آدم دانيال هومه
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 10:07
المحور:
الادب والفن
يا امرأةً من وهج السنابل وعبق الزيزفون
يا دفءَ خبزٍ طازجٍ خرج من تنّور الفجر
ويا قطرةَ ضوءٍ أودعتها الشمسُ في كفّ التراب
ما زلتِ تتألّقين قوسَ قزحٍ بين آلاف الطواويس
كلّما مررتِ نفضتِ الحدائقُ عن عينيها النعاس
وتعلّمتِ الأزهارُ كيف ترفعُ وجهها إلى السماء.
وجهكِ يتلألأ في مرج الزهور
ويمضي النسيمُ وراءه حاملاً سلّةً من عطر الصباح
وحين تبتسمين ينفتح في جدار الليل بابٌ
وتخرج منه طفولتي حافيةً تركض نحو ينابيعها الأولى
كأنّ الحزنَ لم يعبر عتبتها
وكأنّ يدَ الفقد لم تطفئ مصابيحَ الدار.
يستضيء قلبي بشمس عينيكِ
وفي ضوئهما أرى ما تركتْه العتمةُ في روحي عشّاً تهاوت أغصانُه
ونافذةً أكل الغبارُ زجاجَها وأسماءً نامت طويلاً على شفاه الحنين.
فتقتربين وتعيدين إلى العشّ قشّتَه وإلى النافذة زُرقةَ مداها
وإلى الأسماء رعشةَ الأصوات التي أحببتُها.
علّمتني عيناكِ كيف أرتقي ذُرى الغمام
وأترك للخوف ثيابَه عند سفح الطريق
كيف أمدّ يدي إلى البرق فأعود منها بغصنٍ أخضر
وكيف أصغي إلى الصمت حتى أسمعَ الماءَ يتنفّس في أعماق الحجر.
عيناكِ مملكتي فيهما أنهارٌ لم تلوّثْها المنافي
وسهولٌ لم تنحنِ سنابلُها إلّا لمرور الريح.
وفيهما يفوح الندى حين يحترق في ثياب الغيم
ويهبط الفجرُ على أطراف أصابعه كي لا يوقظَ الحلمَ النائمَ بين جفنيكِ.
يوم التقيتُكِ بدأتِ النيرانُ تهرول في دمي
وسمعتُ قلبي يطرق أبوابَ صدري كغريبٍ عاد إلى بيته بعد ألف عام.
كنتُ أحمل عمري حزمةَ حطبٍ مبتلّ وأجرّ خلف خطاي ظلّاً أثقلتْه الطرقات
فلمّا رأيتكِ اشتعل الحطبُ واستقام الظلّ
وفاحت من رماد أيّامي رائحةُ غابةٍ بلّلها أوّلُ المطر.
لم أعرف كيف اتّسعت تلك اللحظةُ الصغيرة لجميع الفصول
ولا كيف استطاع اسمكِ أن يعبر شفتيَّ فيورقَ هذا الخراب.
أعرف أنّني حين وضعتُ يدي في يدك
سمعتُ تحت جلد الأرض خفقَ بذرةٍ تستعدّ للولادة
ورأيتُ على كتف المساء عصفوراً ينفض عن جناحيه غبارَ الرحيل.
في رحابكِ توّجني الحبُّ على عرش مملكة العشّاق
وكان تاجي غصناً من الزيزفون
وكانت مملكتي ذلك الموضعَ الصغيرَ الذي تركتِه يدُكِ في يدي
فامتطيتُ صهوةَ الريح ومضيتُ صوب مدائن الملائكة
أحمل اسمكِ قنديلاً
وأحمل في صدري رسائلَ لم يجد الحنينُ من يقرأها.
وعند كلّ باب كنتُ أرفع القنديل فتطلّ وجوهٌ من نور
وتسألني عن سرّ هذا العطر العالق بثيابي
فأشير إلى قلبي حيث تركت زهرةً ثم مضيتِ
وحيث ما زالت تلك الزهرةُ تفتح للسماء ألفَ نافذة.
كلّما أشرق وجهكِ في سمائي كتبتُ أشعاري على ضوء عينيكِ.
أغمس ريشتي في زرقةٍ مرّت بها غيمة وأمدّ الورقةَ على ركبتي
كما يمدّ الفلّاحُ كفّه لينظر في حبّات البذار.
تخرج الكلماتُ دافئةً عليها أثرُ أنفاسكِ
وفي تجاويفها ماءٌ وعشبٌ وأصواتُ عصافير.
وقد تتعثّر كلمةٌ بجرحٍ قديم فتمسحين عنها غبارَها
وتتركينها تستريح على كتفكِ حتّى تقدرَ أن تواصل طريقها إلى القصيدة.
أقف عند فوهة النار في فلوات الرياح وأمشي مسحوراً خلف ظلّي
كلّما ضاع الطريق التفتَ إليَّ ولوّح من بعيد بأثر خطاكِ.
وفي ظلمة الليل أحدّق في مصباحَي عينيكِ فيورق السهرُ حول وسادتي
وتمتدّ جذورُ النجوم إلى أعماق قلبي.
أسمعكِ تتنفّسين فيهدأ البحرُ الذي حملتُه سنين في صدري
وتعود مراكبُه المتعبة واحداً إثر واحدٍ إلى شاطئها.
كم ليلةٍ أصغيتُ إلى الريح عند الباب
وظننتُ أنّها تحمل خطاكِ!
وكم مرّةٍ نهضتُ لأفتح فدخل الورد وجلس في مقعدكِ
وبقيتُ أحدّق فيه حتّى الصباح.
أمّا حين تحضرين فيصير للغرفة ربيعُها
للكرسيّ ظلُّ شجرة وللنافذة هديلُ حمام
وللماء في الكأس طعمُ ينبوعٍ خرج لتوّه من قلب الجبل.
شفتاكِ مكتنزتان بعسل الجبال المصفّى
أشهى من رحيق نبيذ بابل
وأعذب من قطرةٍ تعيد إلى الكروم ذاكرةَ المطر.
حين تنطقين اسمي أراه يخرج من غربته
يخلع عنه معطفَ الأعوام
ويجلس قربكِ فتىً يتهجّى أوّلَ أبجديّةٍ للحبّ.
وحين تصمتين أقرأ على شفتيكِ ما عجز الكلامُ عن حمله
تردّدَ قلبٍ قبل الاعتراف، ورعشةَ ضوءٍ على ماء المساء،
وذلك الحنينَ الذي يضع رأسَه على كتفنا حين تضيق به الجهات.
كلّما رأيتُكِ ترتعشين حبّاً وهياماً اختلج قلبي كعصفورٍ في الزمهرير.
أضمّ يديكِ وأشعر أنّني أضمّ جناحين بلّلهما المطر
فأمنحهما ما بقي في صدري من دفء المواقد
وأحرس ارتعاشتهما من ريح العالم.
اقتربي، فهذا المساءُ طويل وفي الخارج شجرٌ يبحث عن أوراقه.
ضعي رأسكِ على كتفي ودعي شعركِ ينساب على تعب الطريق
لعلّ ما أثقل روحي يسقط منه كما يسقط الغبارُ عن غصنٍ اغتسل بالندى.
سأترك لكِ في كفّي موضعاً صغيراً للأمان وأبقى أصغي
حتّى يهدأ العصفور وحتّى يستعيد قلبُكِ إيقاعَ ينبوعه.
ألملم رمادَ النجوم من أطراف الليل
وأنثره في دروبكِ فتضيء الحجارةُ تحت قدميكِ.
وأصغي إلى نبض العصافير فوق أغصان الشجر
فأسمع في خفقاتها رجعَ قلبي حين تنادينني.
كلّ شيءٍ يعرف شيئاً عنكِ
الزيزفونُ يحفظ عطرَ يديكِ
والنهرُ يحمل انعكاسَ وجهكِ إلى قرىً فارقناها رغما عنّّا
والريحُ كلّما مرّت ببابي تركت خيطاً من شعركِ في شقوق الذاكرة.
حتّى الترابُ الذي عبرتِ عليه أراه يرفع أعشابَه ليراكِ مرّةً أخرى
وحتّى المساءُ يؤخّر نجمتَه الأولى قليلاً، لعلّكِ تأتين.
ومن شرفةٍ في حدائق بابل أرى روحي ترنو إلى شروق الشمس
تحتها يصعد الماءُ من طبقةٍ إلى طبقة
ويحمل إلى الجذور أخبارَ النهر
وفوقها تتدلّى الأغصانُ كضفائر نساءٍ انتظرن طويلاً عودةَ أحبّتهنّ.
هناك أتخيّلكِ تمشين بين أشجار الرمان
تلمسين ثمرةً فيحمرّ وجهُها
وترفعين غصناً فتعبر من تحته قوافلُ الذاكرة.
ألمح في الماء وجوهَ أجدادي وأرى على أيديهم شقوقَ الحقول
وفي عيونهم شمساً لم تطفئْها غربةُ الأرض.
أناديهم فتتحرّك دوائرُ الماء وتمتدّ من أعماقه رائحةُ خبزٍ وصلاةٌ
وأغنيةٌ كانت أمّي تغنّيها حين يهبط المساء.
ثم تمضي روحي إلى الإيساكيلا تحمل قنديلاً وزيتاً من حنين
وتضع عند العتبة غبارَ أسفارها.
تلامس الحجرَ فتسمع في صمته خطى العابرين
كاهناً يرفع بخورَه وأمّاً تخفي دمعتَها
وعاشقاً يبحث في دخان الأزمنة عن وجهٍ يشبه وجهكِ.
وتركع خاشعةً لمجد آشور تستعيد أسماءَ المدن
كما تستعيد الأمُّ أسماءَ أبنائها الغائبين.
وفي نينوى تمسح عن جناح لاماسو تعبَ القرون
وتضع عند قدميه زهرةً ثم تصغي
لعلّ تحت هذا الحجر قلباً ما زال يخفق
ولعلّ خلف هذا الغبار نافذةً تنتظر يداً تفتحها للشمس.
لعلّ گلگامش يولد من جديد
وينهض من غبار الأزمنة حاملاً على كتفيه وجعَ الإنسان.
لعلّه يصغي هذه المرّة إلى أنين أمٍّ عند بابها
وإلى طفلٍ يخبّئ رغيفَه من الريح
وإلى نهرٍ أثقلتْه دموعُ المنفيّين.
ولعلّه يجد عشبةَ الخلود في كفٍّ تضمّد جرحاً
وفي حبّة قمحٍ تشقّ ظلمةَ التراب
وحبيبةٍ تفتح صدرها لقلبٍ متعب فيعود إليه إيمانه بالصباح.
عندئذٍ يمسح وجهَ الشرق بالضوء وأقاحي السماء
وتغسل الأنهارُ عن ضفافها رمادَ الخوف
ويخرج من كلّ بيتٍ صوتٌ كان الحزنُ قد أغلق عليه الباب.
وأعود إليكِ وفي ثيابي عطرُ حدائق بابل
وعلى يديَّ غبارُ أبواب نينوى.
أضع رحلتي عند قدميكِ وأستريح
فما زال في قلبي كلامٌ لم تعرفه القصائد
وما زال في عينيكِ متّسعٌ لهذا المسافر.
يا امرأةً من وهج السنابل ومن عبق الزيزفون
إذا أقبلتِ رأيتُ العمرَ يفتح نافذتَه
وإذا ابتسمتِ سمعتُ في آخر الطريق نبعاً ينادي العطاش.
سأكتب على ضوء عينيكِ ما بقي لي من قصائد نورانية
وأترك في كلّ قصيدةٍ حبّةَ قمح وقطرةَ ماء
وأثراً من دفء يديكِ
لعلّ عابرَاً أرهقته العتمةُ يفتحها ذات مساء
فيجد بين سطورها نافذةً مضاءة وغصنَ زيزفون
وقلباً ما زال يتعلّم منكِ كيف يحبّ
وكيف ينهض
وكيف يحمل الشمسَ إلى آخر العمر.
#آدم_دانيال_هومه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟