|
|
قصيدة وقراءتان
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 00:27
المحور:
الادب والفن
قراءتان في قصيدة
صباح الخير أخي مقداد... (يُصايحني) نص يفيض بخصلتين: الهدوء والجمال. كأن القمر مرآة لأحلام تقاوم الشيخوخة، وفضة لا تطفئها المسافات ولا الغياب. قصيدة (تُصايحني) تهمس بأن بعض الجمال لا يأفل، بل يظل راسخاً في الروح مثل سماء نأوي إليها كلما أتعبتنا الحياة سلمت لصديقك نبيل عبد الأمير الربيعي
صباح السبت 17/10/ 2620 (*) (اليومي والكوني والسلم الدلالي في قصيدة يُصايحني) د. علاء العبادي
تنهض قصيدة ،، يُصايحني،، لمقداد مسعود على مفارقة دلالية وجمالية هي أساس تجربتها. فعل حميم صوتي وانفعالي بطبعه، مسند إلى قمر هادئ ورزين. هذا الاحتكاك بين اليومي والكوني هو ما يمنح النص فرادته. العنوان لا يسمي القصيدة فحسب، بل ينشئ توترها الأول مفردة توحي بالإلحاح والعتاب، وحين تقترن بقمر هو رمز السكينة، ينتقل القمر من موضوع بعيد للتأمل إلى مخاطب قريب، وتتحول الطبيعة من خلفية إلى طرف حواري وجودي قيمتها الفنية ليست في أدعاء سبق معجمي، بل في هذا التفاعل الخلاق بين المعجم المحكي والصورة الكونية. ويتعزز هذا التوتر في مطلع القصيدة (كأنه يُصايحني في شيء) الصيغة كلها مبنية على الاحتمال لا اليقين ،، كأنه،، مسافة إدراكية، و(كان) استعادة ذاكرة و،، في شيء،،تعليق مقصود للمضمون يحجب الرسالة ويجعل المضمون منتجاً. المشهد بعد ذلك يتحدد مكانياً(قمرٌ هادئٌ في سماءِ الحديقةِ) وهي صورة تدمج الفضاءين: السماء اتساع كوني والحديقة حيز حميم مسوّر بالذاكرةِ والعزلة. الكون ينحني هنا على مسافة ذاتية، وهذا ما يفسر حميمية النداء. وتكرار الوصف (هادئ ورزين) ليس حشواً بل إبطاء إيقاعي مقصود يمنح القمر ملامح شخصية، فالهدوء حالة حسية والرزانة هيئة أخلاقية توحي بالوقار ونضج التجربة. من هذه النقطة يبني الشاعر جهازه التعبيري الأساسي، وهو التشخيص. الزهور،، تغتاظ من حسنه،، والشجر السامق،، ،،يكره فضته ربما تذكره بالمشيب،، الطبيعة لم تعد فضاء انسجام، بل مجتمع مصغر تحكمه الغيرة والخوف. الزهر وهو جمال نضارة فان، يغتاظ من جمال يبدو أكثر ثباتاً، والشجر، برغم سموه، يكره انعكاس الزمن في ضوء القمر. وبراعة الصورة تكمن في تحويل اللون إلى علامة زمنية. الفضة وصف ضوئي يصبح عبر تشابه البياض تذكيراً بالشيب، فيحمل اللون الواحد دلالتين متعارضتين، جمالا وإنذاراً، تبعاً لموقع الكائن من الزمن. ثم تتسع الدائرة من الأرضي إلى الكوني مع (النجوم القصية) المسافة تتحول من مقدار هندسي إلى كائن له (قامة حين تنام) والنجوم تتحسر تتمنى. الرغبة هنا لا تطلب إلغاء المستحيل بل هدنة معه، لحظة ينام فيها سلطان البعد. وتبلغ هذه الرغبة ذروتها في استعارة ،، نهره الفضي). الضوء لم يعد صفة بصرية بل وسط مائي يمكن العوم فيه، أي رغبة في الدخول إلى الجمال لا مجرد رؤيته من الخارج. والفضة التي كانت تذكيراً بالشيب تعود مادة حلمية، مما يكشف قدرة الصورة الواحدة عل حمل المعنى ونقيضه. أما العبارة ( قبل شيخوخة أحلامنا) فهي النقلة الفلسفية الأهم. الشاعر لا يقول قبل شيخوختنا بل شيخوخة أحلامنا، فينقل الزمن من الجسد إلى المجال النفسي. الخطر لم يعد فناء الجسد، بل ضمور القدرة على التطلع نفسه و،، قبل،، تضع الرغبة كلها تحت ضغط الاستعجال الوجودي. وتأتي الخاتمة،، قمرٌ/ راسخٌ مثل سماواتنا/ لا يغيب،، لتنقل النص من الشك إلى اليقين الشعري. التقطيع البصري للأسطر يبطئ القراءة ويعزل كل كلمة كدرجة في سلم دلالي من المحسوس إلى الرمز: الرسوخ يتجاوز الهدوء والرزانة ليصبح علاقة بالوجود والاستمرار، و،، مثل سماواتنا،، بضمير الجماعة ينقل التجربة من النداء الفردي،، يُصايحني،، إلى أفق مشترك،، أحلامنا،، ،، سماواتنا،، و،، لا تغيب،، ليست تقريراً فلكياً بل حقيقة وجدانية، فالقمر يبقى في الذاكرة علامة على العودة حتى حين يتوارى عن العين. فنياً يقوم النص على اقتصاد لغوي دقيق، أفعال منتقاة: تغتاظ. يكره. تتحسر. تنام. نعوم. هذه الأفعال تنقل الوعي من التوتر إلى التمني، وصور تتحول عضوياً، الفضة من جمال إلى شيب إلى نهر. والقامة من شجر إلى مسافة إلى سماوات. والقراءة النقدية لا تكتمل دون التوقف عند حدود الاختيار. التشخيص المتكرر، رغم دوره في توحيد النص، يجعل الطبيعة مسرحاً لانفعالات بشرية مألوفة ويقلل من استقلالها الحسي، لكنه يظل اختياراً واعياً لبناء كون مواز تتجسد فيه المخاوف. والانتقال من النجوم إلى النهر إلى شيخوخة الاحلام .. انتقال مكثف يراهن كثيراً على قدرة القارئ على وصل الفجوات. كما أن الحسم الختامي(لا يغيب) يميل إلى الإغلاق بعد قصيدة بنت جمالها على الاحتمال، غير أنه يبقي هوية القمر الرمزية مفتوحة. في المحصلة، القصيدة ليست عن جمال يزين العالم. بل عن جمال يكشف هشاشة الكائنات ويوقظ غيرتها وخوفها ورغبتها في العوم في نهره قبل أن تشيخ الأحلام، والقمر الراسخ فيها ليس انتصاراً على الزمن. بل صورة لما نحتاج أن يبقى كي نواصل الحلم. 19/ 10/ 2026
يُصايحني مقداد مسعود كأنهُ كان يصايحني في شيء. قمرٌ هادئ ٌ في سماءِ الحديقةِ قمرٌ هادئٌ ورزين الزهور تغتاظ ُ مِن حسنه ِ شجرٌ سامقٌ يكرهُ فضتهُ ربما تذكرهُ بالمشيب النجومُ القصيّةُ تتحسر: ليت المسافة َ تقصّرُ مِن قامتِها حين تنام لنعوم في نهره ِ الفضي قبل شيخوخة ِ أحلامنا قمرٌ راسخٌ مثل سماواتنا لا يغيبْ
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
القاص والمترجم نجاح الجبيلي
-
يُصايحني
-
(قراءة في مذكرات طرفة بن العبد) للشاعر محمد حسن علي
-
نص ٌ يفيض...
-
يوم ُ عيدْ
-
تحية لحضرتك
-
الروائية هويدا صالح
-
رسالة (صراخ النوارس)
-
صباح الخير أخي
-
القاص زعيم الطائي
-
مقدمة (فصوص الخاتم) د. علاء العبادي
-
تالة والمجنون
-
حفريات وفصوص / الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي
-
تحية للناقد وتحية للحوار المتمدن
-
مادلين
-
رسالة عصر الجمعة
-
(حُب)
-
كتاب جديد
-
ثلاث حركات سينمائية. د. علاء العبادي
-
الشاعر بلند الحيدري .. وطبعة سعاد الصباح
المزيد.....
-
عازف الكمان ديفيد غاريت يطلق ألبومه الجديد «Immortal» احتفاء
...
-
التشكيلي طه سبع يستلهم من مراكش ليلة جديدة لألف ليلة وليلة
-
توماس مان يعود مظفرا بعد الحرب الى ألمانيا.. وجلسة عن المهرج
...
-
إطلاق مشروع «فضاء المدينة» في بيروت: مساحة شبابية جديدة لترم
...
-
الحياة الاجتماعية العثمانية في سياحتنامه أوليا جلبي.. التعلي
...
-
الإعلان عن 11 مسرحية مصرية في النسخة الـ 7 من موسم الرياض
-
العودة إلى الأساطير.. لماذا يتهافت الإيرانيون على ملحمة الفر
...
-
-لا تقولي حظا سعيدا-.. فيلم عن النضج والحزن ومواصلة الحياة
-
-كلايفيس-.. رهان جديد يمزج الرعب بأفلام الأبطال الخارقين
-
فيلم «بَكْمَة».. صرخة سينمائية تونسية في وجه التهميش والعنف
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|