أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عصام - هنالك مكان خالٍ للإيجار في مُخيلتي - قصة قصيرة














المزيد.....

هنالك مكان خالٍ للإيجار في مُخيلتي - قصة قصيرة


حيدر عصام
(Hayder Isam)


الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 03:49
المحور: الادب والفن
    


خرجَ للتو، حاملاً بيمينه قرارَ الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة، يسير بخطى متعثرة، ويرى الناس بوجوه مشوشة، جائعٌ، متسخ الثياب، يحاول تصفيف شعره الأشعث بأصابع يده، خجلاً من نظرات الناس من حوله، ينظر إلى ساعة يده فلا يجدها؛ سرقها ذاك البدين في حجرة التوقيف، كما سرق نظارته التي لا يجيد النظر من دونها. يفكر ملياً في كيفية نجاته من فكوك أسماك القرش التي كانت تحيط به، ظل أياماً يناقش مجموعة من المحققين في الفلسفة وطرائقها، لم يكونوا يفقهون عنها شيئاً، إلا أنهم كانوا يحدقون في وجهه بأعين جاحظة، بحثاً عن كلمة ما في أثناء حديثه، تؤدي به إلى السجن. ظل يبرر أفكاره لساعات، أُقيمت بحقه دعوى لنشره مقالاً موجهاً إلى رئيس الدولة، فزجوا به في السجن للتحقيق معه، تارةً بتهمة ازدراء الأديان، وتارةً أخرى بتهمة إهانة رئيس الدولة، غير أنه أوهن من أن يتحمل كلتا التهمتين؛ فهو أستاذ جامعي متخصص في علم الاقتصاد، هزيل الجسد، يشكو مرضاً في القلب، ذنبه الوحيد أنه أراد طرح بعض الرؤى عن الآثار الفلسفية للإلحاد في مجتمعه، مدح الإلحاد في مقاله لكونه يمجّد الشك، والشك أساس تناقض الأفكار التي تولّد التطور في كل المجالات، ثم عاد ليمجّد الرب، ويقدّس التدابير الإلهية في شؤون الخلق، وفي الختام، وجّه إلى رئيس الدولة توسّله والتماسه، طالباً منه أن يُلغي قراراً اتخذه بشأن الاقتراض من البنك الدولي بفائدة مرتفعة ترهق اقتصاد الدولة عند السداد، فقد قرر الرئيس اقتراض مليارات الدولارات لإنشاء دار عبادة كبيرة تخلّد اسمه على مر التاريخ، إلا أنه سيموت، وسيبقى اسمه وديون البنك الدولي يثقلان كاهل المواطن لأجيال. شرح في مقاله أثر الاقتراض والتضخم الذي سيصيب عملة الدولة، وشرح أيضاً ما سيتكبده المواطن من غلاء، وكيف سيفقد دخله قدرته الشرائية، وسيصيبه الجوع والعوز، ناشد رئيس الدولة، بصفته أحد المعترضين على الاقتراض، وأبدى استعداده لأن يُتّهم بالإلحاد، كتب بشجاعة نيابةً عن ملايين البشر من ذوي الدخل المحدود، وقال إن أصواتهم ستنضم إلى صوته، وإنهم سيدعون إلى الإلحاد لمنع بناء دار العبادة الباهظة الثمن، ووضع لمقاله عنواناً: "يا رجاء الملحدين". أغضبت مقالته تلك مبتكر فكرة الاقتراض، وهو زوج ابنة الرئيس، فطلب من الرئيس إحالة الكاتب إلى التحقيق، وحالما وقف أمام القضاة، أُجبر على إبداء الندم، وعلى الكذب والافتراء بشأن مقصده مما كتبه، كي يعود سالماً إلى زوجته وابنتيه. أُفرج عنه لندمه وتعهدِه بعدم تكرار ذلك، إلا أن القانون الجنائي لا يسمح بذكر هذه العبارات ضمن القرارات القضائية العادلة؛ فكتبوا في القرار "عدم كفاية الأدلة لإدانته"، وفي أثناء عودته، مرّ على صديقه بائع الكتب، لعله يجد بعض الماء ليغسل وجهه، خشية أن ترى ابنتاه في ملامحه انكساراً، ولطالما لقّنهما دروساً في شدة البأس. جلس في مكتبة صديقه، وبقربه وجبة طعام وكأس من الماء، تأثر صديقه لحالته التي تُرثى لها وكادَ أن يذرف الدمع، طلب منه أن يجري اتصالاً بزوجته، أخبرها بخروجه سالماً، فأخبرته بأنها أبلغت ابنتيه بأن سبب غيابه لأيام هو إلقاء محاضرة في إحدى المدن البعيدة، همّ صديقه بالذهاب إلى السوق، بينما تناول الكاتب وجبته، وأحضر له دميتين ليعطيهما لابنتيه، فتصدّقا كذبة سفره، وقف الكاتب شاكراً له، فسأله صديقه، ملاطفاً، إن كان يرغب في اقتناء كتاب جديد من كتب الاقتصاد أو الفلسفة، فرفض، طلب منه أن يعطيه كتاباً يغيّبه عن الواقع، واستدرك قائلاً: "أعطني ما شئت، فهنالك مكان خالٍ للإيجار في مُخيلتي".



#حيدر_عصام (هاشتاغ)       Hayder_Isam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاختصاص النوعي للمحاكم الكمركية في العراق
- فولتير، الرجل الذي صنعَ قُنبلةً من الحِبر
- -كم أحسد الاغبياء والاغنياء-
- البرلمان، فيزياء الدولة وكيمياء المجتمع
- النَظرة الأخلاقية للمُثُل العُليا
- الكتابة، ومستقبلها العَسير
- رُغم بُعدك عني
- الكاتب العربي، الباسل الجبان
- إسرائيل والتوظيف الديني لحروبِها
- (حسن نَصر الله)، سنوات القلق والطمأنينة
- مُخرجات اجتماع (القِمة) العربية، و(قاعِها)
- المحكمة الاوربية لحقوق الانسان، بين النظرية والتطبيق
- لمَ التباين في قرارات المحكمة الاتحادية
- سفينة العراق وثلاث قباطنة
- سياسيو العراق على فوهةِ بُركانٍ خامد
- ألهو بوجهِه
- اصابع لهفته
- لن أوصد الابواب
- ظهيرة غائمة
- غداً موعد اعلان نتائج الامتحانات الامريكية


المزيد.....




- دراسة صينية: موسيقى البيانو الهادئة تعالج التوتر أسرع من أصو ...
- مهرجان الجونة يفتتح دورته التاسعة بحفل استثنائي يحتفي بسحر ا ...
- تيك توك تغلق حساب فيلم وثائقي عن ماسك قبل عرضه
- بعد تضامنها مع روائية إيرلندية.. الشرطة البريطانية تحسم موقف ...
- حوار | سلوى السنيورة بعاصيري: العلاقات الثقافية بين مصر ولبن ...
- باتمان وتشاكي.. روح جيل -زد- ورموز فكاهية وأخرى من الثقافة ا ...
- -أدين باللغة لجدتي-.. الروائي الجزائري واسيني الأعرج يفتح دف ...
- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عصام - هنالك مكان خالٍ للإيجار في مُخيلتي - قصة قصيرة