أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد عبدالرحيم البصري - الكساد الكبير.. والعراق أشد كساداً














المزيد.....

الكساد الكبير.. والعراق أشد كساداً


احمد عبدالرحيم البصري

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 13:17
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


إن عُدنا بالذاكرة التاريخية إلى أزمة «الكساد الكبير» الذي خنَق العالم عام 1929م، وشخّصنا ما آلَت إليه الحال في الولايات المتحدة آنذاك؛ من جوع، وتدهور اقتصادي واجتماعي، وبطالة خنَقَت الفضاء العام، لوجدنا تشابهاً مرعباً مع واقعنا العراقي المَعاش. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن أزمة العالم كانت كَبْوَةً عابرة أعقبها نهوضٌ واستقرار، في حين نعيش نحن هذا الكساد على فتراتٍ متصلة وموجاتٍ متلاحقة. كل موجة تدفعنا إلى نقطة أعمق وأعتى من سابقتها. وإن كانت نسبة البطالة هناك قد لامسَت 25% لسنواتٍ معدودة فأقامت الدنيا ولم تُقعدها، فإن واقعنا المعاصر قد تجاوز هذه الأرقام طويلاً، لندخل في حالة من الشلل الاقتصادي الممتد، بلا بنية معيشية صلبة ولا اقتصاد حقيقي يُذكر.
واللافت أن العراق نفسه لم يكن بمنأى عن تلك الهزّة العالمية الأولى؛ فقد كان اقتصاده تحت الانتداب البريطاني آنذاك مرتهناً للأسواق الأوروبية، فانعكسَت عليه تبعات الكساد الكبير مباشرة، لتكون تلك اللحظة التاريخية ـ لا الثمانينيات فقط ـ هي نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا المسار الطويل الذي يقارب قرناً كاملاً من الاختلال المتجدد.
ففي الفكر الاقتصادي، يُعرَّف الكساد بأنه اختلال هيكلي طارئ يصيب دورة الإنتاج، فتستنفد الدولة أدواتها لتجاوزه والعودة إلى التوازن. أما في المشهد العراقي، فقد تحوّل الكساد من مجرد «حدثٍ استثنائي» إلى «نَمَطِ وجود». عقودٌ متلاحقة من الحروب، تلاها حصارٌ اقتصادي خانق، ثم تجريفٌ كامل لمرتكزات الدولة ومؤسساتها، مما جعل الاستثناء قاعدة، والخراب حالة استقرارٍ دائم تُعاد صناعتها مع كل متغيّر سياسي أو اقتصادي.
وتتجلى المأساة الحقيقية لهذا الكساد الممتد في حركته الحلزونية نحو الأسفل؛ إذ إن الجيل الذي عاصر ثمانينيات القرن الماضي ظنّ أنه لمَس القاع، ليأتي جيل التسعينيات ويجد نفسه في عمقٍ أشدّ ظلمة تحت وطأة الحصار، ثم جاء العصر المعاصر ليُرسّخ قناعة أشدّ قسوة: إننا لا نطفو لنستنشق الهواء، بل نأخذ «نَفَساً خاطفاً» لنغرق في نقطة أعمق مما سبق، حتى صارت النكسة لا تتلوها استراحة تعافٍ بل تمهيدٌ لنكسة أعتى، وبات الاستقرار مجرد وهمٍ مؤقت بين خَسارتين.
ولم يقتصر هذا الكساد على تجريف الأرقام وحسابات النمو فحسب، بل ضرب العقل الجمعي والمنظومة الاجتماعية للعمل؛ إذ أدّى غياب الصناعة الوطنية وتراجُع القطاع الزراعي، إلى جانب الارتهان المطلق لاقتصاد الريع النفطي، إلى تحويل المجتمع من بيئة مُنتِجة إلى النمط الاستهلاكي الذي ينتظر الفتات. تصاعدَت البطالة الهيكلية، وتلاشَت الطبقة الوسطى التي تُشكّل العمود الفقري لأي نهضة، فبات الفرد يلهث خلف الأمن المعيشي الأدنى، بدلاً من الابتكار والبناء.
وهنا يتجلى السؤال الأعمق: كيف يؤثّر كسادٌ دامَ قرناً على النفسية الجمعية؟ إن النتيجة الأشد خطورة لا تكمُن في الفقر المادي وحدَه، إنّما في «كساد الأمل» نفسِه؛ فقد اعتاد العقل العراقي ترقُّب الخطر، وأصبح التخطيط للمستقبل ترفاً لا يملكه أحد. تحوّل الخوف من الغد إلى غريزة بقاء، وبات الشغف نادراً في بيئة تُحبط المحاولة وتُكافئ الخمول، ليُورثنا هذا الكساد ذاكرةً مثقلة بالخسارات، ويحصر أقصى طموح الفرد في مجرد «النجاة اليومية».
ختاماً، إن قراءة الكساد العراقي ليست دعوةً للعدَمية، بل هي تشخيصٌ واجب لبؤرة الداء، إذ لا يمكن الخروج من هذا النفَق المظلم بمعالجة الأعراض الظاهرة وتجاهل المرَض الهيكلي؛ فالبلد الذي استُهلكَت طاقاته في الكساد لقرنٍ كامل، بحاجة إلى إعادة تعريفٍ شاملة لمفاهيم الدولة، والاقتصاد، والمواطنة. وتبدأ الخطوة الأولى من الوعي بأننا لسنا أمام أزمةٍ عابرة ننتظر انقضاءها، بل أمام واقعٍ يتطلب قطيعةً بنيوية جادة، ليستعيد هذا البلد قدرته على التنفّس والنهوض من جديد.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلتَحيَ الساكسونية
- من طين سومر


المزيد.....




- سهم -أرامكو- يصعد بعد صدور نتائج الشركة المالية
- محافظ البنك المركزي المصري يبحث مع وزير التعليم العالي والبح ...
- أرباح أرامكو تنمو 44% بالربع الثاني مع صعود النفط جراء الحرب ...
-  التوتر بين أميركا وإيران يرفع أسعار الذهب فوق 4,050 دولاراً ...
- الثقة المفقودة: أخطر ما يواجه الاقتصاد الفلسطيني اليوم
- صعود النفط مع استمرار الغموض حول المفاوضات الأمريكية الإيران ...
- الأرض احترقت خلال ساعات بعد اصطدام كويكب الديناصورات.. فهل ي ...
- الين يحافظ على مكاسبه بعد التدخل وسط حذر المتعاملين
- أرباح عملاق النفط السعودي -أرامكو- تفوق التوقعات
- -ترسانة الحرية-.. واشنطن تُسرّع إنتاج الصواريخ الاعتراضية تأ ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد عبدالرحيم البصري - الكساد الكبير.. والعراق أشد كساداً