آدم دانيال هومه
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 14:44
المحور:
قضايا ثقافية
دور الآشوريين في تطوير لهجة أورميا المكتوبة
بقلم الدكتورة هيلين مورِه – فان دن بيرخ- جامعة لايدن.
ترجمة: آدم دانيال هومه.
1. المقدمة
في ثلاثينيات القرن الماضي، أصبحت اللغة الدارجة للآشوريين المسيحيين في سهل أورميا في بلاد فارس لغةً مكتوبة. ولم تكن هذه اللغة قد كُتبت للمرة الأولى فحسب، بل أُنشئت المدارس أيضاً، وبعد إدخال المطبعة حيّز العمل سنة 1840، جرى توزيع عددٍ كبيرٍ من الكتب. وكان المبادرون إلى هذا التقليد الأدبي الجديد هم المرسلون البروتستانت الأمريكيون الذين أُرسلوا من قبل «المجلس الأمريكي للمفوّضين للإرساليات الأجنبية (ABCFM) في بوسطن. وقد ساعد هؤلاء المرسلين رجالٌ ونساءٌ محليون، وإن مساهمة الآشوريين أنفسهم هي الموضوع الرئيسي لهذه الدراسة. كما سيجري التطرّق إلى الكيفية التي تعاون بها المرسلون الأمريكيون والآشوريون معاً.
وقبل الخوض في تاريخ اللغة المكتوبة خلال القرن الماضي، أودّ أن ألفت الانتباه إلى حقيقةٍ مفادها أنه بالرغم من أن مبادرة المرسلين الأمريكيين أعلنت بداية عهدٍ جديد في تاريخ كتابة هذه اللغة الآشورية الحديثة، إلا أنها بالتأكيد لم تكن البداية الحقيقية لها. فمنذ البداية، كانت اللغة الآشورية الكلاسيكية (ليشانا عتيقا) تُستخدم دائماً من قبل الرجال والنساء المتعلمين بين الآشوريين، سواءً للكتابة أو للقراءة. وعندما وصل المرسلون، كان جميع القادرين تقريباً على القراءة من رجال الإكليروس، ليس لأن رجال الدين كانوا مُلزمين بتعلّم القراءة، بل لأن الذين كانوا مهتمين بالحصول على قدرٍ من التعليم كانوا يصبحون شمامسة أو كهنة. وكان يُقال إن أكثر الرجال علماً يوجدون في جبال هكاري، غربي أورميا.
وكانت توجد بعض المدارس قبل وصول المرسلين، وأكثرها إثارةً للاهتمام كانت مدرسة [مقدسي هرمز] في كيوك تبه. وكان هرمز، الذي لم يكن لديه سوى بنات، يرغب في تعليم ابن أخيه أوراهام. ولهذا الغرض استأجر كاهناً من سلماس ليعلّم الصبي، بينما انضم عددٌ قليل من الأولاد الآخرين إلى الدروس. وعندما غادر هذا الكاهن، قام هرمد بتوظيف القس دنخا من تياري، الذي قيل إنه من أكثر الرجال علماً بين قومه. وفي أثناء ذلك توفيت زوجة هرمز الأولى، فتزوج امرأة أصغر منه بكثير، وأنجبت له ابناً بدأ تعليمه في مدرسة والده. وعندما وصل المرسلون الأمريكيون، أراد هرمز أن يتلقى ابنه يوحنان تعليماً أوسع على أيديهم، ولم يهدأ له بالٌ حتى أخذ أحد المرسلين الصبي، وكان عمره آنذاك نحو عشر سنوات، إلى منزله. أما هرمز نفسه فلم يتعلم القراءة قط، وربما كان يعتقد أنه أصبح كبيراً على ذلك.
وبالإضافة إلى الاستمرار في استخدام اللغة الآشورية الكلاسيكية، كان آشوريو ألقوش وتلكيف قد بدأوا تقليداً جديداً. ففي أواخر القرن الخامس عشر شرعوا في الكتابة باللغة الحديثة، واستمروا على ذلك حتى القرن التاسع عشر. ويبدو أنه لم يكن هناك الكثير من التواصل بين آشوريي العراق وآشوريي إيران، ولا يوجد دليلٌ على أن كتابات ألقوش أثّرت في نشوء اللغة الحديثة في أورميا. وفقط في النصف الثاني من القرن التاسع عشر نجد إشاراتٍ إلى نصوصٍ من ألقوش. بل ومن الممكن أيضاً أن تكون ترجمة الإنجيل التي نشرها المرسلون سنة 1873 بلهجة ألقوش قد استندت إلى ترجمة إنجيلية أقدم من تلك المنطقة، بدلاً من أن تكون ترجمة أنجزها المرسلون ومساعدوهم.
ويمكننا أن نستنتج أن تقليداً أدبياً كان موجوداً بالفعل بين الآشوريين عند وصول المرسلين الأمريكيين، حتى وإن كان استعماله مقتصراً على عددٍ محدودٍ من الناس. وكان هذا التقليد الأدبي أقوى في المناطق الجبلية منه في سهل أورميا، كما كان أقوى في منطقة ألقوش منه في جبال هكاري,
2 ـ التغيير: وصول المرسلين الأمريكيين
في سنة 1831 زار مرسلان أمريكيان، هما القس إ. سميث والقس هـ. ج. أو. دوايت، منطقة أورميا لمعرفة الأماكن المناسبة لبدء إرساليات جديدة. وقد استقبلهما الآشوريون الذين كانوا يعيشون في القرى المحيطة بأورميا استقبالاً ودياً. وكان الآشوريون متحمسين لفكرة مجيء المرسلين للإقامة بينهم، وقد دعموا بقوة الخطط الرامية إلى إنتاج الكتب وتوسيع النظام التعليمي. وقد دفع ذلك سميث ودوايت، بعد عودتهما إلى أمريكا، إلى نصح اللجنة التنفيذية للمجلس الأمريكي للمفوّضين للإرساليات الأجنبية (ABCFM) بإرسال مرسلين إلى هذه المنطقة.
وعند التخطيط للإرسالية الجديدة في أورميا، قام سكرتير المجلس، روفوس أندرسون (Rufus Andeson)، بالاشتراك مع سميث ودوايت، بدراسة متأنية لهدف الإرسالية الجديدة. وقد خلصوا إلى أن غاية المرسلين ينبغي أن تكون الإسهام في تجديد كنيسة المشرق واستعادة مجدها السابق، كما كان الحال في زمن الإرساليات الكبرى إلى المغول والصين. وبالتأكيد لم يكن الهدف من الإرسالية تأسيس كنيسة بروتستانتية منفصلة. ومن أجل تشجيع نهضة أو إصلاح في الكنيسة الآشورية القديمة، رأى المرتبطون بالمجلس الأمريكي للمفوّضين للإرساليات الأجنبية أن تجديد المعرفة بالكتاب المقدس أمر بالغ الأهمية. ولذلك، وإلى جانب الوعظ، عُدَّ تعليم الناس القراءة وإتاحة الكتاب المقدس للجميع أهم مهمة للمرسلين.
وفي تشرين الثاني سنة 1835 افتتح القس جاستن بيركنز (Justin Perkins)، يرافقه الطبيب الدكتور آسايل غرانت (Asahel Grant)، ومعهما زوجتاهما، الإرسالية في أورميا. وكان هؤلاء الأربعة أول أفراد سلسلة طويلة من المرسلين الأمريكيين الذين عملوا في أورميا وقرى السهل، إلى أن أُغلقت الإرسالية في نهاية الحرب العالمية الأولى. وفي سنة 1922 تمكن بعض المرسلين من العودة، غير أن الإرسالية أُغلقت نهائياً بأمر من رضا شاه سنة 1934. وسيجري فيما يلي ذكر المرسلين الذين كانت لهم الأهمية الأكبر في تطوير اللغة الأدبية، بما في ذلك التعليم والطباعة.
وكان أهمهم وأكثرهم تأثيراً جاستن بيركنز المذكور آنفاً. فقد كان أول من وصل إلى الميدان، وبقي هناك، مع انقطاعين، حتى سنة 1869 حين عاد إلى الولايات المتحدة. وهناك توفي في الحادي والثلاثين من كانون الأول من السنة نفسها عن عمر ناهز الرابعة والستين. وبما أن اهتمامه الرئيسي كان دائماً منصباً على الشؤون الأدبية، فقد يكون صاحب الإسهام الأطول أثراً في تشكيل اللغة الحديثة المكتوبة. ومن أبرز أعماله ترجمات العهدين الجديد والقديم (1846 و1852)، وشروحه على أسفار التكوين والخروج ودانيال، التي كتبها خلال سنواته الأخيرة في أورميا.⁸
ويبدو أن [بيركنز] كان أيضاً صاحب المبادرة في إصدار جريدة (Zahrire d-Bahra) «أشعة النور» التي جرى توزيعها بين الآشوريين ابتداءً من سنة 1849. وكانت هذه المجلة من أوائل المجلات التي نُشرت في بلاد فارس.
ولإعطاء صورة عن الكيفية التي ظل بها الآشوريون الذين عرفوا بيركنز يذكرونه بها، تكفي بضعة أسطرٍ من عظة أُلقيت بعد وصول نبأ وفاة بيركنز إلى أورميا. وكان الواعظ هو الشمّاش يونان من قرية آدا: (والآن يا أصدقائي، لنتأمل قليلاً، في هذا المقام [أي مجيء بيركنز إلى الآشوريين]، في شخصية السيد بيركنز. أما كان مثل أبٍ يدعو أبناءه إليه؟ ألم يدعُ الجميع إليه؟ وألم ننشأ نحن في حضنه؟ ومن منا قال له يوماً: “اذهب”؟ لقد كان، كالأب، لا يريد لعائلته أن تتشتت، بل أراد أن يكون جميع أفرادها قريبين منه؛ وهكذا كان السيد بيركنز. لقد اعتبر الشعب كله عائلته. ولم يكن يريد لأيٍّ من أبنائه أن يكون بعيداً عن البيت),⁹
وعن عمله في ترجمة الكتاب المقدس وشروحه أضاف يونان قائلاً: (لقد مضت ليالٍ من العمل وأيامٍ من الجهد العظيم في إعداد تلك الترجمات. وقد عملتُ معه منذ بداية ترجمة العهدين الجديد والقديم، ورأيت عمله، وكيف كان يكدّ على هذه المجلدات ليلاً ونهاراً. انظروا إلى كل بيتٍ، وكل كنيسةٍ، من الجبال إلى السهول والوديان، ومن القرى الصغيرة إلى القرى والمدن: إن تعب السيد بيركنز قد ملأها جميعاً بالكتب المقدسة).¹⁰
أما الشخص الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد [بيركنز] في الشؤون الأدبية فهو ديفيد تابان ستودارد (David Tappan Stpddard). فقد توفي في أورميا عن عمر ناهز الحادية والأربعين، بعد أن عمل هناك من سنة 1843 حتى سنة 1857.¹¹ وخلال هذه المدة القصيرة نسبياً قدّم إسهاماً مهماً فيما يتعلق باللغة. فقد كان أول من وضع قواعد للغة الآشورية الحديثة، ظهرت سنة 1855.¹² وقد جرى توزيع هذا الكتاب النحوي على نطاقٍ واسع في أمريكا وأوروبا، وأتاح للغويين الغربيين فرصة التعرّف إلى هذه اللغة التي كانت مجهولةً لديهم حتى ذلك الحين. كما ألّف معجماً، ورغم أنه لم يُنشر قط، فقد شكّل الأساس لكتاب (Dictionary of the Dialects of Vernacular Syriac) الذي ألّفه آرثر جون ماكلين ونُشر سنة 1901.¹³ ومن المرجّح أيضاً أنه أسهم في كتاب القواعد والإملاء الذي ظهر في أورميا لاستعماله في المدارس، إلى جانب عددٍ من المنشورات التي صدرت باسمه، وأبرزها كتاب (Outline of Theology) (Ktaba d-T’eologia) الذي نُشر بعد وفاته سنة 1857. كما تولّى الإشراف على المدرسة اللاهوتية للذكور، أولاً في أورميا ثم لاحقاً في سعير، وبذلك لعب دوراً مهماً في تدريب المساعدين الآشوريين.
أما وليم ر. ستوكنغ (Willian. R. Stocking)، الذي كان مشغولاً بصورةٍ رئيسية بالإشراف على المدرسة اللاهوتية للبنات، فقد أسهم هو أيضاً في أعمال المطبعة، وكذلك ألبرت ل. هوليداي (Albert.L. Holladay) والدكتور أوستن هـ. رايت (Austin H. Wright)، وكان الأخير طبيباً، وقد بذل إلى جانب عمله الطبي المعتاد جهداً كبيراً في مساعدة بيركنز على تنقيح الترجمات اللاحقة للكتاب المقدس.
وكان من أهم العوامل في نجاح مطبعة أورميا العمل الذي قام به إدوارد بريث (Edward Breath). فقد وصل إلى أورميا مع المطبعة سنة 1840. وإلى جانب إشرافه على أعمال الطباعة، كرّس وقتاً طويلاً لنحت حروف الطباعة الآشورية الجميلة التي جعلت الكتب والنسخ المطبوعة من الكتاب المقدس الصادرة عن المطبعة ممتعة للقراءة. وقد توفي في أورميا سنة 1861.¹⁴
إن جميع المرسلين الذين ذُكروا حتى الآن عملوا في أورميا خلال العشرين أو الثلاثين سنة الأولى من الإرسالية البروتستانتية. أما التاريخ اللاحق للإرسالية البروتستانتية ونشاطاتها في ميدان الكتابة والطباعة والتعليم فيستحق دراسةً مستقلة. غير أن من المناسب أن نورد إشارةً موجزة إلى أهم الإنجازات في تلك السنوات اللاحقة.
وأول مرسل ينبغي ذكره في هذا السياق هو القس بنجامين و. لاباري (Bejamin W. Labaree). فقد عمل في أورميا من سنة 1860 حتى سنة 1906. وتحت إشرافه أُعيدت مراجعة الترجمة الأولى للكتاب المقدس مراجعةً شاملة. وقد بدأ العمل على ذلك في وقتٍ ما من ثمانينيات القرن التاسع عشر، وأسفر عن طبعة سنة 1893. وقد قامت «جمعية الكتاب المقدس الأمريكية» في نيويورك بطباعتها، وما تزال هذه النسخة تُطبع حتى يومنا هذا.¹⁴
وكان من المرسلين المؤثرين في تلك الفترة أيضاً وليم أمبروز شِد (William Ambrose Shedd). فقد كان يدرّس في الكلية في أورميا، كما كان محرر مجلة (Zahrire d-Bahra)، وشارك بنشاطٍ في المحاولات الرامية إلى تنظيم قواعد إملاء اللغة الحديثة بصورةٍ أدق. كما كان مهتماً بالمخطوطات القديمة، سواء بالآشورية الكلاسيكية أم باللغة الحديثة، وكان يطلب من تلاميذه نَسْخ هذه المخطوطات في الصف.¹⁵
3. المتعاونون الآشوريون
منذ البداية، لقي المرسلون الأمريكيون ترحيباً حاراً من الآشوريين، سواءً من عامة الناس أم من جانبٍ معتبر من رجال الدين. فقد واصل أوائل المعلّمين الذين استعان بهم بيركنز، وهم القس قاشا أوراهام ومار يوحنان، وكذلك الأساقفة والكهنة والشمامسة، أداء دورٍ مهم في عمل الإرسالية.
وإلى جانب المساعدة الفعلية التي قدمها رجال الدين، دعم كثيرٌ من الآشوريين عمل المرسلين بإرسال أطفالهم إلى المدارس الجديدة وبحضور الاجتماعات التي كانت تُنظم. وهذا لا يعني أن الإرسالية البروتستانتية لم تلقَ معارضةً نشطة في بعض الأحيان، إذ إن العائلة البطريركية كانت تعارضها أحياناً. كما أن الحكومة الفارسية كانت ستفكر بالتأكيد في طرد المرسلين لو أن وجودهم تسبب في اضطراباتٍ بين الآشوريين؛ وباختصار، لو عارضهم الآشوريون لكان من الممكن جداً أن يُجبر المرسلون على حزم أمتعتهم والرحيل. إن حقيقة أن هذا لم يحدث قط تشير إلى أن غالبية آشوريي سهل أورميا لم يكونوا معارضين لوجود المرسلين البروتستانت.
وفيما يتعلق بإدخال اللغة المكتوبة، يمكن التمييز بين مجموعتين من المتعاونين الآشوريين. فالمجموعة الأولى تضم أولئك المرتبطين بالمطبعة، مثل المترجمين والكتّاب والطابعين، أما المجموعة الثانية فتضم العاملين في ميدان التعليم، أي أولئك الذين علّموا الآخرين القراءة والكتابة باللغة الحديثة.
المترجمون والكتّاب والطابعون
كان اثنان من المترجمين الذين عملوا مع بيركنز في ترجمة العهد الجديد هما القس قاشا دنخا والشمّاس إيشو. وكان كلاهما من أبناء المناطق الجبلية. فدنخا من تياري وإيشو من كاور. وقد عمل دنخا مع المرسلين منذ سنة 1837 فصاعداً، وقدّم مساهمةً كبيرة في الإنتاجات الأولى للمطبعة، وصولاً إلى ترجمة العهد الجديد. وبعد ذلك انشغل بأعمال المطبعة وبالتدريس بدرجةٍ أكبر، وغالباً في القرى الجبلية. وكما ذُكر سابقاً، كان دنخا واحداً من القلة المتعلمة بين الآشوريين، وقد قام بالتدريس في المدرسة التي أنشأها مقدسي هرمز.¹⁶
أما إيشو فقد عمل مصحّحاً في المطبعة، كما كان خطاطاً بارعاً. ومن المرجّح أنه ساعد في إعداد المواد التعليمية قبل وصول المطبعة. وقد توفي سنة 1845.
وقد تولى متابعة عمل دنخا في ترجمة الكتاب المقدس شابان هما شمّاشا يوسف من قرية ديكالا وشمّاشا يونان من قرية آدا. وكانا قد تلقيا تعليمهما في المدرسة الدينية التي أنشأها المرسلون. وكان كلاهما من العلماء الجيدين، ليس فقط في ميدان اللغات الحديثة، بل كذلك في العبرية واليونانية والإنكليزية والفارسية، إلى جانب الآشورية الكلاسيكية. وفي تشرين الثاني سنة 1846 كتب بيركنز رسالةً إلى سكرتير المجلس بمناسبة نشر طبعة العهد الجديد، وذكر فيها هذين الرجلين: [لديّ حالياً، كمساعدين في الترجمة والتدقيق، اثنان من هؤلاء الرجال الشماس يوسف من قرية ديكالا، الذي عمل معي في هذه الجهود لأكثر من ثلاث سنوات. ونادراً ما رأيت له نظيراً في أي أرض من حيث الموهبة الفطرية. لقد أصبح معلماً مقتدراً وكفؤاً للغاية. كما أنه عالمٌ جيدٌ جداً باللغة العبرية. أما مساعدي الآخر، يونان (يونس) من قرية آدا، فهو ما يزال شاباً فتيّاً، لكنه لا يقل عن يوسف إلا قليلاً، إن كان يقل عنه أصلاً، في الموهبة والوعود المستقبلية.»¹⁷
وعندما توفي يوسف سنة 1864 عن عمر ناهز الأربعين، نُشرت عنه مرثية مطولة في جريدة [Zahrire d-Bahra.] وفي هذه المقالة جرى الثناء على مساهمته في أعمال المطبعة وعلى نشاطه في الوعظ. وتتشابه العبارات الواردة فيها إلى حدٍ كبير مع العبارات التي اقتبستها آنفاً، مما يوحي بأن بيركنز كان على الأرجح كاتب تلك المرثية.
وفي أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر كانت عدة جماعاتٍ بروتستانتية قد نشأت داخل الكنيسة الآشورية، وكان يونان من قرية آدا أحد رعاة هذه الجماعات. وبهذه الصفة ألقى العظة التذكارية لبيركنز. وفي مرثيته الخاصة، التي ظهرت في جريدة [Zahrire d-Bahra] سنة 1880، جرى التذكير بعمله في ترجمة الكتاب المقدس، وكذلك بآخر أعماله الذي كان يتمثل في إعداد تفسير للكتاب المقدس. ولا أعلم إن كان هذا التفسير قد نُشر أم لا. أما السطور الافتتاحية للمرثية فجاءت كما يلي: (كان الشماس يونان رجلاً معروفاً جداً. فلا تكاد توجد قريةٌ آشورية في سهل أورميا لا يُعرف فيها اسمه. لقد كان موهوباً للغاية، وقد ازدادت مواهبه بفضل صداقته الوثيقة مع الدكتور بيركنز والسيد ريا. وقد سخّر جميع قدراته في خدمة المسيح).¹⁸
ولا نعرف الكثير عن الطابعين الذين عملوا مع بريث. وقد ذُكر اثنان منهم في كتاب Nestorian Biography، وهما يونان من جرباش واسماعيل من أورميا.¹⁹ وقد وُصف كلاهما بأنهما رجلان فاضلان، كما ذُكر عن اسماعيل أنه، فضلاً عن عمله نجاراً لمطبعة الإرسالية، كان ماهراً جداً في الأمور التقنية المتعلقة بصناعة الحروف الطباعية، مثل نحت القوالب المعدنية. كما كان يتولى أيضاً تصحيح التجارب الطباعية الأخيرة.
وفي أواخر القرن التاسع عشر ازداد عدد الآشوريين الذين أسهموا في عمل المرسلين بصورةٍ ملحوظة. وسأذكر هنا عدداً قليلاً منهم فقط، وكان معظمهم مشاركين في مراجعة ترجمة الكتاب المقدس خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر. أما أسماء الآشوريين الذين أسهموا في مراجعة طبعة سنة 1893 فقد وردت في مقدمة الترجمة التمهيدية لسفر التكوين التي ظهرت سنة 1886. وهؤلاء هم: قاشا أوشانا من تخوما، شمّاشا بابا من كوسي، أوراهم من كولباسان، قاشا أوشانا من كلية أورميا، وقاشا يوسف من وزيرآباد.²⁰
وقد عمل أوشانا الأخير مدّةً طويلة أستاذاً للغات القديمة في كلية أورميا، وكان يُدرّس العبرية واليونانية والآشورية الكلاسيكية. أما زوجته سارا، ابنة قاشا أوراهام من كيوك تبه، فكانت متعلمة هي الأخرى، وقد ترجمت كتباً إنكليزية لصالح مطبعة الإرسالية. وقد توفي الاثنان سنة 1915 عندما بدأت الاضطرابات في أورميا، وكان أوشانا آنذاك قد بلغ التسعين من عمره.²¹
أما بابا من كوسي فقد كان جامع معجم ضخم للغة الآشورية الحديثة، غير أنه لم يُنشر منه للأسف سوى بضعة مجلدات. ومن خلال عمله في هذا المعجم، ومن خلال مساهماته في جريدة (Zahrire d-Bahra) حول القضايا اللغوية، لعب دوراً مهماً في صياغة اللغة الحديثة وتطويرها.²²
ومن الرجال المهمين الآخرين في هذه المرحلة المتأخرة شموئيل بادل من قرية كوكتابه. فقد وُلد سنة 1865، وبعد تلقيه تعليمه، الذي تم في الولايات المتحدة، عاد إلى الكلية. ومنذ سنة 1895 وحتى وفاته سنة 1908، عمل محرراً لمجلة [Zahrire d-Bahra.]²³.
المعلّمون
كانت المدارس القروية، وإن كانت تحت إشراف المرسلين، تُدار من قبل الآشوريين. فإذا كان هناك شخصٌ يجيد القراءة والكتابة ويرغب في افتتاح مدرسة في قريته، كان المرسلون يدفعون له راتباً صغيراً ويزوّدونه ببعض الكتب المدرسية. وفي وقتٍ لاحق أصبح بعض طلاب المدرسة اللاهوتية للذكور معلمين في المدارس القروية. وفي المرحلة المبكرة كان الأساقفة، الذين كانت المدارس تقع ضمن أبرشياتهم، يساعدون المرسلين في الإشراف على هذه المدارس.
وعادةً لم تُذكر أسماء المعلمين في المدارس القروية في مراسلات الإرسالية، ولذلك لا نعرف عنهم الكثير. غير أن بعض المعلمين حظوا باهتمام ملحوظ في المصادر المبكرة بسبب دورهم في البدايات الأولى للإرسالية. وكان من بينهم القس أوراهام من كوكتابه ابنَ أخ مقداسي هرمز، أما مار يوحنان فكان من كاويان. وكان هذان الآشوريان هما معلّما بيركنز عندما وصل المرسلون للمرة الأولى إلى البلاد، خلال إقامتهم الأولى في تبريز ثم لاحقاً في أورميا. وكان أوراهام المساعد الرئيسي لبيركنز في السنوات الأولى من الإرسالية. وقد عملا معاً عندما بدأ بيركنز كتابة اللغة الآشورية الحديثة، وأعدّا المواد المدرسية معاً، كما قاما بالتدريس في المدرسة الجديدة في أورميا. وعندما توفي أوراهام سنة 1871، كُتب ما يلي في جريدة [Zahrire d-Bahra.]: (كان القس أوراهام ومار يوحنان أول من استقبل السيد بيركنز والدكتور غرانت. وقد ذهب [أوراهام] إلى أرضروم ليعلّم السيد كوكران لغة الآشورين في شتاء سنة 1848. كما ساعد في أعمال الترجمة في السنوات الأولى).²⁴
وكان مار يوحنان شخصيةً مهمة جداً بالنسبة إلى المرسلين البروتستانت الأوائل. فقد كان أول من رحّب بالمرسلين، وبصفته أسقفاً كان لهذا الترحيب أهمية كبيرة. ولسنوات طويلة ظل يقدم لهم دعمه الثابت. وكان هذا بالتأكيد أحد الأسباب التي دفعت بيركنز إلى اصطحاب الأسقف معه عندما ذهب في أول إجازة له إلى الولايات المتحدة سنة 1842. وقد تأثر مار يوحنان كثيراً بالحياة المسيحية هناك، كما ترك بدوره أثراً عميقاً في المسيحيين الأمريكيين الذين التقوه. وبعد عودته إلى بلاد فارس قرر الزواج، مقتدياً في ذلك بالرعاة البروتستانت. وظل مار يوحنان، طوال معظم حياته، وفياً للمرسلين البروتستانت، رغم أنه كان يجد صعوبةً في المناورة بين الطرفين خلال الفترات التي كانت فيها العائلة البطريركية تعارض المرسلين. وقد وصفت المرثية التي كُتبت عند وفاة مار يوحنان سنة 1874 مراسم دفنه في كنيسة مارت مريم في أورميا إلى جانب شمّاشا إسحاق، شقيق البطريرك السابق مار شمعون السابع عشر أوراهام، وهو ما كان يُعد على الأرجح موضع شرف. ووفقاً لتلك المرثية، فإن أهميته الرئيسية بالنسبة إلى المرسلين، إلى جانب استقباله الودّي لهم في البداية، تمثلت في جهوده لتأسيس المدارس.²⁵
وكان من المعلمين الآخرين الذين وظفتهم الإرسالية في السنوات الأولى القس يوحنان من كوسي. وقد قدّمه أوراهام إلى بيركنز لأنه كان ينتمي أيضاً إلى تلك المجموعة الصغيرة من الكهنة الآشوريين الذين لم يكونوا يقرأون الآشورية الكلاسيكية فحسب، بل كانوا قادرين كذلك على ترجمة النصوص المكتوبة بها إلى اللغة الحديثة. وبعد أن عمل لعدة سنوات في المدرسة اللاهوتية للذكور، أُوكلت إليه مهمة الإشراف على عددٍ من المدارس القروية، وكان يجول بوصفه واعظاً متنقلاً. وقد توفي سنة 1845.²⁶
4 ـ تعاون الأمريكيين والآشوريين
كيف عمل المرسلون الأمريكيون والآشوريون معاً؟
أولاً، كان المرسلون يعتمدون اعتماداً شبه كامل على تعاون الآشوريين. فلو لم يرسل الآشوريون أبناءهم إلى المدارس، ولو لم يشتروا ويقرؤوا مطبوعات المطبعة، ولو لم يفتحوا بيوتهم وكنائسهم أمام وعظ المرسلين، لكان هؤلاء قد اضطروا على الأرجح إلى الرحيل سريعاً. وخلال السنوات الطويلة التي كان فيها المرسلون الأمريكيون موجودين، كان قبول الآشوريين لهم هو الذي جعل عملهم ممكناً.
غير أن الآشوريين الذين استفادوا من عمل المرسلين لم يكن لهم بصورةٍ عامة تأثيرٌ كبير في عمل الإرسالية نفسها. وحدهم الآشوريون الأقرب إلى المرسلين كانوا قادرين على التأثير فيهم، وبالتالي التأثير في سياسة الإرسالية ونشاطاتها. ومن شأن دراسةٍ مفصلة لتاريخ الإرسالية في أورميا أن تكشف عن أمثلةٍ عديدة لهذا التأثير المتبادل. غير أننا سنكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الأمثلة المتعلقة باللغة والتعليم.
المدارس
بعد وقتٍ قصير من وصوله، بدأ بيركنز التحضير لإنشاء مدرسة افتُتحت في بداية كانون الثاني سنة 1836 بمساعدة القس أوراهام. وكما ذُكر أعلاه، كان أوراهام شخصيةً مهمة في السنوات الأولى للمدرسة في أورميا. ومنذ البداية وظّف المرسلون أشخاصاً محليين في مدارسهم. وكان ذلك أكثر وضوحاً في المدارس القروية التي سرعان ما بدأت تنتشر في مختلف أنحاء سهل أورميا. وكانت هذه المدارس تخضع عادةً لإشراف أسقف المنطقة، بينما كان التدريس فيها يقوم به كاهنٌ أو شماس يجيد القراءة والكتابة. وكان المرسلون يمارسون نوعاً من الإشراف العام، إذ كانوا يزورون جميع هذه المدارس بين الحين والآخر. وقد أثبت هذا النظام أنه وسيلةٌ ممتازة لتوفير التعليم الابتدائي لعددٍ كبير من التلاميذ. ومنذ البداية شُجّع تعليم البنات، وكان في معظم هذه المدارس فتياتٌ يدرسن فيها. ويبدو أن أغلب الآباء الآشوريين لم يعارضوا ذلك.
وفي أورميا كانت المدرسة اللاهوتية للذكور توفر مستوىً تعليمياً أعلى إلى حدٍ ما، وكان يُرسل إليها الفتيان الأكثر ذكاءً، وكثيرٌ منهم أصبحوا لاحقاً كهنة وشمامسة. وكانت االآشورية الكلاسيكية تشكل جزءاً كبيراً من المنهج الدراسي، إلى جانب الفارسية والإنكليزية. ومن إحدى رسائل المرسلين القديمة نعلم أن المدرسة اللاهوتية للبنات كانت منشغلة، خلال الجزء الأكبر من اليوم، بالترجمة الشفوية للبشيطتا إلى اللغة الحديثة، وربما كان الحال مشابهاً في المدرسة اللاهوتية للذكور أيضاً.²⁷ وبعد سنة 1846، عندما أصبح العهد الجديد متوافراً باللغة الحديثة، بقيت الآشورية الكلاسيكية جزءاً من المنهج الدراسي، لأن المرسلين وكذلك الآشوريين كانوا يعدّون معرفة هذه اللغة جزءاً أساسياً من تعليم أطفالهم.
ترجمات الكتاب المقدس
ينبغي اعتبار ترجمات الكتاب المقدس إحدى النتائج الرئيسية للتعاون بين المرسلين الأمريكيين والآشوريين. ففي اللغات الأجنبية كان هناك عددٌ من الآشوريين الذين شاركوا في هذه الترجمات. وما لا يخبرنا به المرسلون في رسائلهم هو الكيفية الدقيقة التي جرت بها عملية ترجمة الكتاب المقدس. فهل كان بيركنز يقترح الترجمة، ثم يُطلب من الآشوريين الحكم على مدى صحة استعمال اللغة؟ أم أن الآشوريين كانوا يضعون المسودة الأولى، ثم يقرأها بيركنز ليرى مدى مطابقتها للأصل؟ نحن لا نعلم ذلك. غير أنه عندما يخبرنا بيركنز، في مقدمة إحدى منشوراته الأخيرة، بأن يونان من قرية آدا قد ترجم الكتاب إلى اللغة الحديثة، فإن ذلك يوحي بأن بيركنز كان واعياً دائماً لحقيقة أن إتقانه للغة، مهما بلغت طلاقته بعد إقامة دامت خمسةً وثلاثين عاماً في بلاد فارس، لم يكن يضاهي إتقان المتحدثين الأصليين بها.²⁸ ولذلك فمن المرجّح أن الآشوريين الذين عملوا في ترجمة الكتاب المقدس قدّموا مساهمةً كبيرة في النص الفعلي.
وثمة أمرٌ آخر يوضح بصورةٍ أكبر كيف أراد المرسلون أن يأخذوا آراء الآشوريين بعين الاعتبار. فعندما بدأ المرسلون بترجمة العهد الجديد، قرروا أن تتم الترجمة انطلاقاً من نسخة البشيطتا بدلاً من النص اليوناني الذي استُخدم في الترجمة الأمريكية للكتاب المقدس. ويبدو أنهم تعلموا من الآشوريين تقديرهم الكبير للبشيطتا.
غير أن اللجنة التنفيذية للمجلس الأمريكي، وكذلك جمعية الكتاب المقدس الأمريكية التي كانت ستوفر الأموال اللازمة للطباعة، كانتا تعارضان بشدة ترجمةً تستند إلى البشيطتا. وبسبب نقص المعرفة أساساً، كانوا يعدّون البشيطتا ترجمةً محرّفة، ولم يستطيعوا تصور أن يكون مثل هذا النص أساساً لترجمة جديدة باللغة الحديثة. ومهما كانت الحجج التي قدمها بيركنز وزملاؤه المرسلون، فلم يُسمح لهم بالترجمة انطلاقاً من البشيطتا، فبدأ المرسلون، على مضض، بالترجمة من اليونانية.
وفي سنتي 1844–1845 نشأت معارضةٌ ضد عمل المرسلين، أثارها إخوة البطريرك الذين قدموا إلى سهل أورميا بعد مجازر تياري. وفي الفترة نفسها اتهمت الحكومة الفارسية المرسلين بالتبشير البروتستانتي. وكانوا يواجهون خطر الطرد إذا ثبت أنهم يريدون جعل الآشوريين بروتستانتاً من خلال فصلهم عن كنيستهم الأصلية أو توزيع كتبٍ قد تؤدي إلى ذلك. ولم يكن هذا مقصد المرسلين، وقد بذلوا ما بوسعهم لإزالة هذا الانطباع. ولأن الآشوريين كانوا على الأرجح سيفسرون الترجمة عن اليونانية بوصفها محاولة لإدخال البروتستانتية بينهم، عاد المرسلون وطرحوا القضية مرة أخرى أمام اللجنة التنفيذية في أمريكا. وهذه المرة نجحوا في إقناع اللجنة بأن الترجمة من البشيطتا لن تُدخل بدعة، وأن مثل هذه الترجمة ستكون أصلح للاستعمال بين الآشوريين من ترجمةٍ عن اليونانية.
وفي سنة 1846 نشروا طبعةً جميلة من العهد الجديد مترجمةً من البشيطتا، مع ملاحظاتٍ تشير إلى النص اليوناني ومرفقة بالنص الأصلي للبشيطتا.
وأصبحت البشيطتا مرةً أخرى موضوع نقاشٍ بعد بضع سنوات، عندما كان لا بد من طباعة العهد القديم. ولأن البشيطتا الخاصة بالعهد القديم تختلف أحياناً عن العبرية، أدرك المرسلون أنهم لن يحصلوا على إذن لترجمة تستند إلى البشيطتا. ولكي لا يسيئوا إلى الآشوريين بإهمال البشيطتا، دافعوا عن فكرة طباعة نص البشيطتا في عمود موازٍ. ومرة أخرى استغرق الأمر وقتاً قبل أن تمنح اللجنة التنفيذية إذنها. ومرةً أخرى أيضاً كانت الحجة الرئيسية في رسائل المرسلين هي رأي الآشوريين في الموضوع: إذ كان يُعتقد أنهم لن يستخدموا ترجمةً حديثة لا تتضمن البشيطتا.²⁹
أما النسخة المنقحة لعام 1893 فقد أنجزها الآشوريون بصورةٍ أساسية. ففي ذلك الوقت كان هناك عدد كافٍ من الآشوريين المتعلمين والقادرين على تنفيذ هذا المشروع. وفي لجنة المترجمين المؤلفة من ستة أشخاص كان هناك مرسل واحد فقط، هو السيد بنجامين و. لاباري. كما مُنح الآشوريون، بطريقةٍ أخرى، تأثيراً أكبر على الصيغة النهائية لهذه الترجمة. ففي مقدمة ترجمة سفر التكوين طُلب من القراء إرسال ملاحظاتهم إلى المحررين بغية جعل الترجمة النهائية أفضل ما يمكن.³⁰ ولا نعرف عدد القراء الذين استجابوا، ولا ما إذا كان قد استُفيد من تلك الملاحظات أم لا. غير أن نسخة سنة 1893 كانت تختلف بالفعل عن ترجمة سنة 1886، مما يدل على أن مناقشات إضافية قد جرت بشأنها. وكل ذلك يوحي بأن النسخة المنقحة لسنة 1893 كانت، على الأقل، من عمل الآشوريين بقدر ما كانت من عمل المرسلين.
منشورات أخرى للمطبعة
في الفترة الأولى من عمل مطبعة الإرسالية كانت غالبية الكتب والكتيبات تُنشر دون ذكر أسماء مؤلفيها. وفي النسخ التي وصلت إلى المجموعات الخاصة في الولايات المتحدة ولندن، أضيفت أسماء المؤلفين أو المترجمين المزعومين بخط اليد، غير أنه من غير المؤكد من الذي أضاف تلك الأسماء. ومن بين هذه الأسماء لا تظهر أسماء آشورية. وفي مراسلات الإرسالية يُذكر المرسلون عادةً وحدهم بوصفهم العاملين على هذا الكتاب أو ذاك. ومع ذلك يمكن الافتراض أن الآشوريين الذين عملوا مع المطبعة كانوا مشتركين في معظم هذه الكتب. ومن غير المرجّح جداً أن يكون المرسلون قادرين على نشر جميع هذه الكتب باللغة الحديثة من دون مساعدة المتحدثين الأصليين بها.
لكن، وبصرف النظر عن نشاطات الترجمة والمساهمات في جريدة Zahrire d-Bahra، لا توجد مؤشرات على أن الآشوريين قد أسهموا إسهاماً جوهرياً في مطبعة الإرسالية خلال الفترة الأولى من عمر الإرسالية، أي حتى سنة 1870.
غير أن ثمة طرائق أخرى أثّر بها الآشوريون في المطبعة خلال الفترة المبكرة من عمر الإرسالية. ففي وقتٍ ما من سنة 1843 أرسل غرانت، الذي كان آنذاك في الموصل، رسالةً دينية بالآشورية الكلاسيكية إلى المرسلين في أورميا بعنوان «حول إيمان البروتستانت» أو «ضد البابوية». وكانت هذه الرسالة قد تُرجمت من العربية على يد شخصٍ يُدعى ميخا.³¹ وقد أراد غرانت أن تُطبع هذه الرسالة في مطبعة أورميا (بالآشورية الكلاسيكية) من أجل توزيعها بين مسيحيي الموصل. غير أن المرسلين في أورميا قرروا، قبل طباعتها، أن يعرضوها على مساعديهم الرئيسيين آنذاك، وهما قاشا دنخا وشمّاشا إيشو. وقد رأى الأخير أن الرسالة جيدة أيضاً لآشوريي أورميا، ومن ثم تُرجمت إلى اللغة الآشورية الحديثة وطُبعت.³²
وفي صيف سنة 1844 قُرئت الرسالة وأُعطيت لمدرّسي المدارس القروية الذين كانوا مجتمعين آنذاك في سعير في ما يشبه مدرسة تدريب صيفية. وهناك بدا أن كثيرين منهم شعروا بالإساءة من الرسالة، لأن الطريقة التي جرى بها الهجوم على الكاثوليكية الرومانية كان يمكن بسهولة أن تُفهم على أنها موجهة ضد الكنيسة الآشورية أيضاً. وعندما علم المرسلون باعتراضاتهم قرروا عدم مواصلة توزيع الرسالة. لكن، ولسوء الحظ، كانت بعض النسخ قد وُزعت بالفعل، الأمر الذي سبب للمرسلين متاعب لاحقاً في السنة نفسها، عندما استند اتهام الحكومة الفارسية لهم بالتبشير البروتستانتي إلى هذه الرسالة ضمن أمور أخرى.³³
Zahrire d-Bahra و Kokhva
ولكي نختتم هذه النظرة العامة على تعاون الآشوريين والأمريكيين في المسائل المتعلقة باللغة، لا بد من ذكر جريدة الإرسالية [Zahrire d-Bahra] ففي السنوات الأولى للجريدة كانت غالبية المقالات تُكتب على يد المرسلين، وإن كان من المرجح أنها كانت تُترجم وتُصحّح من قبل مساعديهم الآشوريين. ومع ارتفاع مستوى المعرفة بالقراءة والكتابة بين الآشوريين، أخذ عددٌ متزايد منهم يساهم في الجريدة، حتى أصبحت في أواخر القرن منتدىً مهماً للنقاشات داخل المجتمع الآشوري. ولم تعد المساهمات «البروتستانتية» وحدها هي المقبولة. فقد جرت مناقشات حول العلاقة بين الكنيسة القديمة والبروتستانت، وكذلك حول العلاقة مع الكاثوليك الرومان، مع أنه يبدو أن الكاثوليك الرومان لم يشاركوا فعلياً في تلك النقاشات.
وكانت إحدى القضايا التي أثارت كثيراً من الجدل على صفحات [Zahrire d-Bahra] هي مسألة تطوير اللغة المكتوبة. وكان الموضوعان الرئيسيان يتمثلان في الإملاء، أي جعله أقرب أو أبعد من الآشورية الكلاسيكية، وكذلك في المفردات، أي استخدام عددٍ أكبر أو أقل من الكلمات «الدخيلة». وقد أسهمت هذه النقاشات إلى حد كبير في تنامي وعي الآشوريين بتطور لغتهم الخاصة.³⁴
وفي سنة 1906 أُطلقت مجلة جديدة باسم (Kokhva) أي «النجم». وفي ذلك الوقت لم تعد [Zahrire d-Bahra] ممثلةً للمجتمع الآشوري بأسره، لأنها كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإرسالية البروتستانتية. أما Kokhva فقد أُريد لها أن تكون صحيفةً للشعب الآشوري، في وقت بدأ فيه شعورٌ جديد بالقومية الآشورية في الظهور. وكانت هذه النزعة القومية تُشعر الناس بأنها تتجاوز حدود الاختلافات الطائفية. وقد شجّع المرسلون البروتستانت هذه المبادرة، وكانت المجلة الجديدة تُطبع في مطبعة الإرسالية إلى جانب [Zahrire d-Bahra]. وبعد سبعين عاماً من إدخال المرسلين للكتابة باللغة الآشورية الحديثة بين آشوريي أورميا، بدأ أحفادهم بتحرير صحيفتهم الخاصة باللغة الحديثة.
5 ـ الخلاصات
لا تزال جوانب كثيرة من عمل المرسلين الأمريكيين البروتستانت في أورميا خلال القرن التاسع عشر بحاجةٍ إلى مزيدٍ من البحث. ومن بين هذه الجوانب مساهمة الآشوريين في عمل الإرسالية. وقد ركزت هذه الدراسة على مساهمة الآشوريين في العمل المتعلق بإدخال اللغة الآشورية المكتوبة القائمة على لغتهم الدارجة. ويمكن استخلاص نتيجتين من هذا العرض العام.
أولاهما أن عدد الآشوريين الذين ساعدوا المرسلين كان كبيراً. ومن الآمن القول إن عدد المساعدين الآشوريين كان عادةً يفوق عدد المرسلين الأمريكيين. وهذا لا يعني أن الآشوريين كان لهم تأثيرٌ مباشر في سياسة الإرسالية، إذ من الواضح أن الكلمة الأخيرة كانت دائماً للمرسلين. وإضافةً إلى ذلك، كان الآشوريون مستخدمين لدى المرسلين ويتقاضون أجوراً لقاء خدماتهم. ومع ذلك، فإن كثرتهم العددية تشير إلى أنه لا ينبغي إغفالهم، وأنه ينبغي أن ينالوا نصيبهم من التقدير على نجاح إدخال اللغة الآشورية المكتوبة.
وثانياً، فإن أحداث سنتي 1844 و1845 تُظهر بوضوح إلى أي مدى أصبح الآشوريون معتمدين على المرسلين في مجالي التعليم والمساعدة الاجتماعية، كما أصبح المرسلون معتمدين على الآشوريين للحصول على الدعم العام. وكان دعم الآشوريين هو العامل الوحيد الذي منع طرد المرسلين من البلاد، لأن الحكومة الفارسية لم تكن بالتأكيد لتتسامح مع أي اضطراباتٍ بين مسيحيي فارس. ولذلك بذل المرسلون قصارى جهدهم كي لا يفقدوا ثقة الآشوريين في رسالتهم، وأخذوا يحترمون أكثر فأكثر الطابع المميز لهذا الشعب المسيحي العريق. وإن حقيقة أن المرسلين تمكنوا من مواصلة عملهم في فارس لما يقرب من مئة عام تدلّ على أنهم نجحوا في ذلك.
الهوامش
1. The research for this article was made possible by a stipend from the Netherlands Organization for Scientific Research (NWO). Permission to quote from the archival material of the American Board of Commissioners for Foreign Missions, now in Houghton Library, Harvard University, Cambridge, Mass., was provided to the author by Dr. David Hirano from the United Church Board for World Ministries in Cleveland, Ohio.
2. The ‘Assyrian’ language, as it is called by its speakers, consists of a number of closely related Northeastern Neo-Aramaic dialects. In the nineteenth century the dialect of Persian Urmia served as the standard dialect, whereas in the twentieth century the Iraqi dialects gained importance in the standardized language.
3. For the history of writing and -print-ing in the last century, see Rudolf Macuch, Geschichte der spät- und neusyrischen Literatur, Berlin 1976 and H.L. Murre-van den Berg, From a Spoken to a Written Language. The Introduction and Development of Literary Urmia Aramaic in the Nineteenth Century, Ph.D. thesis Leiden 1995.
4. The most important early source on Assyrian co-workers of the Protestant mission in Urmia is Nestorian Biography: Being Sketches of Pious Nestorians who Have Died at Oroomiah, Persia, by Missionaries of the A.B.C.F.M., Boston 1857, re-print- Chicago 1993.
5. It is uncertain how many women in earlier times had been able to acquire a certain education. When the missionaries arrived, they were informed that the only woman that could read was Helena, the sister of Patriarch Shimon XVII Auraham. See Justin Perkins, Historical Sketch of the Mission to the Nestorians, New York 1862, 10.
6. For a de-script-ion of the life of Muqdasi Hormezd, see Nestorian Biography, 184-87. On his second wife, Khanumjan, and the story of their apparently happy marriage, see Nestorian Biography, 203-212.
7. So Macuch, see Geschichte, 90-91.>
8. On Perkins, see Justin Perkins, A Residence of Eight Years in Persia among the Nestorian Christians with Notices of the Muhammedans, Andover 1843, and Henry Martin Perkins, Life of Rev. Justin Perkins, D.D., Pioneer missionary to Persia, Chicago 1887.
9. Shamasha Yonan of Ada, Sermon in Memory of Perkins (Karozuta al Mota d-Perkins Sahab, men Shamasha Yonan d-Ada) [Urmia 1870], 3.
10. Yonan d-Ada, Sermon in Memory of Perkins, 12.
11. On Stoddard, see Joseph P. Thompson, D.D., Memoir of Rev. David Tappan Stoddard, Missionary to the Nestorians, New York 1858.
12. D. T. Stoddard, Grammar of the Modern Syrian Language as Spoken in Oroomiah, Persia, and in Koordistan, London 1855 (published also in the Journal of the American Oriental Society, vol. 5/6 (1856)).
13. Manu-script- copies of the grammar and the dictionary are at Beinecke Library, Yale University, New Haven CT.
14. On Edward Breath and his work for the mission press, see the forthcoming article by J.F. Coakley, “Edward Breath and the Typography of Syriac”, to be published in Harvard Library Bulletin.
15. On Shedd, see Mary Lewis Shedd, The Measure of a Man, The Life of William Ambrose Shedd, Missionary to Persia, New York 1922.
16. On Dinkha, see Nestorian Biography 1857, 101-110.
17. ABCFM archives, ABC 16.8.1 v.3, nr. 249, 6.
18. Khnanisho Auraham and Rabbi Shmuel Badal, Ktaba d-Luqqate men Zahrire d-Bahra d-40 shenne, 1850-1890 (a collection of articles earlier published in Zahrire d-Bahra), Urmia 1895, 310.
19. On Yonan, see Nestorian Biography, 54-62, on Ismial, 62-64.
20, Sepra d-Brita (The Book of Genesis), [Urmia 1886], 2.
21, According to Macuch, Geschichte, 181, Oshana `d-Kalej was identical to Oshana Saru. J.F. Coakley, in The Church of the East and the Church of England. A History of The Archbishop of Canterbury s Assyrian Mission, Oxford 1992, 106 n. 180, notes the existence of two Oshana s from Tkhuma, both perhaps even from the village of Saru, one connected to the American College, the other working as an assistant at the Anglican mission. This explains the addition ‘of the College’, and suggests that the other Oshana among the revisors of the Bible translation might have been the ‘Anglican’ Oshana.
22. Macuch, Geschichte, 216.
23. Macuch, Geschichte 169, 215.
24. Ktaba d-Luqqate, 304.
25. Ktaba d-Luqqate, 305-6. See further Perkins, A Residence, with numerous references to Mar Yohannan in the early years of the mission.
26. Nestorian Biography, 1-21.
27. Stocking, Feb. 21, 1845, ABC 16.8.1 v.3 nr. 255.
28. Ktaba d-Luqqate, 304.
29. Ktaba d-Luqqate, 305-6. See further Perkins, A Residence, with numerous references to Mar Yohannan in the early years of the mission.
30. Nestorian Biography, 1-21.
31. Stocking, Feb. 21, 1845, ABC 16.8.1 v.3 nr. 255.
24. Ktaba d-Luqqate, 304.
25. Ktaba d-Luqqate, 305-6. See further Perkins, A Residence, with numerous references to Mar Yohannan in the early years of the mission.
26. Nestorian Biography, 1-21.
27. Stocking, Feb. 21, 1845, ABC 16.8.1 v.3 nr. 255.
31. See Ms Syriac 11, Houghton Library, Harvard University, Cambridge Mass. This Micha probably is the same as the Jacobite “mullah”, who, according to Thomas Laurie, Dr. Grant and the Mountain Nestorians, Boston 1853, 204, learned to read in adulthood and acted as an interpreter for the missionaries in Mosul. The identification of Ms Syriac 11 as being the tract under discussion is based on its comparison with the -print-ed version in the modern language. The spelling of “Protestants” with initial b provides an interesting affirmation of its Arabic original.
32. The tract is untitled and undated. The first line states the subject: “al haymanuta d-protestantaye d-preshlun men `idta d-Rhome xaltanta”, “On the faith of the Protestants which separates them from the erring Church of Rome”. The type font used in the tract was replaced sometime at the end of 1844 by another, thus providing a terminus ad quem. The number of pages and the correspondence with the Classical Syriac manu-script- all fit the de-script-ions of the tract given by the missionaries. See, e.g., Stocking, July 26, 1844, ABC:16.8.1 v.3 nr. 255, and Perkins, Journal entry Nov. 27, 1844 (copy of letter to Count Medem), in ABC:16.8.1 v.3 nr. 252. Whether the tract was -print-ed also in its Classical Syriac version, as had been Grant’s request, is not certain.
33. See, a.o., Perkins and Stocking, Nov. 27, 1844, ABC:16.8.1 v.3 nr. 250.
34. Unfortunately very few issues of Zahrire d-Bahra of these later years have been preserved. For an overview of the contents of the period between 1897 and 1918, see Macuch, Geschichte, 138-187.
#آدم_دانيال_هومه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟