|
|
25 عامًا بعد أحداث 11 سبتمبر: تكلفة الحروب الأمريكية وتداعياتها
احمد عبدالرحيم البصري
كاتب وشاعر
(Ahmed Abdul Rahim Al-basri)
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 21:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في مثل هذا اليوم، قبل خمسة وعشرين عامًا، استيقظ العالم على صور لا تُنسى: برجان يتهاويان، ودخان يبتلع سماء نيويورك، وعناوين صحف تصرخ بأن الولايات المتحدة تعرّضت لأعنف هجوم إرهابي في تاريخها. في تلك اللحظات، لم يكن أحد يتخيّل أن الصورة ستتحوّل، مع الوقت، إلى شيء آخر تمامًا: ذريعة. ذريعة لشنّ حروب، لاجتياح دول، لإعادة رسم خرائط، ولتمرير مشاريع هيمنة تحت شعار واحد بدا في البداية بريئًا: «مكافحة الإرهاب». اليوم، وبعد ربع قرن، صار من الممكن أن نسأل بهدوء: ماذا حقّقت تلك الحروب؟ ومن ربح فيها؟ ومن خسر؟ وهل كانت كل تلك التدخلات ضرورية حقًا، أم أن بعضها لم يكن سوى غطاء لمصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية، تُنفَّذ باسم أمن الشعوب، بينما هي في الواقع تُنفَّذ ضد تلك الشعوب نفسها؟
في صباح يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، استيقظ العالم على مشهد لم يكن يتخيله أحد: طائرات ركاب مدنية تُختطف، وتُحوَّل إلى صواريخ موجهة تصطدم بأهم الرموز الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة. الهجوم، الذي نُفّذ على أربع جبهات متزامنة، استهدف برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في واشنطن، بينما تحطمت الطائرة الرابعة في حقل ببنسلفانيا بعد أن قاوم الركاب الخاطفين، معتقدين أنها كانت متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكونغرس. الضحايا كانوا كثرًا: 2977 قتيلاً، باستثناء الخاطفين التسعة عشر أنفسهم. معظمهم سقط في نيويورك، داخل البرجين التوأمين والمباني المحيطة. وفي البنتاغون، قُتل 125 شخصًا. أما ركاب وطواقم الطائرات الأربع، فقتلوا جميعًا، وعددهم 246، بينما يرتفع العدد إلى 256 عند احتساب الخاطفين ضمن قتلى الطائرات.
بحسب الرواية الرسمية للحكومة الأمريكية، وتقارير لجنة التحقيق المستقلة المعروفة بـ«لجنة 11 سبتمبر»، فإن المنفذين كانوا 19 شخصًا، جميعهم مدربين من تنظيم القاعدة ومرتبطين به، ونُفذت العملية بتوجيه من قيادة التنظيم بقيادة أسامة بن لادن. التنظيم، الذي تأسس في أواخر الثمانينيات لمقاومة الغزو السوفيتي لأفغانستان، تحوّل في التسعينيات إلى تنظيم إرهابي عالمي، يعلن الجهاد ضد الولايات المتحدة وحلفائها، بحجة دعمها لإسرائيل، ووجود قواتها في السعودية، والعقوبات المفروضة على العراق. الخاطفون الـ19 توزعوا على أربع طائرات: الرحلة 11 (أميريكان أيرلاينز) اصطدمت بالبرج الشمالي وقادها المصري محمد عطا ومعه أربعة سعوديين: عبد العزيز العمري، وائل الشهري، وليد الشهري، وسطام السقامي. الرحلة 175 (يونايتد أيرلاينز) اصطدمت بالبرج الجنوبي وقادها الإماراتي مروان الشحي ومعه أربعة سعوديين: فايز بني حماد، حمزة الغامدي، أحمد الغامدي، مهند الشهري. الرحلة 77 (أميريكان أيرلاينز) اصطدمت بالبنتاغون وقادها السعودي هاني حنجور ومعه أربعة سعوديين: نواف الحازمي، سالم الحازمي، خالد المحضار، ماجد موقد. الرحلة 93 (يونايتد أيرلاينز) تحطمت في بنسلفانيا وقادها اللبناني زياد جراح ومعه ثلاثة سعوديين: سعيد الغامدي، أحمد الحزناوي، أحمد النعمي. أي أن 15 من الخاطفين كانوا سعوديين، واثنان من الإمارات، وواحد من مصر، وواحد من لبنان. وبدأ الخاطفون دخول الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني 2000، وكان جميع الـ19 موجودين فيها بحلول أوائل يوليو/تموز 2001، بحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI). العقل المدبر للعملية، بحسب التحقيقات، كان خالد شيخ محمد، الذي اعتُقل في باكستان في مارس/آذار 2003. ووصفته لجنة 11 سبتمبر بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر.
كان استهداف مركز التجارة العالمي مرتبطًا بفكرة ضرب الولايات المتحدة في مركز اقتصادي ورمزي بارز. ووفق لجنة 11 سبتمبر، رأى خالد شيخ محمد أن نيويورك هي العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة، وأن ضرب اقتصادها يمكن أن يكون وسيلة للتأثير في السياسة الأمريكية. ووُضع مركز التجارة العالمي ضمن قائمة الأهداف إلى جانب البنتاغون والبيت الأبيض ومبنى الكابيتول. كانت الأهداف قد حُددت عمدًا ضمن خطة القاعدة، وشملت مركز التجارة العالمي والبنتاغون والبيت الأبيض ومبنى الكابيتول. ووفق لجنة 11 سبتمبر، كان خالد شيخ محمد يدفع باتجاه استهداف مركز التجارة العالمي، بينما كان بن لادن يفضّل البنتاغون والبيت الأبيض. في رسائله وبياناته، أوضح بن لادن دوافع الهجمات، والتي شملت: الدعم الأمريكي لإسرائيل في صراعها مع الفلسطينيين، وجود القوات الأمريكية في السعودية أرض الحرمين الشريفين، العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق في التسعينيات التي تسببت في معاناة المدنيين، ودعم الولايات المتحدة لأنظمة عربية، بحسبه، «عميلة» وتقمع الشعوب الإسلامية. وفي تسجيل مصور ظهر عام 2004، اعترف بن لادن بمسؤوليته عن الهجمات ودوره في التخطيط لها.
التخطيط بدأ في منتصف التسعينيات، عندما قدّم خالد شيخ محمد الفكرة لأول مرة على بن لادن. في 1999، وافق بن لادن على المضي في الخطة، وبدأت عملية اختيار المنفذين وتدريبهم. وصل المنفذون الـ19 إلى الولايات المتحدة على مراحل بين عامي 2000 و2001. وحصل جميعهم تقريبًا على تأشيرات سياحية، باستثناء هاني حنجور الذي دخل بتأشيرة طالب، وكان جميع الخاطفين داخل الولايات المتحدة بحلول أوائل يوليو/تموز 2001، بحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI). في صباح 11 سبتمبر، استقل المنفذون الطائرات الأربع من مطارات في شمال شرق الولايات المتحدة، متجهين إلى كاليفورنيا. لكنهم، بعد الإقلاع بفترة قصيرة، سيطروا على الطائرات، ثم تولى الطيارون المدربون منهم قيادة الطائرات وتوجيهها نحو أهدافهم. 8:46 صباحًا: الطائرة الأولى تصطدم بالبرج الشمالي. 9:03 صباحًا: الطائرة الثانية تصطدم بالبرج الجنوبي، أمام عدسات الكاميرات. 9:37 صباحًا: الطائرة الثالثة تصطدم بالبنتاغون. 10:03 صباحًا: الطائرة الرابعة تتحطم في بنسلفانيا، بعد مقاومة الركاب. انهار البرج الجنوبي عند الساعة 9:58:59 صباحًا، ثم انهار البرج الشمالي عند الساعة 10:28:22 صباحًا. كما تعرضت مبانٍ أخرى في المجمع لأضرار جسيمة، وانهار مبنى مركز التجارة العالمي رقم 7 في وقت لاحق من اليوم، بعد حرائق استمرت قرابة سبع ساعات. وخلص المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST) إلى أن الحرائق أدت إلى سلسلة من الإخفاقات الإنشائية انتهت بانهيار المبنى عند الساعة 5:20:52 مساءً.
الساعات والأيام التي تلت الهجمات شهدت تغييرات جذرية في السياسة الأمريكية والعالمية. الولايات المتحدة، تحت إدارة الرئيس جورج بوش الابن، أعلنت «حربًا عالمية على الإرهاب»، وغزت أفغانستان في أكتوبر 2001، للإطاحة بحكومة طالبان، التي رفضت تسليم بن لادن وتفكيك معسكرات القاعدة. في 2003، غزت الولايات المتحدة العراق، وكانت أسلحة الدمار الشامل وملف الإرهاب وعدم امتثال نظام صدام حسين لقرارات الأمم المتحدة من بين المبررات التي طرحتها إدارة جورج بوش. وأظهرت التحقيقات اللاحقة عدم العثور على مخزونات من أسلحة الدمار الشامل كما افترضت تقديرات ما قبل الحرب، كما لم تجد لجنة 11 سبتمبر دليلًا على وجود تعاون عملياتي بين نظام صدام حسين والقاعدة لتنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة. لكن الهجمات لم تغير فقط السياسة الخارجية الأمريكية. غيرت أيضًا قوانين الأمن الداخلي، ووسعت صلاحيات أجهزة الاستخبارات، وأدخلت العالم في عصر جديد من الخوف، والمراقبة، والحروب التي لا تنتهي. وبعد 25 عامًا، لا تزال تداعيات 11 سبتمبر موضع نقاش سياسي وأخلاقي واسع، خصوصًا بشأن الحروب التي أعقبت الهجمات وتكاليفها البشرية والاقتصادية وآثارها الطويلة على الشرق الأوسط.
بعد أيام من الهجمات، بدأت إدارة الرئيس جورج بوش الابن في صياغة إطار أوسع لمواجهتها. وفي 20 سبتمبر 2001، أعلن بوش أمام الكونغرس ما عُرف لاحقًا بـ«الحرب على الإرهاب»، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستلاحق تنظيم القاعدة ومن يوفر له الملاذ والدعم. وفي 7 أكتوبر بدأت الضربات العسكرية على مواقع القاعدة وطالبان في أفغانستان. أول ضحية كانت أفغانستان. في أكتوبر 2001، غزت الولايات المتحدة البلاد، بحجة القضاء على تنظيم القاعدة وإسقاط نظام طالبان الذي وفّر له ملاذًا آمنًا. طالبان، منذ ظهورها في منتصف التسعينيات، كانت تنظيمًا ذا رؤية متشددة جدًا للإسلام، فرضت تفسيرًا ضيّقًا للشريعة على شعب بأسره، وقمعت الحريات الأساسية، خاصة للنساء والفتيات: منع التعليم، منع العمل، تقييد الحركة، عقوبات جسدية قاسية، وإعدامات علنية. كما وفّرت للقاعدة بيئة حاضنة وملاذًا آمنًا، ما جعل أفغانستان في تلك المرحلة أرضًا خصبة للإرهاب العابر للحدود. في هذا السياق، بدت العملية العسكرية الأمريكية في بدايتها ردًّا مشروعًا في نظر كثيرين.
لكن العملية سرعان ما تحوّلت إلى شيء آخر تمامًا. ما بدأ كعملية انتقامية محدودة الأهداف، تحوّل إلى احتلال طويل الأمد استمر عشرين عامًا كاملة، دون استراتيجية واضحة لبناء الدولة، ودون رؤية حقيقية للخروج. كلّفت الحرب الأمريكية في أفغانستان أكثر من 2.3 تريليون دولار وفق تقديرات مشروع Costs of War في جامعة براون، عند احتساب النفقات والالتزامات ذات الصلة بالحرب. وأودت الحرب بحياة أعداد هائلة من الأفغان، بينهم عشرات الآلاف من المدنيين، فضلًا عن الخسائر العسكرية والنزوح والآثار غير المباشرة للحرب. في الوقت ذاته، فكّكت العمليات العسكرية البنى التحتية للدولة، وخلقت فراغًا أمنيًا وسياسيًا عميقًا، سمح لاحقًا بعودة تنظيمات إرهابية، بل وظهور فروع جديدة لداعش في المنطقة، وهو تنظيم لم يكن موجودًا في أفغانستان قبل الغزو أصلًا.
على صعيد بناء الدولة، أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها مئات المليارات لتأسيس مؤسسات حكومية، وتدريب جيش وطني، وبناء أجهزة أمن. لكن هذه المؤسسات كانت تعاني من فساد مستشرٍ وهشاشة بنيوية عميقة؛ قادة عسكريون يُضخّمون أعداد قواتهم لاستيعاب رواتب وهمية، وحكومات متتالية فقدت ثقة الشعب. كما استفادت شركات ومتعهدون أمريكيون ودوليون من جزء كبير من عقود إعادة الإعمار، بينما وثقت تقارير أمريكية رسمية حالات واسعة من الهدر والفساد وسوء الرقابة. في نهاية المطاف، أصبح الاقتصاد والدولة الأفغانية يعتمدان بدرجة كبيرة على المساعدات الخارجية والتمويل الدولي، ولا سيما في تمويل الخدمات العامة والقطاع الأمني.
الثمن الإنساني كان هائلًا. نزح أكثر من خمسة ملايين أفغاني داخليًا وخارجيًا، وأجيال كاملة نشأت في مخيمات اللاجئين في باكستان وإيران ودول الجوار، أو في ظل حرب لم تتوقف يومًا. الأطفال الذين وُلدوا مع بداية الحرب في 2001، كانوا في التاسعة عشرة أو العشرين من أعمارهم حين انسحبت القوات الأمريكية في 2021، ولم يعرف بعضهم في حياتهم سوى الحرب. والنتيجة النهائية؟ في أغسطس 2021، انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان في مشهد فوضوي مذلّ، تدافع فيه المواطنون نحو مطار كابول هربًا من مصير مجهول. طالبان، التي أُريد إسقاطها قبل عشرين عامًا، عادت إلى السلطة خلال أيام، بعد انهيار متسارع لقوات الأمن والحكومة الأفغانية في معظم أنحاء البلاد. وعادت طالبان إلى فرض قيود شديدة على النساء والفتيات؛ إذ حُرمت الفتيات من التعليم الثانوي والجامعي، وأُقصيت النساء عن معظم الوظائف والحياة العامة، مع استمرار هذه القيود حتى السنوات الأخيرة. والناس يعانون من فقر مدقع، في بلد صار يعتمد على المساعدات الإنسانية لإطعام سكانه. السؤال الذي يطرح نفسه بقسوة: ماذا تحقّق؟ وهل كانت الطريقة الأمريكية في «مكافحة الإرهاب» جزءًا من المشكلة، لا من الحل؟
لكن أفغانستان كانت مجرد البداية. في 2003، جاء الدور على العراق. هذه المرة، تعددت الذرائع: «أسلحة الدمار الشامل»، «الصلة بالإرهاب»، «نشر الديمقراطية». وأظهرت التحقيقات اللاحقة عدم العثور على مخزونات من أسلحة الدمار الشامل كما افترضت تقديرات ما قبل الحرب، كما لم تجد لجنة 11 سبتمبر دليلًا على وجود تعاون عملياتي بين نظام صدام حسين والقاعدة لتنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة. لكن الغزو تم. النظام أُسقط، الدولة فُكّكت، وحلّ الجيش العراقي بقرار من سلطة الائتلاف المؤقتة، ما أدى إلى إقصاء أعداد كبيرة من العسكريين والموظفين وعمّق أزمة الأمن والبطالة والاستياء، ووفّر بيئة مواتية للتمرد المسلح.
كان العراق، رغم الديكتاتورية والحروب والعقوبات التي أضعفت اقتصاده وبنيته التحتية بشدة، يمتلك دولة مركزية ومؤسسات عامة وقاعدة بشرية متعلمة وجيشًا كبيرًا. بعد الغزو، صارت دولة هشة تعتمد على الميليشيات، تتصارع فيها الطوائف، وتتكاثر فيها المسلحون المدعومون من خارج الحدود. النظام السياسي الذي تشكّل بعد 2003 رسّخ المحاصصة الإثنية والطائفية، وأسهمت قرارات سلطة الائتلاف والقوى السياسية العراقية في تكريسها وتحويلها إلى سمة دائمة للنظام.
العراق دخل في دوامة طائفية دموية لم تكن في حجمها قائمة قبل الغزو. مئات الآلاف من المدنيين قُتلوا، وملايين نُزحوا داخليًا وخارجيًا، ومدن بأكملها دُمّرت في موجات متتالية من العنف. ومن رحم الفوضى التي أعقبت الغزو، تطورت الجماعات الجهادية التي انتهت إلى تنظيم داعش. وأسهمت السجون، ومنها معسكر بوكا، في جمع عدد من الجهاديين وضباط الجيش السابقين وتكوين شبكات ستلعب أدوارًا في التنظيم لاحقًا.
الأرقام وحدها تحكي جزءًا من القصة: مئات الآلاف من القتلى العراقيين، وملايين النازحين، وبنى تحتية مدمرة، ومدن كالفلوجة والموصل والرمادي دُمّرت مرتين: مرة حين سيطر عليها التطرف، ومرة حين حُرِّرت منه. الاقتصاد الذي كان يعتمد على النفط تدهور مع انهيار المؤسسات، وارتفعت البطالة خاصة بين الشباب، واستشرى الفساد، وبقي العراق في مراتب متأخرة جدًا في مؤشرات الفساد الدولية. في المقابل، استفادت شركات الصناعات الدفاعية والمتعهدون العسكريون بصورة كبيرة من الزيادة الهائلة في الإنفاق العسكري التي أعقبت 11 سبتمبر. والنتيجة النهائية: نظام صدام حسين، بكل قمعه وديكتاتوريته، سقط. لكن البديل لم يكن ديمقراطية مزدهرة ولا دولة مستقرة. البديل كان دولة هشة طائفية فاسدة، تعتمد على المحاصصة، ومفتوحة على تدخلات إقليمية ودولية متنافسة لا تنتهي. اليوم، بعد أكثر من عشرين عامًا، لا يزال العراق يدفع ثمن ذلك الغزو سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. والسؤال الذي يطرح نفسه يظل قائمًا بلا إجابة مُقنعة: هل كان الغزو ضروريًا؟ أم أن هناك طرقًا أخرى كانت ستؤدي إلى تغيير النظام دون تدمير الدولة والمجتمع والإنسان؟
ووفق مشروع Costs of War في جامعة براون، قُدّرت تكاليف الحروب الأمريكية بعد 11 سبتمبر بنحو 8 تريليونات دولار، فيما تُقدّر الوفيات المباشرة المرتبطة بالعنف الحربي بنحو 905–940 ألف شخص، وتُقدّر الوفيات غير المباشرة بنحو 3.6–3.8 مليون، مع التأكيد أن الأرقام غير المباشرة تقديرية ولا يمكن تحديدها بدقة. هذه ليست أرقامًا مجردة؛ وراء كل رقم إنسان: طفل في بغداد، أم في كابول، عامل في صنعاء، صحفي في حلب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كانت كل هذه الحروب ضرورية؟ هل حقّقت ما أُعلنت من أجله؟ الجواب، بنظر كثير من المحللين، هو لا. فبدلًا من القضاء على الإرهاب، ولّدت تلك الحروب إرهابًا جديدًا، أكثر تنظيمًا، أكثر دموية، أكثر امتدادًا. وبدلًا من نشر الديمقراطية، خلّفت دولًا فاشلة، وطوائف متحاربة، واقتصادات مدمرة.
لكن هناك جزء آخر من القصة، أقل وضوحًا وأكثر إيلامًا: كيف استُغلّت هذه الحروب لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية بعيدة عن «مكافحة الإرهاب»؟ تقرير لجامعة براون الأمريكية، نُشر في 2021، كشف أن كلفة الحروب الأمريكية بعد 11 سبتمبر بلغت نحو 8 تريليونات دولار، جزء كبير منها ذهب إلى شركات السلاح والأمن الخاصة، التي حقّقت أرباحًا قياسية خلال تلك الفترة. في الوقت نفسه، كانت الدول التي غُزيت أو استُهدفت تدفع الثمن مضاعفًا: اقتصادات مدمرة، وبنى تحتية منهارة، وملايين النازحين، وأجيال كاملة نشأت في ظل الحروب والنزوح. كان النفط العراقي يمثل بلا شك مصلحة استراتيجية واقتصادية مهمة، نظرًا لحجم احتياطيات العراق ومكانته في سوق الطاقة العالمي. لكن القول إن النفط كان الدافع الحاسم لغزو 2003 يبقى موضع جدل بين الباحثين، ولا يمكن عرضه في تقرير توثيقي بوصفه حقيقة محسومة من دون أدلة مباشرة على نية صناع القرار.
لكن ربما يكون الجزء الأكثر إيلامًا في القصة هو كيف تحوّلت «مكافحة الإرهاب» إلى غطاء لتدخلات عديمة الجدوى، أو ذات آثار سلبية واضحة، في دول لم تكن تشكّل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة. ليبيا مثال. في 2011، تدخّلت الولايات المتحدة وحلف الناتو في ليبيا، بحجة حماية المدنيين من نظام القذافي. أسهم التدخل العسكري في إسقاط نظام القذافي، لكنه لم يترافق مع تسوية سياسية ومؤسسات أمنية قادرة على ملء الفراغ، ودخلت ليبيا لاحقًا في صراعات وانقسامات مؤسسية ومسلحة طويلة. سوريا أيضًا. أما سوريا، فقد دخلت منذ 2011 في حرب مدمرة شاركت فيها قوى محلية وإقليمية ودولية متعددة. وتدخلت الولايات المتحدة أولًا بدعم سياسي وغير قتالي وبعض الدعم العسكري للمعارضة، ثم ركزت لاحقًا بدرجة كبيرة على محاربة تنظيم داعش. وبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، دخلت البلاد مرحلة انتقالية جديدة، لكنها لا تزال تواجه تحديات أمنية واقتصادية وسياسية عميقة. حتى في دول لم تُغزَ مباشرة، كاليمن والصومال، نفذت الولايات المتحدة عمليات لمكافحة جماعات مسلحة، بما في ذلك ضربات جوية وطائرات مسيّرة، وسط جدل مستمر بشأن الخسائر المدنية وفاعلية هذه الاستراتيجية وتأثيرها في الصراعات المحلية.
هنا، نصل إلى السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة: هل كانت كل هذه التدخلات ضرورية؟ أم أن بعضها لم يكن سوى غطاء لمصالح اقتصادية وسياسية، تُنفَّذ باسم أمن الشعوب، بينما هي في الواقع تُنفَّذ ضد تلك الشعوب نفسها؟ ويرى منتقدون للسياسة الأمريكية بعد 11 سبتمبر أن واشنطن استغلت الصدمة لتحقيق أهداف متعددة، من بينها توسيع النفوذ في مناطق استراتيجية، وتعزيز النفوذ العسكري والأمني، ودعم ترتيبات سياسية واقتصادية تخدم مصالحها وحلفائها. في كل هذا، كان الشعار واحدًا: «مكافحة الإرهاب». لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا، وأكثر إيلامًا.
اليوم، بعد ربع قرن، صار من الممكن أن ننظر إلى الخلف ونسأل: ماذا تعلّمنا؟ هل تعلّمنا أن الإرهاب لا يُحارَب بالحروب، بل تزيده؟ هل تعلّمنا أن التدخلات الخارجية، حتى وإن كانت بحجة نبيلة، قد تخلق فوضى أكبر من التي تحاول علاجها؟ هل تعلّمنا أن الشعوب هي من تدفع الثمن دائمًا، بغض النظر عن الشعارات التي تُرفع؟ في العراق، لا يزال الناس يدفعون ثمن غزو 2003. في أفغانستان، لا يزال الناس يدفعون ثمن احتلال 2001. في ليبيا وسوريا واليمن، لا يزال الناس يدفعون ثمن تدخلات لم تكن ضرورية، أو لم تكن مدروسة العواقب. لكن ربما يكون الدرس الأهم هو أن نعود إلى البديهيات التي صرنا ننساها: أن الحرب ليست حلًا، وأن التدخل الخارجي ليس دائمًا في مصلحة الشعوب، وأن الإرهاب لا يُقضى عليه بالقنابل فقط، بل بمعالجة جذوره: الفقر، والظلم، والاستبداد، والاحتلال.
في النهاية، 11 سبتمبر كان حدثًا إرهابيًا بامتياز، لا شك في ذلك. لكن ما جاء بعده لم يكن مجرد ردّ فعل أمني، بل كان مشروع هيمنة استغل الصدمة لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية وعسكرية، على حساب شعوب بأكملها. اليوم، بعد ربع قرن، صار من واجبنا أن نسأل: هل نستحق أن نتعلّم من أخطائنا؟ أم أننا سنظل نكرر نفس الدائرة: صدمة، حرب، فوضى، إرهاب جديد، ثم صدمة جديدة؟ الجواب ليس عند واشنطن فقط. الجواب عندنا أيضًا، نحن الشعوب، نحن الذين دفعنا الثمن، ونحن الذين يجب أن نقرر: هل نريد أن نظل ضحايا، أم أن نصبح فاعلين في تغيير المعادلة؟
_____________________ https://www.9-11commission.gov/report/ https://www.9-11commission.gov/report/911Report_Ch1.htm https://www.9-11commission.gov/report/911Report_Ch2.htm https://www.9-11commission.gov/report/911Report_Ch5.htm https://www.fbi.gov/history/cases-and-criminals/911-investigation https://www.911memorial.org/911-faqs https://www.nist.gov/publications/federal-building-and-fire-safety-investigation-world-trade-center-disaster-final-report https://www.nist.gov/world-trade-center-investigation/study-faqs/wtc-7-investigation https://www.nist.gov/publications/structural-fire-response-and-probable-collapse-sequence-world-trade-center-building https://www.govinfo.gov/app/details/WCPD-2001-09-24/WCPD-2001-09-24-Pg1347 https://www.fbi.gov/history/cases-and-criminals/osama-bin-laden https://www.sigAR.mil/Reports/ https://www.unama.unmissions.org/en/reports-on-the-protection-of-civilians-in-armed-conflict https://www.undp.org/publications/afghanistan-socio-economic-outlook-2021-2022-averting-basic-needs-crisis https://www.unwomen.org/en/articles/in-focus/afghanistan https://knowledge.unwomen.org/en/digital-library/publications/2025/08/gender-alert-four-years-of-taliban-rule-afghan-women-resist-as-restrictions-tighten https://thedocs.worldbank.org/en/doc/e406b6f24c2b7fdeb93b56c3116ed8f1-0310012021/original/Afghanistan-Development-Update-FINAL.pdf https://costsofwar.watson.brown.edu/overview https://costsofwar.watson.brown.edu/paper/us-budgetary-costs-post-911-wars https://watson.brown.edu/costsofwar/papers/2021/ProfitsOfWar https://www.cia.gov/readingroom/docs/the%20iraq%20survey%20group%20and%5B15483054%5D.pdf https://www.govinfo.gov/content/pkg/GOVPUB-S-PURL-LPS45365/pdf/GOVPUB-S-PURL-LPS45365.pdf https://carnegieendowment.org/research/2016/01/shia-centric-state-building-and-sunni-rejection-in-post-2003-iraq https://www.iraqbodycount.org/database/ https://www.eia.gov/international/analysis/countries/IRQ/ https://press.un.org/en/2011/sc10200.doc.htm https://www.ohchr.org/Documents/HRBodies/HRCouncil/RegularSession/Session19/A.HRC.19.68.pdf https://unsmil.unmissions.org/ https://2009-2017.state.gov/r/pa/prs/ps/2013/04/207810.htm https://2021-2025.state.gov/u-s-relations-with-syria/ https://www.un.org/sg/en/content/sg/statements/2025-12-08/statement-the-secretary-general-syria https://www.africom.mil/civilian-harm-report
#احمد_عبدالرحيم_البصري (هاشتاغ)
Ahmed_Abdul_Rahim_Al-basri#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أهوار العراق: بيوت القصب المتحركة
-
عبثية الانتصار: العراق وإيران في ذكرى 8/8
-
الكساد الكبير.. والعراق أشد كساداً
-
فلتَحيَ الساكسونية
-
من طين سومر
المزيد.....
-
الإمارات.. إحباط عمليتي تهريب إحداهما لداخل الدولة وأخرى لخا
...
-
في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. ترامب يتحدث عن -اختبار جديد- ويصف
...
-
خلف أبواب مؤتمر واشنطن المغلقة.. تقرير عبري يكشف تصاعد الإحب
...
-
القوات الحكومية اليمنية تعلن بدء القصف الجوي في -صندوق القتل
...
-
مدفيديف: التهديد الروسي المزعوم لأوروبا ذريعة لتبرير دعم كيي
...
-
بوتين يدعو السيسي لحضور قمة روسيا-إفريقيا
-
مصر.. 7 تحالفات تتنافس على إدارة مطار الغردقة
-
قرقاش في ذكرى 11 سبتمبر: مواجهة التطرف والإرهاب مسؤولية إنسا
...
-
السيسي يشكر بوتين ويتحدث عن توافق على -مشروعات كبرى-
-
جائزة تحمل اسم جورج ميني .. ماذا تقول لنا حكاية الباخرة كليو
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|