احمد عبدالرحيم البصري
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 16:46
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في مثل هذا اليوم، منذ ثمانية وثلاثين عاماً، سكتت المدافع على جبهة امتدت من شط العرب إلى الحدود الشمالية، بعد ثماني سنوات من قتال لم يترك بيتاً عراقياً أو إيرانياً إلا وطرقه الفقد. انتهت تلك السنوات برواية عراقية تقول إنها انتصرت، ورواية إيرانية تقول المثل، وبين الروايتين ضاع أكثر من مليون إنسان بين قتيل ومفقود وأسير. واليوم، إذ تعود الذكرى، لا يسع المرء إلا أن يسأل: ماذا بقي من تلك الحرب غير الأسئلة المعلقة والجراح التي لم تُشفَ؟
يصادفنا اليوم الذكرى الـ38 على انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، تلك الحرب التي استنفدت قوة الطرفين على مدى 8 سنوات متواصلة، وأرَدَت الشعبين معاً، عراقياً كان أم إيرانياً. ومع ذلك تظل حصيلة الضحايا المدنيين، تفصيلاً بالعمر أو الجنس، غائبة عن السجلات الرسمية الموثوقة لكلا الطرفين، إذ تتراوح التقديرات الإيرانية الرسمية للقتلى العسكريين وحدهم بين 155 ألفاً و183 ألفاً، بينما ترفعها بعض التقديرات الأكاديمية الغربية إلى حدود 750 ألفاً، وتصل التقديرات الإجمالية لكلا الطرفين إلى مليون أو مليوني قتيل وفق بعض المصادر الغربية. وهذا التباين الواسع في حد ذاته دليل صارخ على حجم الفوضى والإهمال الذي طال المدنيين في تلك الحرب، أكثر من كونه نقصاً في الدقة الإحصائية، دون أن يحصل أي من الطرفين في نهاية المطاف على ما يكفي من العتاد أو الرجال ليخرج منها منتصراً بالمعنى الكامل للكلمة.
ومع كل ذكرى تعود هذه الحرب لتطرح السؤال ذاته الذي لم يُحسم منذ 38 عاماً: من الذي انتصر، إن كنا كلانا قد خسرنا العدة والعدد؟ سؤال تجيب عنه القرارات الدولية التي حاولت إنهاء الحرب، كما تجيب عنه الروايتان المتضاربتان اللتان ما تزالان تتنازعان تفسير من بدأ هذا النزيف الطويل.
جاء وقف إطلاق النار بقبول قرار مجلس الأمن رقم 598، الذي صدر بالإجماع يوم 20 تموز 1987، بعد 7 سنوات من الحرب، وينص على الوقف الفوري لإطلاق النار، والانسحاب إلى الحدود الدولية، وتبادل الأسرى، وإرسال بعثة مراقبة أممية، وكذلك تحديد المعتدي. وفي واقع أمر الأسرى، وثقت لجنة الصليب الأحمر الدولية احتجاز إيران لنحو 45 إلى 50 ألف أسير عراقي، مع تقييد وصول اللجنة إليهم بشكل متزايد منذ أيار 1982، في حين سجلت اللجنة زيارات شهرية منتظمة لمعسكرات الأسرى الإيرانيين في العراق، إذ بلغ عددهم نحو 6800 أسير مسجل بحلول 1983، رغم أن اللجنة نفسها وثقت أيضاً إخفاء العراق لبعض الأسرى الإيرانيين عن رقابتها. لتكون الخلاصة أن الطرفين خرقا اتفاقية جنيف الثالثة؛ لكن درجة التعاون مع الرقابة الدولية لم تكن متماثلة. كما فهم من القرار أن سبب بدء الحرب، وعلى العادة، هو إيران، وهي من أكدت عليها الكثير من القرارات من اعتداءات حدودية، سواء على مقرات الحدود أو الاختراق الجوي، وقد بلغ 240 اختراقاً من قبل إيران بين شباط وأيلول؛ وإيران كانت هي صاحبة الطلب الرئيسي لهذه النقطة. وكذلك من ضمن نقاط القرار إعادة الإعمار من قبل المجتمع الدولي، والمفاوضات التي كانت تعد للسلام الشامل، وحماية المدنيين على أمل العودة لما كانت عليه الدولتان في 22 من أيلول لسنة 1980.
غير أن الوجه الأكثر ظلاماً لهذه المأساة لا يكمن في البنود والقرارات الدبلوماسية بقدر ما يتجسد في الوجدان الإنساني المشترك، فالأرقام الصماء تخفي خلفها قصصاً تشهد على عمق النزيف لدى الطرفين. لم تنته رحلة العذاب بصدور القرار الأممي، إذ امتد ملف الأسرى لعقود، متجاوزاً السجلات التي ناهزت 100 ألف أسير. ومن أشد المشاهد قسوة، قصة أولئك الأسرى العراقيين الذين أطلق سراحهم في 19 آذار 2003، عشية الغزو الأمريكي للعراق، بعد أن قضوا نحباً امتد لسنوات طويلة في السجون القريبة من طهران. ومنهم من خرج بعد 20 عاماً من الأسر ليجد بلاده على شفا حرب جديدة، فتغرب مجدداً هرباً من المجهول، في مفارقة تختصر قدر المواطن مع الحروب المتلاحقة.
وفي مقابل ذلك، تتجلى تجربة أطفال الباسيج الإيرانيين، ممن زج بهم في جحيم الحرب بعمر 13 و17 عاماً، خاصة في عمليات كربلاء الكبرى، حيث افترشت البراءة أسر المعسكرات في الرمادي، معزولين عن باقي المعتقلين وهم ينتحبون شوقاً لأمهاتهم، في مشاهد وثقتها المنظمات الحقوقية، لتعكس جرماً ارتكب بحق الطفولة تحت وطأة التعبئة الأيديولوجية، ولتكون شاهداً على كيف تسللت الحرب إلى نسيج الطفولة قبل أن تسلط أسلحتها على الجبهات.
ولم تقتصر مأساة الأسر على جغرافية المعتقلات، فقد امتدت لتخلق شروخاً مجتمعية وعقائدية معقدة، فقد ظهرت ظاهرة التوابين في المعسكرات الإيرانية، حيث انضم جزء من الأسرى العراقيين، تحت الضغط النفسي أو الشحن العقائدي، إلى تشكيلات قاتلت ضد جيشهم السابق. وحين انجلت الحرب، انقسمت مصائر هؤلاء بين من استغل غسيل دماغه أو تعذيبه ونبذ اجتماعياً بعودته، وبين من عاد لترميم حياته الطبيعية، ومن ظل محتجزاً داخل الأيديولوجيا منقاداً لنكران أرضه وأصله على خلفية النزاع العقائدي والسياسي. وعلى ضفة أخرى، ظل ملف الطيارين والمفقودين جرحاً غائراً بلا قبور، أسرى ومفقودون من الطرفين لم تعرف عوائلهم مصيرهم إلا بعد عقود، وما تزال رفات العشرات منهم تتنقل بين الحدود في عمليات تبادل استمرت حتى سنوات متأخرة، كشاهد حي على أن النار التي أطفئت رسمياً عام 1988 ظلت تحرق الأجساد والذاكرة تحت التراب.
أشارت التقارير إلى أن الاستنزاف طال إيران بشكل أشد من العراق، والروايتان العراقية والإيرانية جاءتا بنفس واحد رغم تناقضهما: العراق انتصر بأنه لم يسقط في الحرب، وإيران انتصرت بوقف الغزو العراقي. وقد أطرت هذه الحرب رسمياً في الخطاب العراقي باسم قادسية صدام، استحضاراً مباشراً لمعركة القادسية عام 636م ضد الفرس، لتأطيرها كدفاع عن العروبة. وبالمقابل، أطرتها إيران كجهاد لحماية الثورة الإسلامية، مستحضرة رمزية كربلاء والاستشهاد، واستخدمت خطاباً تعبوياً استقطب متطوعين شباناً ضمن قوات الباسيج.
اعتبر العراق يوم القصف الحدودي 4 أيلول أول يوم للحرب، رغم أن تقارير الخرق كانت قبل ذلك، والأمم المتحدة لم تعط تلك التقارير تلك الأهمية، وعلى إثرها ازداد الصراع بين الطرفين. أما إيران فدافعت عن موقفها بالإنكار، معتبرة الاختراقات دفاعاً عن النفس، وأن الطيران الإيراني حين اخترق الأجواء العراقية كان مطارداً فلول النظام السابق ونظام الشاه والمجموعات الكردية، التي زعمت أنها كانت متمركزة على الحدود بدعم عراقي. وطرحت روايتها الخاصة، ومفادها أن العراق هو من اخترق اتفاقية الجزائر لعام 1975، وهي بدورها ألغتها يوم 17 أيلول من سنة الحرب، وأن يوم 22 أيلول هو اليوم الحقيقي للحرب، حين شنت القوات العراقية ضربات على 10 مطارات إيرانية. غير أن هذه الرواية، حين تقاس بتسلسل الوثائق الرسمية، تصطدم بحقيقة أن العراق كان قد قدم مستنداته إلى الأمم المتحدة قبل شن الحرب بوقت كاف، وهو ما يضعف الزعم بأن تلك الوثائق جاءت ذريعة لاحقة. وعلى أساس هذا الجدل، حمل العراق في 9 من كانون الأول لسنة 1991 مسؤولية بدء الحرب بشكل صريح؛ وهذا ما تستند إليه إيران لليوم.
في المقابل، على إثر الثورة والقومية، جاء الشعب فتكاً في هذه السنين الثمان، عراقياً كان أم إيرانياً، وعلى إثرها نشأت الاختلافات العرقية والعقائدية، وبدأ معها إنجاب الطائفية الشيعية السنية. غير أن أخطر تركة خلفتها هذه الحرب على العراق لم تكن وحدها الطائفية، فقد رافقها الإرهاق المالي الذي تجاوزت ديونها 80 مليار دولار مع اقتصاد منهك، في سياق من التوترات الحدودية والخلافات النفطية المتراكمة، لتكون هذه الأعباء أحد العوامل الأساسية التي هيأت المناخ لاجتياح الكويت عام 1990، ولتغدو حرب أم المعارك امتداداً مباشراً لعواقب هذه الحرب وتراكماتها لا نزاعاً منفصلاً عنها. وهكذا، فوق الحصار الذي كان يصاحب العراق في حرب أم المعارك، جاء الشعب قتلاً ومقتاً فيما بينهم، ليكتمل المشهد الأليم لأمة أنهكتها الحروب من كل جانب.
وحتى اليوم، بعد ثمانية وثلاثين عاماً، ما يزال في مجتمعنا من ينتصر لطرف على حساب الآخر، متجاهلاً أن كلا الطرفين هتك عرض المنطق قبل أن تهتك جيوشهما حدود الجغرافيا. فلا انتصار هنا يستحق الاحتفاء، ولا هزيمة تستدعي التبرؤ، وإنما حرب عبثية استُنزفت فيها أمتان لحساب طموحات لم تكن يوماً طموحات الشعبين
#احمد_عبدالرحيم_البصري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟