أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ماهين شيخاني - صوتُ الأرضِ وتعدُّدُ اللغات















المزيد.....

صوتُ الأرضِ وتعدُّدُ اللغات


ماهين شيخاني
( كاتب و مهتم بالشأن السياسي )


الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 08:13
المحور: قضايا ثقافية
    


حقوقُ الكاتبِ الكورديِّ ركيزةً للمواطنةِ في سوريا الجديدة

لم يكن الأدبُ يوماً ترفاً فكرياً، ولا تدويناً لهوامشِ العيش. كان دائماً مرآةَ الهويّةِ الوجوديّةِ للشعوب، والملاذَ الأخيرَ الذي تُحفَظ فيه ذاكرةُ الأرضِ والأمّهات. وحين تنهضُ الأممُ من رمادِها، فإنّ أوّلَ ما تبحثُ عنه هو صوتُها المدفون، ولغتُها المُغيَّبة، وأولئك الذين حرسوا الكلمةَ في زمنِ الصمت.

في قلبِ التحوّلِ التاريخيِّ الذي تعيشُه بلادُنا، وفي مساعي بناءِ سوريا الجديدةِ القائمةِ على التعدديّةِ والمواطنةِ الكاملة، يبرزُ ملفُّ الحقوقِ الثقافيّةِ والماديّةِ للكتّابِ والأدباءِ الكوُردِ بوصفهِ واحداً من أعدلِ الملفّاتِ التي تستدعي المكاشفةَ والمأسسةَ والإنصاف.

لقد عاشَ الكاتبُ الكورديُّ السوريُّ لعقودٍ طويلةً مُغترباً في أوراقه، حاملاً عبءَ الكتابةِ بلغةٍ لم تكن تعترفُ بها الدوائرُ الرسميّةُ كجزءٍ من النسيجِ الثقافيِّ الوطني، أو مُجبَراً على صياغةِ إبداعهِ بلغةٍ ثانيةٍ ليعبرَ ممرّاتِ الانتسابِ النقابيِّ والاعترافِ المؤسساتي. ورغم هذا الإقصاءِ البيروقراطيِّ والتاريخي، ظلَّ القلمُ الكورديُّ سوريَّ الانتماء، عميقَ الجذور، يسكبُ حبرَهُ عشقاً في الجزيرةِ السوريّة وكوباني وعفرين، وحاراتِ حلب، وأزقّةِ دمشق.

منّةٌ أم حق؟
اليوم، ومع صدورِ القراراتِ التي تُعيدُ الاعتبارَ للهويّةِ الكورديّة، وتمنحُ اللغاتِ الأصيلة والمحليّةَ مكانتَها الوطنيّةَ المستحقّة، لم يعد مقبولاً أن تبقى الحقوقُ النقابيّةُ حبراً على ورق، أو محكومةً بنصوصٍ قديمةٍ تجاوزها العصرُ والوعي.

فطالما هناك اعترافٌ رسميٌّ باللغةِ والثقافةِ الكورديّة، فمن حقِّ الكاتبِ الكورديِّ أن يكونَ كأخيهِ العربيِّ في الحقوقِ والواجبات، لا أقلَّ ولا أكثر. إنّ المطالبةَ بمنحِ الكاتبِ والأديبِ الكورديِّ في سوريا حقوقاً تقاعديّةً ومزايا تكافليّةً كاملة، غيرَ مشروطةٍ بوعاءٍ لغويٍّ دون آخر، هي قضيّةُ حقٍّ إنسانيٍّ وقانونيٍّ بحت. ليست منّةً من أحد، ولا هبةً تُمنح.

وهنا لا بدَّ من وقفةِ صدقٍ مع الذاكرة. لقد حُرِمَ الكثيرُ من الأدباءِ والكتّابِ الكُردِ من هذه الحقوقِ طيلةَ سنواتِ العنصريّةِ والتهميش، وبالأخصِّ أولئك الذين لم يكونوا منتسبين إلى الحزبِ البعث. كان الانتسابُ الحزبيُّ شرطاً خفياً للاعترافِ النقابي، وبطاقةَ عبورٍ إلى صناديقِ التقاعدِ والتكافل. ومن لم يحملْ تلك البطاقة، كان مصيرهُ النسيانَ والإقصاء، مهما كان عطاؤه الأدبيُّ غزيراً، ومهما كانت جذورهُ في هذه الأرضِ عميقة.

وأنا، كاتبُ هذه السطور، واحدٌ من أولئك الذين حُرِموا. لم أكن يوماً عضواً في الحزبِ البعث، ولم أسعَ يوماً إلى عضويّةٍ لم أؤمن بها. ولهذا، عشتُ على هامشِ المؤسسةِ الثقافيّةِ الرسميّة، أُنتِجُ وأكتبُ وأُبدِع، بينما كنتُ محروماً من أبسطِ حقوقِ الزملاءِ الذين حملوا البطاقةَ الحزبيّة. لم أطلبْ يوماً أكثر من كرامتي، ولم أسعَ إلى أكثر من الاعترافِ بأنّني كاتبٌ سوريٌّ، مثلي مثلُ أيِّ كاتبٍ آخر، لا ينقصني إلا أن أُولدَ في الجهةِ التي أرادها الآخرون.

وأنا اليوم عضوٌ في أوّلِ اتحادٍ للكتّابِ الكورد، تأسّسَ في عام 2005. هذا الاتحادُ لم يُنشَأْ من فراغ، بل وُلدَ من رحمِ الحرمانِ الطويل، ومن إصرارِ كتّابٍ لم يجدوا في مؤسساتِ الدولةِ مكاناً يحتويهم. لقد أنشأناهُ بأنفسِنا، بجهدِنا، وبإيمانِنا بأنّ الكلمةَ الكورديّةَ تستحقُّ أن يكونَ لها بيتٌ يجمعُها، ومنبرٌ يسمعُها، وصندوقٌ يحمي شيخوخةَ من أفنوا أعمارَهم في خدمتِها.

ولأنّه ليس لنا دولةٌ تحمينا، ظلّت حقوقُنا مهضومة. بينما حقوقُ غيرِنا محفوظةٌ في دواوينِ الدولة، ومُدرَجةٌ في موازناتِها، ومصونةٌ بقوانينِها، كنّا نحن نكتبُ بلغةٍ لا تعترفُ بها المؤسسة، ونتقاعدُ بلا راتب، ونمرضُ بلا تأمين، ونموتُ بلا رثاءٍ رسمي. ليس لنا دولةٌ تحملُ اسمَنا، ولا سفارةٌ تدافعُ عنّا، ولا وزارةٌ تُدرِجُنا في حساباتِها. ولهذا، كنّا دائماً في آخرِ الطابور، ننتظرُ حقاً لا يأتي، واعترافاً لا يتحقق، وكرامةً تُمنحُ لغيرِنا بلا سؤال.

والعدالةُ الاجتماعيّةُ والثقافيّةُ تقتضي أمرين:

أوّلاً: تطويرُ البنيةِ التشريعيّةِ والتنظيميّةِ للمؤسساتِ الثقافيّةِ الرسميّة، وفي مقدّمتها اتحادُ الكتابِ العرب، بحيث تُقبَلُ النتاجاتُ الأدبيّةُ والفكريّةُ المكتوبةُ باللغةِ الكورديّةِ كمعيارٍ أصيلٍ للانتساب، ونيلِ كاملِ المزايا وصناديقِ التقاعدِ والتكافل، دونَ شروطٍ حزبيّةٍ أو لغويّةٍ مُسبقة.

ثانياً: تسويةُ الأوضاعِ الإداريّةِ بأثرٍ رجعيٍّ لجميعِ الأدباءِ والكتّابِ الكُوردِ الذين حُرِموا تاريخياً من حقِّ المواطنةِ والجنسيّة، أو أُقصوا بسببِ قيودِ الانتسابِ الحزبيّةِ واللغويّةِ القديمة، لضمانِ شيخوخةٍ كريمةٍ تليقُ بمن أفنوا أعمارَهم في خدمةِ الثقافةِ والفكر.

ثالثاً: الاعترافُ الرسميُّ بالاتحادِ الكورديِّ للكتّابِ بوصفهِ مؤسسةً ثقافيّةً سوريّةً أصيلة، ومنحُ أعضائِه الحقوقَ النقابيّةَ ذاتَها التي يتمتعُ بها أعضاءُ اتحادِ الكتابِ العرب، دونَ تمييزٍ أو إقصاء. فالاتحادُ الكورديُّ ليس غريباً عن سوريا، بل هو ابنٌ شرعيٌّ من أبنائِها، وُلدَ من رحمِ المعاناةِ والحرمان، ويستحقُّ أن يكونَ جزءاً من النسيجِ المؤسساتيِّ الوطني.

المحبرةُ الوطنيةُ الواحدة
إنّ سوريا الجديدةَ لن تكتملَ ملامحُها، ولن يستقيمَ ميزانُ عدالتِها، إلا إذا أدركنا جميعاً أنّ غنى هذا الوطنِ يكمنُ في تنوّعِه، وأنّ الحبرَ الكورديَّ والحبرَ العربيَّ نابعانِ من المحبرةِ الوطنيّةِ ذاتها.

إنّ كرامةَ الأديبِ الماديّةَ والمعنويّةَ هي الحصنُ الأخلاقيُّ الذي يحمي المجتمعَ من الانكسار. وحمايةُ قلمِ الكاتبِ الكورديِّ، وضمانُ أمانِه المعيشيِّ والتقاعدي، هو أوّلُ الخطواتِ نحو مستقبلٍ سوريٍّ جامع، حرٍّ، ومتصالحٍ مع ذاته وتاريخه.

فلا سوريا جديدةَ بلا كتّابِها جميعاً. ولا مواطنةَ كاملةَ بلا كرامةٍ كاملة. ولا كرامةَ بلا عدالةٍ في الحقوق، وفي اللغة، وفي الذاكرة.

ولا يمكنُ لسوريا أن تُصلِحَ ماضيها، دونَ أن تُنصِفَ أولئك الذين دفعوا ثمنَ الرفضِ والانتماءِ إلى الكلمةِ وحدها. ومن لا دولةَ له، لا يحميهِ إلا ضميرُ وطنٍ يتذكّرُ أبناءَه جميعاً، بلا استثناء.



#ماهين_شيخاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من قاسم إلى الحسكة… حين لا تكفي الوعود لبناء الشراكة
- يوسف مَلَك… حين يقودك كتابٌ إلى رجل، ويقودك الرجل إلى صديق
- مسافة في صَحْرَاءِ القَلْب .
- السلاح الذي لا يحبه الكوردي…
- حين تكتب عن الجذور.. ولا تذكر من زرعها
- توحيد البيشمركة… حين يصبح الاختلاف السياسي قوةً لا انقساماً
- أسد عين دارا يعود إلى قامشلو: ملحمة نحتية للفنان منير شيخي
- مرآة البيت: حين تكشف الكنّة ما يخفيه الجدران
- كوردستان سوريا عام1938: حين كتب الوجهاء خوفهم على الورق.
- جميلة... ابنة الجبل
- بيشمركة روژ... بين العودة إلى الوطن وخطر الذوبان السياسي
- الجغرافيا وحدها لا تحمي الشعوب
- الوزن الخفي
- بيترمان شاهدٌ على التاريخ:
- هل يشكل البرلمان الجديد فرصة أم تحدياً للقضية الكوردية؟
- كيا: دراسة في الجذور اللغوية والدلالات الاجتماعية للقب الوجا ...
- بين الوفاء والجحود: لماذا تُنكر بعض الأصوات المسيحية تضحيات ...
- بين الشرعية والتمثيل...هل يستطيع مجلس الشعب السوري أن يكتب د ...
- كوردستان على مفترق الطرق: الوحدة أو الاندثار
- عندما تصبح الجغرافيا عبئاً: هل يُراد للكورد أن يكونوا ساحةً ...


المزيد.....




- أوكرانيا: -سبيس إكس- قلّصت خدمات -ستارلينك- ذات العسكرية
- مراسل CNN يعلق على شكر الرئيس ترامب له في تجمعاته الانتخابية ...
- الحوثيون يعلنون مواصلة استهداف المطارات والمنشآت النفطية الس ...
- هالك تي في: الشرطة التركية تداهم مقر قناة المعارضة الرئيسية ...
- أوكرانيا: صواريخ روسية تضرب منازل ومحطة كهرباء في كييف تقتل ...
- -شتاء غزة يقترب.. كيف تحولت البيوت والخيام إلى مصيدة للمطر و ...
- ترامب ينتقد الحوثيين بوصفهم غير لطيفين بعد هجوم على منشأة أر ...
- فوضى عاصفة في سانتياغو بسبب البرد والفيضانات وانقطاع الكهربا ...
- اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة الساحل المتوسطي لتركي ...
- جهاز تسجيل مخبأ خلف تلفزيون.. توقيف مهندس سعودي في أوبن إيه ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ماهين شيخاني - صوتُ الأرضِ وتعدُّدُ اللغات