|
|
هل تكفي العروبة تعريفاً للعراق؟
احمد عبدالرحيم البصري
كاتب وشاعر
(Ahmed Abdul Rahim Al-basri)
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 08:10
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
يعرّف الدستور العراقي لسنة ٢٠٠٥ بلدنا بأنه بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وعضو مؤسس في جامعة الدول العربية. أما دستورا ١٩٥٨ و١٩٧٠ المؤقتان فقد نصا على أن العراق جزء من الأمة العربية. فالتعريف الرسمي للعراق تغيّر في أقل من نصف قرن، بقرار من الدولة والسياسة. وهذا يدفعني إلى السؤال: هل الهوية معطى ثابت نكتشفه، أم تعريف تصنعه السلطة وتغيّره؟ ومن هنا أسأل: هل تكفي العروبة تعريفاً للعراق؟ ثم أوسّع السؤال: هل تكفي أي قومية تعريفاً لمجتمع؟
وأحدد قبل البدء ما أقوله وما لا أقوله. لا أنكر أن العربية لغة أكثر العراقيين، ولا أنكر وجود قبائل وجماعات عربية النسب فيه منذ قرون. وما أقوله ثلاثة أمور: أن العروبة وحدها لا تكفي لتعريف بلد تعاقبت عليه طبقات حضارية؛ وأن العروبة بوصفها مشروعاً سياسياً حديثاً رسّخته الدولة بوسائلها في التعليم والإعلام والدستور، وفُرضت بالقوة على بعض الجماعات، ولم تكن قدراً تاريخياً؛ وأن القومية عموماً، عربية كانت أو غير عربية، لا تصلح أساساً وحيداً لتعريف الناس، وأن الأولى أن يقوم المجتمع على المواطنة والمدنية في الغالب.
ما قبل العروبة في هذه الأرض ظهرت الكتابة المسمارية في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد تقريباً، ونشأت فيها بعض أقدم المدن المعروفة، وصدرت من أقدم المدونات القانونية التي وصلتنا، من شريعة أور نمو إلى شريعة حمورابي . ولم تكن السومرية وحدها، فقد عاشت الأكدية إلى جانبها ثم بعدها، وهي لغة سامية، أما السومرية فلغة معزولة لا يُعرف لها قريب. ثم أخذت الآرامية تنتشر على نطاق واسع منذ الألف الأول قبل الميلاد. واعتمدها الآشوريون لغة ثانية في القرن الثامن قبل الميلاد، قبل أن تكتسب مكانة واسعة في التخاطب والإدارة والتجارة في أجزاء كبيرة من الشرق الأدنى، وتستمر قروناً طويلة . وعند الفتح الإسلامي وجد العرب في سواد العراق فلاحين تسميهم المصادر العربية النبط، وهم في الغالب من أهل هذه الطبقة الآرامية. ولفظ النبط هنا وصف اجتماعي يتصل بسكان الريف أكثر منه تعريفاً إثنياً دقيقاً، وهو غير الأنباط أصحاب البتراء .
وتربط هذه الطبقة الرافدين بما يقع غربها: لغة مشتركة قديمة، وطرق تجارة، وإمبراطوريات حكمت الضفتين. وهي صلة تاريخ وثقافة، ولا تعني قومية واحدة بالمعنى الحديث، فالمفهوم نفسه لم يكن معروفاً في ذلك العصر. ولا أجعل التشابه في اللهجة والعادات بين شمال العراق وشمال الشام حجة في هذا المقال، فهو باب تفصله الدراسات المتخصصة.
وقد دعا آخرون، منهم أنطون سعادة وحزبه الذي أسسه سنة ١٩٣٢، إلى قومية تضم العراق مع بلاد الشام في هلال خصيب واحد، وهو تصور قومي سياسي يحدد جماعة قومية وحدوداً جغرافية خاصة بها . وأنا لا أدعو إلى ذلك، لأن قومية جديدة تقع في العلة التي أناقشها. ولا أرى بأساً في التعاون الإقليمي بين هذه البلدان، فالتعاون شيء والتوحيد القومي شيء آخر.
كيف صار العراق عربياً الدقة واجبة هنا، لأن الطرفين يخطئان في هذه النقطة. العرب ليسوا غرباء عن هذه الأرض، فالنصوص الآشورية تذكر جماعات تسميها عرباً منذ القرن التاسع قبل الميلاد . وهذه الشواهد تثبت وجود جماعات عربية في المنطقة، ولا تثبت وجود قومية عربية موحدة بالمعنى الحديث، فالأسماء المشتقة من لفظ العرب في النصوص القديمة لا تدل بالضرورة على هوية إثنية واحدة . وقامت في الحيرة قبل الإسلام مملكة اللخميين، وهي سلالة عربية حكمت المدينة تابعة للساسانيين. وترجّح الدراسات أن نواة سكان المدينة كانت آرامية، مع وجود جماعات عربية استقرت فيها .
وبعد الفتح مُصّرت الكوفة والبصرة، وصار العراق مركز دولة عربية إسلامية، وبُنيت بغداد عاصمة للخلافة العباسية سنة ٧٦٢م. وانتقلت اللغة من الآرامية إلى العربية تدريجياً عبر قرون، لا بقرار ولا في عقد واحد . هذه طبقة عربية حقيقية وعميقة، ولا يجوز لأحد أن يمحوها.
أما ما جرى في القرن العشرين فمسألة مختلفة. نشأت الدولة العراقية الحديثة من المناطق التي كانت تابعة للولايات العثمانية الثلاث: البصرة وبغداد والموصل، خلال ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى والانتداب البريطاني. وتوّج فيصل الأول ملكاً سنة ١٩٢١، وحُسمت تبعية الموصل للعراق بقرار من عصبة الأمم سنة ١٩٢٥ . ثم دخل فكر قومي عربي إلى المناهج والمؤسسات، ومن رموزه ساطع الحصري الذي تولى إدارة التعليم في عهد فيصل خلال عشرينيات ذلك القرن . وصار العراق عضواً مؤسساً في جامعة الدول العربية سنة ١٩٤٥. ونصت دساتير مؤقتة، منها دستور ١٩٥٨ في مادته الثانية ودستور ١٩٧٠ في مادته الخامسة، على أن العراق جزء من الأمة العربية، وأقر دستور ١٩٥٨ شراكة العرب والكرد في الوطن. أما دستور ٢٠٠٥ فيقر في مادته الثالثة بأن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وعضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية، وجزء من العالم الإسلامي، ويقر في مادته الرابعة بالعربية والكردية لغتين رسميتين، مع ضمان حق العراقيين في تعليم أبنائهم بلغاتهم الأم، كالتركمانية والسريانية والأرمنية، وفق ضوابطه . وهذا لا يعني أن بريطانيا اخترعت العروبة، فالفكر القومي العربي سبق ذلك بعقود وصنعه مثقفون من المنطقة، لكنه يعني أن الدولة جعلته إطاراً رسمياً في التعليم والخطاب الإعلامي والدستور.
ومن أوضح الأمثلة الموثقة على التعريب القسري سياسات التغيير الديموغرافي التي طالت كركوك ومناطق أخرى في شمال العراق، واستهدفت الكرد والتركمان والآشوريين، وشملت طرد السكان وإعادة توطين أسر عربية، والضغط على أفراد من هذه الجماعات لتغيير قوميتهم المسجلة رسمياً . وهؤلاء ضحايا تلك السياسات، وينبغي أن يُذكروا بأسمائهم.
البصرة والخليج يُستشهد بخليجية البصرة، أي بقربها من الخليج وصلاتها بالساحل، على أن العراق جزء من العالم الخليجي العربي. وفي الحجة وجه حق، فالبصرة مدينة بحر وتجارة. لكنها تأسست نحو سنة ٦٣٨م معسكراً وحامية للقبائل العربية المقاتلة، قرب ميناء الأبلّة المعروف في المصادر الكلاسيكية باسم أبولوغوس، فلا يصح وصفها بأنها ميناء سومري أو بابلي . وكانت الأبلّة مرفأً مزدهراً قبل الإسلام، فتحها العرب سنة ٦٣٥م، ثم غلبتها البصرة بوصفها مركزاً عسكرياً وإدارياً لجنوب العراق، بينما ظلت الأبلّة ميناء للتجارة مع الهند والشرق الأقصى، وابتعدت عن البحر شيئاً فشيئاً مع تراجع الخليج . وكان سكان البصرة الأوائل عرباً في أكثرهم، لكنهم شاركوا المدينة تجاراً من حوض المحيط الهندي وجماعة إيرانية كبيرة . وصارت البصرة والأبلّة في العصر العباسي حلقة مهمة في تجارة الخليج والمحيط الهندي، مع أن سيراف على الساحل الإيراني كانت المحطة الدولية الرئيسية في الخليج حينها، وكان بعض تجار البصرة يشاركون في تجارة الصين منذ القرن الثامن الميلادي .
وكانت بعض المدن السومرية القديمة، ومنها أور، أقرب إلى ساحل الخليج والأهوار المتصلة به مما هي عليه اليوم، قبل أن تسهم الترسبات النهرية والتغيرات البيئية في تغيير خط الساحل عبر آلاف السنين . ويبقى امتداد الساحل القديم في كل مرحلة موضع بحث بين الباحثين.
والأدق أن البصرة ملتقى: رافديني بالنهر والأرض، وخليجي وهندي بالبحر. وكان الخليج مجالاً للاتصال التجاري والثقافي، مع وجود حدود سياسية وتنافس في مراحل مختلفة، ولم يكن قبل النفط حاجزاً بين هويات مغلقة. وظهرت تسمية خليج البصرة في بعض الخرائط الأوروبية القديمة، ومن أمثلتها خريطة الهولندي بيتر فان دير، وتؤرَّخ في بعض الفهارس بنحو سنة ١٦٩٦م وفي بعضها بسنة ١٧٠٧م . غير أن ورود هذه التسمية في بعض الخرائط لا يعني أنها كانت الاسم الوحيد أو الأكثر شيوعاً في جميع العصور، فللخليج أسماء متعددة عبر التاريخ .
النسب.. يقال إن غالبية العراقيين ترجع أنسابهم إلى قحطان وغيرها من أرض اليمن، وإن هذا سبب تسمية العراق عربياً. قد يصح هذا في بعض القبائل، فبعض العشائر العراقية تحتفظ بأنساب متوارثة إلى قبائل يمنية أو غيرها، لكن هذه الأنساب التقليدية ليست سجلاً موثقاً لأصول مجموع العراقيين. وقد تحدث الوردي عن موجات قبلية بدوية استقرت في العراق عبر القرون .
لكن الحجة النسبية لا تحسم المسألة لأحد، لأن الغالبية الساحقة منا عراقيون أبناء عراقيين، وحتى لو كان الآباء من غير العراق، يكفي أننا ولدنا فيه وتربينا عليه. والعودة إلى الجد الألف تدخلنا في دوامة، جد عاشر من هنا وجد مئة من هناك. فإن كان الانتماء لمكان المولد والتنشئة، فالمبدأ يسري على الجميع، ويسري على قولي أيضاً: أنا لا أبني على دم سومري لا يملك أحد إثباته، ولا أدعو إلى قومية رافدينية، وإنما أقول إن المكان بطبقاته أحق بالنظر من النسب.
لقومية وجهان القومية في أصلها شعور جماعة بأنها واحدة، وهذا الشعور يمنح أبناءها تضامناً وعوناً. وقد نهضت القوميات في حركات التحرر من الاستعمار، وفي الدفاع عن حق الجماعات في تقرير مصيرها، وهذا وجه لا أنكره. لكن الجماعة حين تعرّف نفسها بقومية، تحدد في الوقت نفسه من لا ينتمي إليها، فإذا جعلت هذا الانتماء معياراً لمن يستحق الحقوق، أو لمن يملك حق تعريف الدولة، صارت أداة للتفرقة. ومن هنا قلت إن القومية قد تكون وجهاً آخر لعملة التفرقة والتمييز بين الشعوب، وتفضيل جماعة على أخرى.
ولا أنكر مثقفي القومية العربية وعلماءها في زمانهم، ولا ما وصلوا إليه واستنتجوه اجتماعياً وسياسياً، من أمثال ساطع الحصري وقسطنطين زريق. وقد كانت أفكارهم، في جانبها الوحدوي، تدعو في وقتها إلى الأخوة والتضامن بين شعوب رأت نفسها أمة واحدة، في أزمنة الحرب وفي أزمنة بناء المجتمعات. ولم تتفق تيارات القومية العربية على تصور واحد للمجتمع والدولة، فقد تعددت اتجاهاتها وتغيرت بتغير المراحل. وكانت تلك مرحلة انتقالية لم ندرك حينها ضعفها. ونقدي لا يمس نياتهم، وإنما يمس ما تؤول إليه الفكرة حين تصير معياراً يُقاس به الناس.
لكل شعب ثقافته لكل شعب في كل بلد ثقافته وطريقة تفكيره، وهما تتشكلان من أرضه وتاريخه وظروف معيشته، وتختلفان في الغالب عن غيرهما. وأعني بالشعب هنا جماعة من الناس تجمعها أرض وتاريخ وحياة مشتركة، لا نسب واحد. وهذا الاختلاف لا يعني تفاضلاً، فمن لا يشبهنا ليس أدنى منا ولا أعلى. ومن حق كل شعب أن يعرّف نفسه بنفسه، وألا يُعرَّف بقرار من خارجه، سواء صدر عن دولة أجنبية أو عن أيديولوجيا قومية. وهذا الحق يشمل الفرد داخل شعبه، فمن اختار أن يعرّف نفسه عربياً فهذا حقه، ومن اختار غير ذلك فهذا حقه، والثقافات مع ذلك ليست جزراً مغلقة، فهي تتبادل وتتأثر منذ أقدم العصور، وما يُنسب إلى شعب واحد كثيراً ما يكون ثمرة اختلاط شعوب.
ما يقوله علم الاجتماع لعلم الاجتماع كلام في هذا. فقد درس علي الوردي المجتمع العراقي من داخله، ووضعه ضمن سياق أوسع للمجتمع العربي، مع التركيز على التوتر بين قيم البداوة وقيم الاستقرار والحضارة، وعلى أثر هذا التوتر في السلوك والتناقضات الاجتماعية. وكتابه «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي» يحمل عنواناً فرعياً هو «محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع الحديث»، ولذلك لا أستشهد به على نفي عروبة المجتمع العراقي، ولا أنسب إليه قولاً في القومية لم يقله. وإنما أستفيد من منهجه في قراءة المجتمع من داخله، فهو يريني مجتمعاً تتجاور فيه القيم البدوية والزراعية والمدنية، ولا يختصره وصف واحد.
وأفاد الوردي من ابن خلدون في مفهوم العصبية، أي رابطة التضامن والتماسك في الجماعة، وهي عنده رابطة اجتماعية ونفسية وسياسية لا تقتصر على صلة الدم. ويمكن قراءة القومية الحديثة، من زاوية اجتماعية، بوصفها أحد الأشكال التي تتخذها حاجة الجماعات إلى التضامن والانتماء، مع اختلافها عن العصبيات القبلية والطائفية السابقة عليها. وهذه قراءتي أنا، وليست قول ابن خلدون ولا الوردي.
وقدّم حنا بطاطو، في دراسته للطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق، صورة مجتمع تتداخل فيه الروابط العشائرية والطائفية والطبقية والإثنية، ولا يختزله انتماء واحد. والاستنتاج السياسي هنا لي، ولا أنسب إلى بطاطو ما لم يقله.
وفي علم الاجتماع الحديث من يرى أن الأمم ليست معطى طبيعياً ثابتاً. فبندكت أندرسن يصفها بأنها جماعة متخيَّلة، أي أن أعضاءها يشعرون بالانتماء إلى جماعة واسعة لا يعرفون معظم أفرادها، وهذا لا يعني أنها وهم. وإرنست غيلنر يربط القومية بالحداثة وبالتعليم الموحد والمجتمع الصناعي. وإريك هوبزباوم يدرس كيف تنشأ تقاليد حديثة، أو يُعاد تشكيل ما هو أقدم منها، لتوفر رموزاً ومشروعية سياسية، دون أن تكون كل التقاليد الوطنية مصطنعة بالدرجة نفسها. وهؤلاء لا يقدمون نظرية واحدة متطابقة، ويخالفهم أنتوني سميث الذي يرى للأمم جذوراً إثنية سابقة على الحداثة . والخلاف علمي مفتوح، وأياً كان وجه الصواب فيه، فإنه ينطبق على كل قومية دون استثناء، ولهذا لا أقترح قومية بديلة. والاعتراف بالتعدد أولى من فرض هوية واحدة.
أقوى ما يُقال ضد هذا الرأي للرأي المخالف حجج قوية، وأعرضها بإنصاف مع ردي على كل منها. اللغة. العربية لغة الفكر والأدب والحياة اليومية لأكثر العراقيين منذ أكثر من ألف سنة. وأقرّ بذلك، لكن اللغة المشتركة لا تنتج بالضرورة هوية سياسية واحدة، فالإنجليزية يتكلمها البريطانيون والأمريكيون والأستراليون ولكل منهم هويته، والإسبانية في أمريكا اللاتينية كذلك. التعريف الذاتي. كثير من العراقيين يعرّفون أنفسهم عرباً، والهوية يحددها من يشعر بها. وهذا عين ما أقوله: من اختار العروبة هوية فله ذلك، ولا أعترض إلا على أن تُفرض بقوة الدولة أو بمناهجها على من لم يخترها. الحضور العربي القديم. العرب في الرافدين قبل الإسلام بقرون، وقد ذكرت ذلك في القسم الثاني. وهو طبقة من الطبقات، والاعتراف بها لا يمحو غيرها.
اللهجات. تقسم الدراسات اللسانية اللهجات العراقية تقليدياً إلى مجموعتين هما القلتو والگلت، مع تنوع كبير داخل كل منهما. وتنتشر لهجات الگلت في بغداد وأجزاء واسعة من الوسط والجنوب، بينما ترتبط لهجات الموصل والشمال بالقلتو. وبعض سمات لهجات الوسط والجنوب مرتبط تاريخياً بالاتصال بين العربية والجماعات البدوية، لكن السمة اللغوية لا تثبت أن أسلاف المتكلم بدو. وفي هذا التنوع شاهد على تاريخ الاتصال والهجرة والاستقرار، لا على أصل قومي واحد.
استعمال الماضي. استدعى النظام السابق رموز بلاد الرافدين في بناء أيديولوجيته السياسية وصورة الزعيم، كما وظّف بعض عناصر الماضي القديم في صياغة خطاب قومي عراقي . فاستدعاء الرافدين نفسه لم يسلم من التوظيف السياسي. وهذا يؤكد تحذيري: أي ماضٍ يتحول إلى هوية سياسية يصير أداة. ولهذا أدعو إلى معرفة الرافدين تاريخاً وثقافة، لا إلى جعله قومية.
المجتمع المدني وما أعرضه هنا فكرة للنقاش، لا رأياً أريد فرضه: مجتمع مدني في الغالب، يقوم على المواطنة المتساوية، فيكون الانتماء إلى الدولة قائماً على الحقوق والواجبات، لا على الدم ولا على الأصل ولا على اسم قومية. وفي مجتمع كهذا لا تفرض الدولة هوية ثقافية واحدة على الجميع، وتتخذ مع ذلك تدابير فعلية لحماية لغات الجماعات وثقافاتها وتاريخها وعاداتها، لأن الحياد السلبي وحده لا يكفي دائماً لحماية جماعة لغوية أو ثقافية أقل عدداً من غيرها. ويتعلم أبناؤها في المدارس تاريخ كل الطبقات التي مرت على أرضهم، لا طبقة واحدة منها. وفي هذا المعنى ما جاء في إعلان الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية ودينية ولغوية [٢٠]، وما أقره دستور ٢٠٠٥ من تعدد قومي ولغوي
وهنا يظهر سؤال لا يصح تجاهله: أين الكرد والتركمان والآشوريون والإيزيديون والمندائيون؟ العروبة تعريفاً لا تتسع لهم، وأي قومية أخرى تُفرض عليهم باسم جديد، رافدينية كانت أو غيرها، ستكرر المشكلة نفسها وتستبدل قسراً بقسر. أما المواطنة المتساوية فتتسع للجميع، ولا تطلب من أحد أن يتنازل عن هويته الثقافية.
وللفكرة سند عند مفكرين كثر. فيورغن هابرماس يتحدث عن الوطنية الدستورية، أي ولاء المواطنين لدستور ديمقراطي ومبادئه، لا لأي دستور بصرف النظر عن مضمونه. وللمفهوم نقاد يرون أن الدستور وحده لا يكفي لبناء شعور قوي بالانتماء. وأمارتيا سن يدافع عن تعدد هويات الإنسان الواحد ويحذر من اختزاله في هوية واحدة . وأقول في الغالب لأنني لا أدّعي أن المجتمع يخلو من الانتماءات، فهي طبيعية وتبقى، وإنما أطلب ألا تكون أساس الحقوق.
ما أقوله في الختام ينطبق على كل بلد وكل شعب. أنا لا أتبرأ من مكان ولا من فكرة، فقد كانت هذه الأفكار في زمنها تدعو إلى الأخوة بين الشعوب، في أزمنة الحروب وفي أزمنة نمو المجتمعات وبنائها، وكانت مرحلة انتقالية لم ندرك حينها ضعفها. وأحمل المحبة لكل قومية وُجدت على هذه الأرض أو ما زالت، ولكل فئة فيها. غير أن المحبة لا تمنعنا من إعادة التفكير، فنطلب البيان فيما ينفع وفيما يضر، ونجعل المنطق هو الحاكم فيما نقرره عن أنفسنا.
المراجع ان صح القول-
https://www.wiley-vch.de/en/areas-interest/humanities-social-sciences/a-history-of-the-ancient-near-east-ca-3000-323-bc-978-1-394-21022-0 https://www.iranicaonline.org/articles/hira/ https://real.mtak.hu/153693 https://academic.oup.com/edinburgh-scholarship-online/book/30331/chapter/257356703 https://www.palestine-studies.org/ar/node/35062 https://www.cia.gov/readingroom/-print-/1873245 https://servat.unibe.ch/icl/iz01000_.html https://www.constituteproject.org/constitution/Iraq_2005?lang=en https://www.hrw.org/reports/2004/iraq0804/index2.htm https://www.iranicaonline.org/articles/basra/ https://www.iranicaonline.org/articles/obolla/ https://proquest.com/docview/305339484 https://www.cambridge.org/core/journals/iranian-studies/article/nomenclature-of-the-persian-gulf/1048B286741DD0A8375F25D343C103A3 https://ediscovery.qnl.qa/islandora/object/QNL:00013369 https://ediscovery.qnl.qa/islandora/object/QNL:00017023 https://www.bisi.ac.uk/publication/languages-of-iraq-ancient-and-modern/ https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/1469605307086076
#احمد_عبدالرحيم_البصري (هاشتاغ)
Ahmed_Abdul_Rahim_Al-basri#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النشيد الوطني العراقي »موطني»: تاريخه، أصوله، ومحاولات تغيير
...
-
25 عامًا بعد أحداث 11 سبتمبر: تكلفة الحروب الأمريكية وتداعيا
...
-
أهوار العراق: بيوت القصب المتحركة
-
عبثية الانتصار: العراق وإيران في ذكرى 8/8
-
الكساد الكبير.. والعراق أشد كساداً
-
فلتَحيَ الساكسونية
-
من طين سومر
المزيد.....
-
-هل تعتقد أنك تُستخدم ككبش فداء لمشاكل ترامب-؟.. زيلينسكي ير
...
-
النفط يقفز إلى 110 دولارات للبرميل لأول مرة منذ 5 أشهر.. ما
...
-
إيران تحدد 3 شروط للصلح مع الولايات المتحدة
-
دول معاهدة الأمن الجماعي تجري مناورات
-
معتمر باكستاني يعود من الموت بعد 14 ثانية
-
اختتام منتدى -أسبوع الطاقة الروسي-
-
بعد خمسة أيام في المنصب.. ترامب ينهي مهام المتحدثة باسم البي
...
-
زيلينسكي في مهبّ العاصفة
-
سوريا.. سماع دوي انفجارات وحديث عن تصد لمسيرات معادية في غرب
...
-
ليبيا: روسيا شريك مهم بقطاع الطاقة
المزيد.....
-
اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون
/ سعيد العليمى
-
الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية
/ نجم الدين فارس
-
ايزيدية شنكال-سنجار
/ ممتاز حسين سليمان خلو
-
في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية
/ عبد الحسين شعبان
-
موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية
/ سعيد العليمى
-
كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق
/ كاظم حبيب
-
التطبيع يسري في دمك
/ د. عادل سمارة
-
كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟
/ تاج السر عثمان
-
كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان
/ تاج السر عثمان
-
تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و
...
/ المنصور جعفر
المزيد.....
|