لا لشيء سوى لانتمائه إلى طائفة أو دين أو قومية، بل أحيانًا لمجرد أن اسمه لم يعجب الطرف الآخر.
لمن لم يولد في تلك الفترة، أو كان صغيرًا في العمر، أو ربما نسي ما حدث، كان القانون السائد في سنوات الطائفية هو قانون الموت، وكأن قانون الغاب أصبح هو القانون الوحيد.
لكن هناك فرقًا مؤلمًا بيننا وبين الحيوانات؛ فالحيوان قد يقتل من أجل البقاء أو الطعام، أما الإنسان فقد يقتل بدافع الكراهية والعبث، ثم يبحث عن شعار أو مبرر ليقنع نفسه بأنه يفعل الصواب.
والأخطر من القتل نفسه أن تتحول الطائفية إلى صناعة؛ يُصنع الخوف، وتُنشر الكراهية، ويُقسّم الناس إلى «نحن» و«هم»، حتى يتحول الإنسان في لحظة ما إلى وحش، والأسوأ أنه قد يعتقد أنه يدافع عن الحق وهو يرتكب أبشع أشكال الظلم.
وهنا أجد واحدة من أهم أفكار «العمى»: المشكلة ليست في أن يفقد الإنسان بصره، بل أن يفقد قدرته على رؤية إنسانية الآخر.
لا أريد أن أحرق أحداث الرواية لمن لم يقرأها، لكنني سأضيء شمعة صغيرة في الطريق لمن يريد قراءتها.
شخصية زوجة الطبيب، بالنسبة لي، تمثل شيئًا أكبر من مجرد شخصية في الرواية؛ إنها تمثل الإنسانية والحنان والعطف والمسؤولية. هي ترى، بينما يفقد الآخرون بصرهم، وكأن ساراماغو يقول لنا إن الرؤية الحقيقية ليست وظيفة العين، وإنما وظيفة الضمير.
وفي المقابل تظهر شخصية الجشع التي تريد السلطة والسيطرة حتى في أكثر الأوقات قسوة، حين يكون الناس في أمسّ الحاجة إلى الرحمة والتعاون.
وهنا يصعب على القارئ العراقي ألا يرى شيئًا من واقعه.
ففي أوقات الأزمات، يظهر معدن الإنسان الحقيقي. هناك من يبحث عن إنقاذ الآخرين، وهناك من يرى في خوف الناس فرصة للسيطرة عليهم، وفي الفوضى فرصة لجمع المال والنفوذ.
والمشكلة لا تبدأ عندما يظهر المستبد فقط، بل عندما يجد من يقبل أن يكون أداة في يده.
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الطائفية ليس أن تجعل الناس مختلفين، فالاختلاف طبيعي، وإنما أن تجعل الإنسان يرى المختلف عنه كأنه أقل إنسانية.
وعندما يحدث ذلك، يصبح القتل أسهل، والكراهية مقبولة، والظلم قابلًا للتبرير.
ربما لهذا شعرت وأنا أقرأ «العمى» أن ساراماغو لا يتحدث عن عالم بعيد عنا، بل يضع أمامنا مرآة قاسية، ويترك لنا مهمة النظر فيها.
وفي النهاية، رسالتي إلى أبناء شعبي العزيز:
لا تكونوا حطبًا لشعارات فارغة لا تجلب لكم سوى الموت والدمار. لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن كرامتكم أو دينكم أو طائفتكم أو قوميتكم تحتاج إلى اقصاء آخر كي تبقى.
فالذين يشعلون نار الكراهية قد يربحون السلطة والمال، لكن الذين يدفعون الثمن هم الناس.
وفي كل مرة يتحول فيها الإنسان إلى وقود لصراع لا يملك قراره، يكون الخاسر الحقيقي هو الإنسان نفسه.
وربما يكون السؤال الذي تتركه لنا «العمى» هو:
من الأعمى حقًا؟ من فقد عينيه، أم من يرى بعينيه ولا يرى إنسانية من أمامه؟



#زيد_علي_الشمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفن ذاكرة الأجساد
- صناعة الأصنام – الجزء الثالث من يكسر مرآة الصنم؟ صراع العروش ...
- صناعة الاصنام الجزء الثاني المرآة و الصنم
- حين يخسر المنتصر
- صناعة الأصنام الجزء الأول: كيف يُصنع الصنم؟


المزيد.....




- ملك -الرعب- المتواضع!
- وزير الثقافة اللبناني: هناك مئات المواقع الأثرية بانتظار الا ...
- هدى ابراهيم الخميس..ثلاثون عامًا من الفن والثقافة بين الشرق ...
- أدباء العراق يستذكر صلاح القصب.. حارس التجريب المسرحي
- صُوّر بالكامل في القطاع.. -غزة 13- يحصد جائزة -نيتباك- في مه ...
- طهران تقرر إغلاق مركز اللغة الفرنسية التابع للسفارة بتهمة ال ...
- الرصاصة العكسية.. كيف روجت إسرائيل لفيلم -نازا- عبر تهديد صن ...
- إيران تغلق مركزا فرنسيا في طهران لمناهضته الثقافة الإسلامية ...
- -داخل سوريا-.. بودكاست جديد يقدم السردية السورية للعالم بالل ...
- صاغوا أبحاث طلاب غربيين لسنوات.. الذكاء الاصطناعي يعصف بـ-كت ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زيد علي الشمري - الطائفي ورواية العمى