زيد علي الشمري
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 09:40
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
اليوم سوف أكمل معك، أيها القارئ، الجزء الثاني من سلسلة مقالاتي عن «صناعة الأصنام». لا أعرف ما هو انطباعك أو رأيك في الجزء الأول، لكنني أريد أن أبدأ هذه المقالة بسؤال أتمنى منك أن تفكر فيه جيدًا، وربما طويلًا:
ما أقوى قناعة تؤمن بها اليوم، سواء كانت دينية أو طائفية أو اجتماعية أو سياسية؟ ومتى قررت أنك تؤمن بها؟
هل اخترت هذه القناعة بنفسك؟ أم أنك وجدتها جاهزة، قبل أن تمتلك أصلًا القدرة على الاختيار؟
أيها القارئ، نحن لا نولد في عالم فارغ ومحايد، بل نولد في عالم مليء بالأفكار والمعتقدات والتصورات والأوهام والأصنام. وفي سنواتنا الأولى لا نكون قادرين على قبولها أو رفضها، فنكتسب كثيرًا منها من البيئة التي نعيش فيها، لأن الإنسان لا يستطيع أن ينفصل عن المجتمع الذي يولد وينشأ داخله.
فالإنسان لا يختار أسرته، ولا لغته، ولا مجتمعه، ولا المدرسة التي يتعلم فيها، ولا كثيرًا من الأفكار التي ستصبح لاحقًا جزءًا من شخصيته. إنه يستقبل العالم أولًا، ثم يبدأ بعد ذلك في فهمه ومساءلته.
يبدأ تأثير البيئة منذ اللحظة الأولى تقريبًا؛ في حضن الأم، ثم الأسرة، وبين الأقارب والأصدقاء، وفي المدرسة، والشارع، والإعلام، والمؤسسات الدينية والسياسية والاجتماعية.
وهذه المؤسسات لا تمنحنا المعلومات فقط، وإنما تساهم أيضًا في تشكيل مشاعرنا وأحكامنا: من نحب؟ من نكره؟ ماذا نخاف؟ ماذا نحترم؟ ما الذي نعتبره عيبًا؟ وما الذي نعتبره شرفًا؟ وما الذي نراه مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه؟
ومن الصعب أن نجد إنسانًا نشأ خارج تأثير هذه المؤسسات، إلا في أفلام الكارتون وقصص الخيال، مثل طرزان أو ماوكلي فتى الأدغال.
لكن لكي نكون منصفين، علينا أن نسأل سؤالًا آخر: هل كل وهم شر؟ ولماذا يحتاج الإنسان أحيانًا إلى الأوهام؟
يرى نيتشه، في جانب من فلسفته، أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بالحقيقة المجردة وحدها، وأن بعض التصورات والأوهام قد تساعده على احتمال قسوة الحياة والاستمرار فيها. كما نظر إلى المعرفة والحقيقة من خلال علاقتها بإرادات وقوى أعمق في الإنسان، ولم يتعامل مع المعرفة باعتبارها منفصلة تمامًا عن الرغبة والقوة.
أما فرويد، فقد حاول تفسير جانب من الأوهام والمعتقدات من خلال الرغبات والحاجات النفسية، وكيف يمكن للإنسان أن يصنع تفسيرًا يساعده على احتمال الواقع أو تبرير بعض أفعاله.
وبعبارة بسيطة: قد يكون الوهم أحيانًا وسيلة للعيش، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول من وسيلة إلى سجن.
وهنا تبدأ مشكلة الصنم.
وهنا يطرح سؤال آخر نفسه: ما هو الضمير؟
هل الضمير صوت داخلي مستقل تمامًا عن المجتمع؟ أم أن جزءًا كبيرًا منه هو انعكاس لما تعلمناه من البيئة التي نشأنا فيها؟
منذ طفولتنا نتلقى آلاف الرسائل: هذا صحيح، وهذا خطأ؛ هذا عيب، وهذا شرف؛ هذا مقدس، وهذا ممنوع. ومع مرور الزمن، تتحول بعض هذه الأحكام إلى أصوات داخلية نشعر أنها صادرة من أعماقنا.
ولهذا ربما يكون السؤال الأهم ليس: هل لدي ضمير؟
بل:
من الذي ساهم في تشكيل هذا الضمير؟
وهنا نصل إلى علاقة الإنسان بالصنم؛ فالمجتمع يمكن أن يكون مرآة للأصنام، والأصنام في الوقت نفسه يمكن أن تكون مرآة للمجتمع.
ولنأخذ مثالًا تاريخيًا على العلاقة بين السلطة والمعتقدات والمصالح.
في أوروبا خلال العصور الوسطى، كانت المجتمعات تعيش ضمن نظام اجتماعي واقتصادي شديد التراتبية، وكانت طبقات النبلاء والإقطاعيين تملك الأراضي، بينما عاش كثير من الفلاحين في ظروف قاسية من الفقر والمرض والجوع.
وكانت السلطة السياسية والاقتصادية بحاجة إلى ما هو أكثر من القوة المادية للحفاظ على النظام؛ كانت بحاجة أيضًا إلى التبرير.
وهنا يمكن أن نفهم أهمية ما تحدث عنه الدكتور علي الوردي في نقده لظاهرة «وعاظ السلاطين»، حين يتحول بعض أصحاب الخطاب الديني أو الاجتماعي من أصحاب رسالة نقدية إلى أدوات لتبرير السلطة ومصالحها.
فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى أن تقول للإنسان: «سأجبرك على قبول هذا الواقع».
يكفي أحيانًا أن تقنعه بأن هذا الواقع قدر لا يمكن تغييره، وأن طاعة صاحب السلطة فضيلة في كل الأحوال، وأن الاعتراض خروج على النظام، وأن الفقر والظلم أمر طبيعي لا يمكن تغييره.
هنا يصبح الوهم أداة سياسية.
والأخطر من ذلك أن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يدافع فيها عن النظام الذي يظلمه.
ويربط الفلاسفة والباحثون ظهور الأوهام والخرافات والتصورات الجامدة بعوامل كثيرة: اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، ونفسية، وجغرافية.
أما رأيي في هذه السلسلة، فهو أن العامل السياسي يصبح شديد الخطورة عندما يتداخل مع بقية العوامل.
فالسلطة التي تريد الحفاظ على نفسها قد تجد أن المجتمع قليل التفكير أكثر قابلية للسيطرة من مجتمع يسأل ويناقش ويعترض.
لكن هناك خطأ كبيرًا في الخلط بين السكون والاستقرار.
فالإنسان المصاب بالشلل ساكن، لكنه ليس صحيحًا.
وكذلك المجتمع الذي لا يتحرك فكريًا، ولا يسمح بالنقد، ولا يراجع أفكاره، قد يبدو مستقرًا، لكنه قد يكون في الحقيقة في حالة موت بطيء.
الماء الراكد هادئ، لكنه قابل للعفن.
والمجتمع الذي يخاف السؤال قد يبدو هادئًا، لكنه يفقد مع الوقت قدرته على التجدد.
وهنا أتوقف عند فرانسيس بيكون، الذي تحدث عن أوهام العقل التي تقف في طريق الإنسان إلى المعرفة، ومن بينها ما سماه «الأصنام».
وهذه الفكرة مهمة جدًا في موضوعنا؛ لأن الصنم ليس بالضرورة شخصًا نقف أمامه ونقدسه.
أحيانًا يكون الصنم فكرة داخل رؤوسنا.
فكرة ورثناها ولم نفحصها.
معتقدًا أخذناه من بيئتنا ولم نسأل عن أساسه.
حكمًا اجتماعيًا تكرر أمامنا حتى أصبح بالنسبة لنا حقيقة مطلقة.
أو موقفًا سياسيًا تعلمنا منذ الصغر أن مجرد التشكيك فيه خيانة.
وهنا يصبح أخطر صنم هو ذلك الذي لا نراه:
الصنم الموجود داخل العقل.
ومن هنا تأتي أهمية الجامعات والمعاهد.
فالعلم لا يعيش من دون السؤال، ولا يتقدم من دون النقاش والاختلاف والمراجعة. لكن عندما تتحول المؤسسة التعليمية إلى مكان لإعادة إنتاج الإجابات الجاهزة بدل صناعة الأسئلة، يصبح التعليم وسيلة لحماية الأفكار بدل اختبارها.
قد يسأل الطالب سؤالًا خارج الإطار المعتاد، فيُتهم بالشغب أو الجهل، بدل أن يُفتح أمامه باب البحث.
وهنا يجب أن نتذكر شيئًا بسيطًا:
العلم لا يتقدم لأن الجميع متفقون، بل لأنه يسمح بالاختلاف.
ليس معنى ذلك أن كل سؤال صحيح، أو أن كل رأي يستحق القبول، وإنما يعني أن الفكرة لا ينبغي أن تكون محصنة من النقد لمجرد أنها قديمة أو شائعة أو صادرة عن شخص يمتلك سلطة علمية أو اجتماعية.
فالفكرة القوية لا تحتاج إلى حراسة تمنع الناس من الاقتراب منها.
الفكرة القوية تستطيع الدفاع عن نفسها بالنقاش.
وفي نهاية هذه الرحلة نصل إلى السؤال الأصعب:
ما هي الحقيقة؟
لا أملك إجابة نهائية عن سؤال بهذا الحجم، ولا أعتقد أن مقالًا واحدًا يستطيع تقديمها. لكنني أعتقد أن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر حرية التفكير، والسؤال، والبحث، والنقاش، والجدل، ومراجعة الأفكار، والاستعداد للاعتراف بالخطأ.
الحقيقة لا تخاف من السؤال.
الحقيقة لا تحتاج إلى تهديدك كي تؤمن بها.
الحقيقة لا تحتاج إلى إسكات خصمها.
أما الفكرة التي لا تستطيع البقاء إلا بمنع الناس من مناقشتها، فعلينا أن نتساءل:
هل نحن أمام حقيقة... أم أمام صنم؟
وهنا أعود إلى عنوان هذا الجزء: المرآة والصنم.
هل الأصنام مرآة للمجتمع؟ أم أن المجتمع هو مرآة للأصنام؟
ربما تكون الإجابة الأكثر إزعاجًا:
كلاهما.
المجتمع يصنع الصنم من مخاوفه وحاجاته وانقساماته وأوهامه، ثم يأتي الصنم ليعيد تشكيل المجتمع وفق صورته.
نحن نصنع الصنم، ثم يبدأ الصنم بصناعتنا.
نمنحه السلطة، ثم يمنحنا الأدوار التي يريدها.
نصنع له الهالة، ثم نخاف من الاقتراب منها.
نمنحه حق الإجابة، ثم نفقد نحن حق السؤال.
وفي النهاية قد نصل إلى مرحلة لا نعرف فيها:
هل نحن الذين نصنع الأصنام، أم أن الأصنام هي التي تصنعنا؟
وربما يكون السؤال الأهم الذي أتركه لك، أيها القارئ:
إذا اكتشفت يومًا أن الصنم الذي تدافع عنه ليس اختيارك، بل شيء ورثته... فهل تملك الشجاعة أن تعيد النظر فيه؟
اكتب كمن يلقي حجرا ليحرك سكون العقول
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟