أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مؤيد عفانة - مقاربات نقدية في أنطولوجيا القيادة














المزيد.....

مقاربات نقدية في أنطولوجيا القيادة


مؤيد عفانة
كاتب

(Moayad Afanah)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 00:27
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


تعد القيادة واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية والتنظيمية دراسة وتعقيداً في الفكر الإداري الحديث والقديم على حد سواء، ورغم غزارة الأدبيات التي تناولت سلوكيات القائد وسماته، إلا أن دراسة "أنطولوجيا القيادة"، أي علم وجود القيادة، تذهب إلى ما هو أعمق من المقاربات التي تركز على السمات والسلوكيات الفردية، فهي تبحث في جوهر ماهيّة القيادة، وطبيعة وجودها، واللبنات الأساسية التي تُشكل ظاهرة القيادة ككيان واقعي، كما أن ديناميكية علم الإدارة ومفهوم القيادة، يستوجب إعادة التفكير في انطولوجيا القيادة، من خلال مقاربات نقدية، والتحول من المقاربات التقليدية التي تركز على القائد وسماته، نحو منظورات أخرى للقيادة، وهي المنظورات القائمة على العلائقية، والقيادة الجماعية، والقيادة التحويلية والتشاركية والأخلاقية.
فعلى مدار فترات طويلة من التاريخ الإداري والمؤسسي، بقيت القيادة تُدرس بوصفها مجموعة من السمات، او المهارات المكتسبة، أو السلوكيات الوظيفية، التي يمكن تعلُّمها في قاعات المحاضرات، غير أن التعقيد المتسارع لعالمنا المعاصر، والأزمات الوجودية المتلاحقة التي تعصف بالمنظمات والكيانات، كشفت عن قصور هذا المنظور السطحي، ومن هنا، برز الاهتمام بالأسس الانطولوجية للقيادة، كإطار فلسفي وتطبيقي يعيد تعريف الظاهرة القيادية من جذورها. فعملياً تراجعت فكرة اعتبار القائد هو ذلك "البطل العظيم" القابع في أعلى الهرم التنظيمي، والذي يستمد وجوده من سلطته الرسمية، وقدرته المنفردة على الحسم وصناعة القرار، حيث شهدت هذه البنية الوجودية للقيادة انعطافة حاسمة، فتحولت أنطولوجيا القيادة من الفردانية إلى العملية العلائقية والجماعية، إن جوهر القيادة الحديثة لم يعد يكمن داخل شخص القائد الفرد، بل أصبح يولد ويتشكل في الحيّز الممكن ما بين القائد، والتابعين، والسياق المحيط. ولم يعد القائد هو مصدر الحقيقة الوحيد، بل تحول دوره الوجودي إلى مُيّسر لتدفق الأفكار والابداع داخل شبكة إنسانية معقدة. هذا التحوّل يعني أن كينونة القائد المعاصر أصبحت تُقاس بقدرته على توليد المعنى المشترك، وتحفيز الذكاء الجماعي، فالقيادة لم تعد صفة فردية ثابتة، بل تحولت إلى كينونة ديناميكية متغيرة فرضتها التحولات الفكرية والتكنولوجية، والاجتماعية، والنفسية.
هذه المقاربات تكتسب أهمية خاصة في ظل الثورة الرقمية المعاصرة، كونها تحوّل ثوري يعيد صياغة ماهيّة العمل البشري. خاصة مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على اتخاذ القرارات الاستراتيجية القائمة على البيانات، والتنبؤ بالمسارات المستقبلية، فلم تعد كينونة القيادة في عصر الذكاء الاصطناعي تتمحور حول التفوق المعرفي أو القدرة الحسابية، بل تحولت نحو الذكاء الوجودي، والحكمة الوجدانية، وبث الأمل والرؤية المُلهمة، في هذا السياق، أصبحت أنطولوجيا القيادة تدور حول "أنسنة الوجود المؤسسي"، حيث يتحول القائد من خبير تقني إلى مُلهم، ومحفز للطاقات الإبداعية الحرة التي لا يمكن لأي خوارزمية اختزالها بعمليات حسابية، ان التغيّر في أنطولوجيا القيادة ليس خياراً كمالياً، بل هو ضرورة للبقاء في عالم متسارع ومعقد.
ان القائد أداة معرفية وبناء تحليلي، وهو فاعل اجتماعي هام، يخلق التأثير والالهام في الاتباع، ويوجهم نحو تحقيق الأهداف، وهو محرك للتفاعل الاجتماعي وعلاقات التبادل والتي تعتبر جوهر عملية القيادة الديناميكية، فالقيادة الجماعية التفاعلية بحاجة، لا تنفي دور القائد، بل بحاجة الى قائد تفاعلي، قادر على توليد الزخم، وبث الالهام، وتبادل الأدوار، وضمان اتساق وتركيز عمل المجموعة، وبالمفهوم الفيزيائي فإنه يمكن تشبيه القيادة بالطاقة الحركية الناتجة عن تفاعل الأفراد والاتباع، وهي طاقة عظيمة بحاجة إلى تركيز وتكثيف وتوجيه، وهذا ما يقوم به القائد الذي يعيد توجيه هذه الطاقة في مسارات عملية واضحة، تضمن عدم التشتت والتكامل معاً، والاستثمار الأمثل في كافة الجهود، وصولا الى تحقيق الأهداف.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في السياق الفلسطيني، سيّما في مجال الإدارة العامة، حيث تفرض التحديات المالية والاقتصادية والمؤسسية والسياسية ضرورة تطوير أنماط القيادة، وتعزيز القدرة على التكيّف مع الأزمات، والاستدامة، وتحسين استخدام الموارد المحدودة، ورفع مستوى الاستجابة لاحتياجات المواطنين، الامر الذي يتطلب توسيع المشاركة والاستفادة من الخبرات المؤسسية، فالتحديات المركبّة التي تواجه الإدارة العامة في فلسطين لا يمكن التعامل معها بكفاءة من خلال القرارات الفردية وحدها، بل تتطلب بناء فرق عمل متخصصة، وتعزيز التنسيق، وتطوير آليات صنع القرار القائم على الأدلّة، وترسيخ ثقافة مؤسسية تشجع المبادرة والتعلم والمساءلة، ويستدعي ذلك تبني مقاربات قيادية متكاملة، فالقيادة التحويلية تسهم في صياغة الرؤية وتحفيز العاملين نحو التغيير، والقيادة التشاركية توسع قاعدة المشاركة والاستفادة من المعرفة المتاحة، فيما تعزز القيادة الأخلاقية النزاهة والشفافية والمساءلة، أما المقاربة العلائقية، فتساعد على فهم القيادة باعتبارها نتاجًا للتفاعل بين الأفراد والسياق التنظيمي، ولا ينبغي النظر إلى هذه المقاربات باعتبارها بدائل متعارضة، بل بوصفها مداخل متكاملة يمكن توظيفها وفقًا لطبيعة المؤسسة وأهدافها والتحديات التي تواجهها. كما أن تطبيقها يتطلب بيئة تنظيمية داعمة، وإتاحة المجال أمام الكفاءات للمشاركة في تطوير السياسات العامة، ضمن إطار من الحوكمة الرشيدة، وختاماً انّ التحوّل نحو تبني مقاربات القيادة الحديثة، ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة للحفاظ على الكيانية، فمن لا يتقدم يتقادم، ومن لا يتجدد يتبدد.



#مؤيد_عفانة (هاشتاغ)       Moayad_Afanah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخنق الاقتصادي والتهجير الصامت: كيف تُعيد إسرائيل هندسة الض ...
- الانتخابات الإسرائيلية ... أيام صعبة للفلسطينيين
- في ظل انخفاض الدولار والمحروقات، لماذا لا تنخفض الأسعار!
- نحو استراتيجية وطنية لمواجهة قرصنة إيرادات المقاصّة
- نحو ترشيد مكافآت رؤساء وأعضاء مجالس الهيئات المحلية
- الخنق الاقتصادي وتفتيت الهوية الجمعية الوطنية
- الخنق الاقتصادي: من أزمة ماليّة عامّة إلى تهديد وجوديّ
- في زمن الحرب... ضرورة تفعيل خلية أزمة في فلسطين
- قرية الشباب ... أنموذج على تحدّيات التنمية في ظل الاحتلال
- إحلال الواردات الفلسطينية ... خطوة نحو تعزيز المَنَعة الاقتص ...
- رؤية نحو الانفكاك من قيود المقاصّة مع اسرائيل
- الدعم الدولي الطارئ للخزينة الفلسطينية جيد، ولكن!
- اللامركزية الرشيدة ... في مواجهة قيود الاحتلال وبيروقراطية ا ...
- الخنق الاقتصادي استراتيجية إسرائيل لتقويض الكيانية الفلسطيني ...
- ‏‏ تعمّق أزمة الماليّة العامّة ... والحلول المُتاحة
- قراءة في تقرير البنك الدولي حول الإنفاق العام للسلطة الفلسطي ...
- أزمة تكدّس الشيكل ... والحلول الممكنة
- الانتخابات وإعادة انتاج العقد الاجتماعي
- موازنة المواطن ... وتعزيز الحَوْكَمة في إدارة المال العام
- قراءة أوليّة في مشروع قانون الانتخابات المحليّة الفلسطينية 2 ...


المزيد.....




- رئيسة الدبلوماسية الأوروبية تعلن عن خطط لمنافسة روسيا والصين ...
- خبراء: نجاح قرار تخفيض الدينار يعتمد على استقرار صادرات النف ...
- الحكومة المغربية الجديدة تعلن برنامجها الاقتصادي وتستهدف نمو ...
- تراجع الأسهم الأوروبية والفرنسية تحت وطأة الاضطرابات السياسي ...
- توقعات باستئناف تركيا دورة التيسير النقدي بخفض أسعار الفائدة ...
- قطر تخطط لبناء محطتين للكهرباء في لبنان وتزويده بالغاز لعقدي ...
- السعودية تؤجل مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار إلى 2027
- بكين تعزز احتياطاتها من الذهب كدرع استراتيجي لمواجهة هيمنة ا ...
- الأمريكيان روبرت هول ومايكل وودفورد يتوجان بجائزة نوبل للاقت ...
- حرب استنزاف اقتصادية تخنق الإيرانيين: انهيار للعملة وتفاقم ف ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مؤيد عفانة - مقاربات نقدية في أنطولوجيا القيادة