أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زيد علي الشمري - الهجرة إلى سؤال














المزيد.....

الهجرة إلى سؤال


زيد علي الشمري

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 15:08
المحور: الادب والفن
    


«تعلمت الكثير وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى.»
يا لها من جملة!
جملة قصيرة تركها الطيب صالح في روايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، لكنها بقيت تلاحقني بعد أن أغلقت الكتاب. فبعض الجمل لا تنتهي عند آخر صفحة، بل تبدأ هناك.
بدأت رحلتي مع الرواية كرحلة نهر دجلة بين مدن العراق؛ يمضي بهدوء، ثم تكتشف أن تحت ذلك الهدوء تيارات لا تراها العين.
ظهر مصطفى سعيد أمامي كأنه رجل خرج من مكان بعيد، يحمل معه أكثر مما يقول، ويخفي خلف صمته أسئلة أكثر مما يحمل من إجابات. وكلما ظننت أنني فهمته، اكتشفت أنني لم أرَ إلا جزءًا صغيرًا منه.
لكن الرواية ليست قصة مصطفى سعيد وحده، بل قصة الإنسان عندما يغادر المكان الذي صنعه، ويدخل عالمًا جديدًا يضطره إلى إعادة اكتشاف نفسه.
في الريف والصحراء، حيث تبدو الحياة أكثر بساطة، قد يبدو العالم بلون واحد؛ عادات راسخة، وأفكار موروثة، وحقيقة تبدو مكتملة لا تحتاج إلى سؤال.
وهكذا يعيش ملايين البشر بعين واحدة ولسان واحد، فيقسمون العالم إلى:
أسود أو أبيض.
شرق أو غرب.
نحن أو هم.
ثم تأتي الهجرة.
ليست هجرة بالجسد فقط، بل هجرة في العقل. يدخل الإنسان مدينة جديدة، يلتقي أفكارًا لم يعرفها، ووجوهًا مختلفة، وأسئلة لم يكن يعرف أنه قادر على طرحها.
وهنا يكتشف أن المشكلة ليست دائمًا في المكان الذي جاء منه، ولا في المكان الذي ذهب إليه، بل أحيانًا في الإنسان نفسه.
فالمدينة لا تمنحه الحرية فقط، بل تمنحه شيئًا أخطر: الاختيار.
والاختيار يفتح باب السؤال.
ومن أكثر مشاهد الرواية التي بقيت في ذاكرتي ذلك الاجتماع الذي يضم أكثر من عشرين وزيرًا للمعارف في إحدى الدول الإفريقية لمناقشة التعليم.
قاعة فخمة كلفت ملايين الدولارات، صُممت تفاصيل منها في لندن، وزُينت بالرخام الإيطالي، والوزراء بملابسهم الأنيقة وأحجارهم الثمينة.
كل شيء يقول: الحضارة هنا.
لكن خارج القاعة مدارس من الطين، وأطفال يعانون الجوع والأنيميا.
فأي تعليم هذا الذي يناقش مستقبل الطفل داخل قاعة لا تشبه حياته؟
هنا يتجاوز السؤال إفريقيا والشرق والغرب، ليصل إلى الإنسان نفسه:
ما المسافة بين ما نقوله وما نفعله؟
وربما لهذا بقيت الرواية في رأسي بعد أن أغلقتها.
فالطيب صالح لا يضع الشرق في مواجهة الغرب فقط، بل يضع الإنسان أمام مرآته؛ ليكتشف أن الصراع الذي يبحث عنه خارج نفسه قد يكون ساكنًا في داخله.
مصطفى سعيد ذهب بعيدًا بحثًا عن إجابات جديدة، لكنه عاد إلى القرية محمّلًا بأسئلة العالم. وربما كانت رحلته، في جانب منها، محاولة للهروب من تناقضات لم يستطع أن يتخلص منها حتى بعد عودته.
وهنا تكمن الهجرة الحقيقية:
ليست من الجنوب إلى الشمال، ولا من الشمال إلى الجنوب، بل من الإجابة الجاهزة إلى السؤال.
أن تنتقل من:
أنا أعرف
إلى:
ربما لا أعرف.
وهذه ربما هي أصعب الهجرات؛ أن تفتح باب السؤال، ثم تكتشف أنك لم تعد قادرًا على العودة إلى يقينك القديم.
فبعض الهجرات تغيّر المكان، وبعضها يغيّر الإنسان، أما أخطرها فهي التي تغيّر الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه وإلى العالم.
الهجرة إلى الشمال كانت رحلة مكان...
أما الهجرة إلى السؤال فكانت رحلة إنسان.



#زيد_علي_الشمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطائفي ورواية العمى
- الفن ذاكرة الأجساد
- صناعة الأصنام – الجزء الثالث من يكسر مرآة الصنم؟ صراع العروش ...
- صناعة الاصنام الجزء الثاني المرآة و الصنم
- حين يخسر المنتصر
- صناعة الأصنام الجزء الأول: كيف يُصنع الصنم؟


المزيد.....




- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...
- احتفاء واسع في الأوساط الفنية الأمريكية بفوز عبد الرحمن السي ...
- الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي ...
- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زيد علي الشمري - الهجرة إلى سؤال