أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مؤيد عفانة - الخنق الاقتصادي وتفتيت الهوية الجمعية الوطنية














المزيد.....

الخنق الاقتصادي وتفتيت الهوية الجمعية الوطنية


مؤيد عفانة
كاتب

(Moayad Afanah)


الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 22:48
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


بقلم: مؤيد عفانة
خبير اقتصادي
لم يعد الاقتصاد في الحالة الفلسطينية مجرد مسألة مؤشرات، وأرقام، وموازنات، وعجز مالي، وناتج محلي إجمالي، وميزان تجاري، وكل ما يدّرس في المناهج العلمية ذات الصلة فحسب، بل تحوّل تدريجياً إلى ساحة صراع مركزية توظفّه إسرائيل ومن خلال أدوات اقتصادية عدّة، لإعادة تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي تجاه انفاذ ما تسميه أدبيات ومنظّرو الصهيونية الدينية بخطة الحسم، بهدف تقويض الكيانية الفلسطينية، ووأد فكرة الدولة الفلسطينية، فالأزمة الاقتصادية التي يعيشها الشعب الفلسطيني اليوم، بتشعباتها المختلفة، وتحديدا أزمة المالية العامّة لا يمكن قراءتها فقط بوصفها أزمة ماليّة عابرة، وإنما باعتبارها حالة من الخنق الاقتصادي المًمنهج الذي تتجاوز آثاره الموازنة العامة، أو أزمة الرواتب، أو مستوى المعيشة، لتصل إلى بنية الانتماء الوطني، والهوية الجمعية للشعب الفلسطيني.
فعلى مدار السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ تنامي قوة اليمين الإسرائيلي في المشهد السياسي، تعرض الاقتصاد الفلسطيني لسلسلة من الضغوط المركّبة، تراكمت وتشابكت بشكل كبير بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، لتشمل حجز كافّة إيرادات المقاصّة، وخلق أزمة تكدّس الشيكل، ومنع العمال الفلسطينيين العاملين في الاقتصاد الإسرائيلي من العودة إلى اعمالهم، وتقييد الحركة والتجارة، وتعطيل سلاسل الإنتاج والتوريد، والتدمير المُمنهج لقطاع غزة، وللبنى التحتية في محافظات شمال الضفة الغربية، والتهجير القسري للمواطنين الفلسطينيين من الأغوار الفلسطينية وجنوب الضفة، والهجمات المنظمّة للمستوطنين في أطراف المدن والقرى الفلسطينية، عدا عن السيطرة الاسرائيلية المحمومة والصامتة على المناطق المصنفة (ج)، وغيرها من الإجراءات، وهذه العوامل مجتمعة لم تُنتج فقط أزمة ماليّة، او تراجع مؤشر اقتصادي هنا أو هناك، بل خلقت حالة مزمنة من الخنق الاقتصادي، وحالة من عدم اليقين، وتبعا للأدبيات العالمية ذات الصلة، فعندما يفقد الإنسان القدرة على توقع مستقبله الاقتصادي، أو توفير اساسيات حياته، تتغير أولوياته تلقائياً؛ إذ يتراجع التفكير العام لصالح النجاة الفردية.
ومن هنا تبدأ العلاقة العميقة بين الاقتصاد والانتماء الوطني بالظهور. فالانتماء الوطني لا يتشكل فقط عبر الخطاب السياسي أو الرموز الثقافية، بل يحتاج إلى حدٍ أدنى من الاستقرار الاقتصادي، الذي يعزز من صمود المواطن، ويسمح للفرد بالشعور بأنه جزء من مشروع جماعي قابل للاستمرار والحياة، أمّا حين يصبح تأمين الدخل اليومي، ومتطلبات الحياة الأساسية هي الهمّ الشاغل للمواطن، فإن الحيّز النفسي والاجتماعي للعمل العام يضيق تدريجياً، تجاه الهروب نحو النجاة الفردية.
كما أن الخنق الاقتصادي يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، اضافة إلى تزايد الرغبة بالهجرة، واتساع الفجوات الاجتماعية، وتصاعد المنافسة على الموارد، حتى وإن لم تكن محدودة خوفاً من المستقبل، وربما ما يشهده المجتمع الفلسطيني من أزمات للغاز أو الوقود انموذج لهذا التنافس والتدافع غير المبرر، إلّا من خلال منظور النجاة الفردية، والأخطر، أنه مع الوقت، تنمو الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، ليس نتيجة خيار أيديولوجي، بل كرد فعل طبيعي على الندرة الاقتصادية والقلق المستمر، وتآكل الثقة العامة تدريجياً. فالخنق الاقتصادي المُمارس حاليا من إسرائيل، يبقي الاقتصاد الفلسطيني في حالة ضعف دائم؛ وعاجز عن النمو الحقيقي، ومجتمع يعمل ويحاول لكنه غير قادر على التخطيط للمستقبل، وفي هذه المنطقة الرمادية بين الحياة والانهيار تتشكل أخطر التحولات الاجتماعية، حيث يتحول القلق المعيشي إلى الإطار الحاكم لسلوك الأفراد والجماعات، والأخطر في هذه العملية أنها بطيئة وصامتة، فهي لا تُحدث صدمة واحدة واضحة، بل تراكمات صغيرة تغيّر السلوك الجمعي مع مرور الزمن، وبتوظيف مصطلح "الألفة الغافلة"، ومع استمرار الضغط الاقتصادي، يتحول المجتمع من مجتمع يرنو نحو مشروعه الوطني، إلى مجتمع منشغل بإدارة الأزمات اليومية، ومن برنامج سياسي جماعي إلى استراتيجيات فردية للبقاء.
إن مواجهة الخنق الاقتصادي لا تبدأ فقط بالإجراءات المالية، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الاقتصاد كمساحة صمود جماعي. فتعزيز الإنتاج المحلي، وحماية الفئات الوسطى، ودعم الفئات المهمشة ليست مجرد سياسات اقتصادية، بل أدوات للحفاظ على التماسك الاجتماعي والانتماء الوطني، فالاقتصاد، أحد أهم روافع الهوية والاستقرار، وعندما يُستخدم الاقتصاد لخنق المجتمع، يصبح الدفاع عنه دفاعاً عن المعنى الجماعي للوجود الوطني نفسه.
ختاماً، إنّ النجاة الفردية في زمن التهديد الوجودي، وهمٌ لا يبني وطناً ولا يحمي إنساناً، ورغم الواقع الصعب، يبرز التحدي الحقيقي: إمّا وهم الخلاص فرادى، أو حقيقة النجاة معاً، والخيارات محدودة، إمّا أن نصمد معاً، او ننهار.



#مؤيد_عفانة (هاشتاغ)       Moayad_Afanah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخنق الاقتصادي: من أزمة ماليّة عامّة إلى تهديد وجوديّ
- في زمن الحرب... ضرورة تفعيل خلية أزمة في فلسطين
- قرية الشباب ... أنموذج على تحدّيات التنمية في ظل الاحتلال
- إحلال الواردات الفلسطينية ... خطوة نحو تعزيز المَنَعة الاقتص ...
- رؤية نحو الانفكاك من قيود المقاصّة مع اسرائيل
- الدعم الدولي الطارئ للخزينة الفلسطينية جيد، ولكن!
- اللامركزية الرشيدة ... في مواجهة قيود الاحتلال وبيروقراطية ا ...
- الخنق الاقتصادي استراتيجية إسرائيل لتقويض الكيانية الفلسطيني ...
- ‏‏ تعمّق أزمة الماليّة العامّة ... والحلول المُتاحة
- قراءة في تقرير البنك الدولي حول الإنفاق العام للسلطة الفلسطي ...
- أزمة تكدّس الشيكل ... والحلول الممكنة
- الانتخابات وإعادة انتاج العقد الاجتماعي
- موازنة المواطن ... وتعزيز الحَوْكَمة في إدارة المال العام
- قراءة أوليّة في مشروع قانون الانتخابات المحليّة الفلسطينية 2 ...
- وَاقِعُ الماليّة العامّة في فلسطين بعد حُزمة الدعم الأوروبية
- النقاش المجتمعي لمشروع الموازنة العامة ... خطوة هامة نحو تعز ...
- خُنْقُ الضَّفَّةِ الْغَرْبِيَّةِ اقْتِصَادِيًّا تَوْطِئَةً ل ...
- وَأَفَلُ الْعَامِ 2024... الْعَامُ الْأَصْعَبُ عَلَى الِاقْت ...
- خُطَّة اَلْحَسْمِ اَلْإِسْرَائِيلِيَّةِ وَخَنْقِ اَلضَّفَّةِ ...
- قَانُونُ تَعْوِيضِ الْقَتْلَى الإسرَائِيليّين ... تَطَوُّرُ ...


المزيد.....




- تقرير دولي: الاقتصاد العراقي يحتل المرتبة 44 عالمياً بنمو مس ...
- إعادة ترتيب -دوائر الثقة-: الإمارات تفرز الشركاء بمعياري الأ ...
- حرب إيران تهوي بوتيرة تسليم طائرات إيرباص لأقل مستوى منذ 200 ...
- مطارات أوروبا تخشى أزمة في وقود الطائرات خلال 3 أسابيع
- ارتفاع الغاز الإيراني إلى 20 مليون م³ يومياً يعزز إنتاج الكه ...
- برنت الفوري يكشف أزمة خفية في سوق النفط العالمية
- الصين تودع انكماش أسعار المنتجين بعد أكثر من 3 سنوات
- تراجع مبيعات بورشة الألمانية للسيارات في الربع الأول
- أوروبا وأميركا تقتربان من إبرام اتفاق بشأن المعادن الحرجة
- استراتيجية التكامل العربي: هل حان وقت التحرر من التبعية الاق ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مؤيد عفانة - الخنق الاقتصادي وتفتيت الهوية الجمعية الوطنية