|
|
في التفرقة بين الدولة التقليدية والحديثة
عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 16:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ما يفرق بين الدول القديمة، التقليدية، ونظيرتها الحديثة يختبئ في الجواب على السؤال: أين يقع مكمن السيادة، بمعنى السلطة المطلقة؟ في الدول القديمة يجمع رجل واحد، الحاكم، في يده كل السلطات الثلاثة التشريعية والقضائية والتنفيذية. هو، من خلال رجاله المعينين، المشرع والقاضي والحاكم بأمره؛ هو يصدر القانون ويقضي فيه وينفذه بواسطة أجهزة الدولة ورجالها الذين اختارهم لهذا الغرض. ولما كانت المهمة الأساسية للدولة كنظام سياسي هي صنع القوانين والقضاء فيها وتنفيذها، بذلك يصبح هذا الحاكم والدولة شيئاً واحداً والشيء نفسه لا انفصال بينهما. في المقابل، تقوم الدول الحديثة على مبدأ فصل واستقلالية وتوازن السلطات الثلاثة بما يجعل من المستحيل أن ينفرد شخص واحد أو سلطة واحدة بصنع القانون والقضاء فيه وتنفيذه بنفسه أو بواسطة رجاله المعينين. ولا يصدر القانون إلا من المجالس التشريعية، هذه المفوضة عبر الانتخابات من المواطنين أنفسهم لصنع القوانين نيابة عنهم. ولما كانت تكليفات السلطتين التشريعية والتنفيذية تأتي في نهاية المطاف من الناخبين أنفسهم وليس من أي مكان آخر؛ وكانت السلطة القضائية مقيدة في نهاية المطاف بالوثيقة التشريعية الأم، الدستور، والقوانين الصادرة من السلطة التشريعية، هكذا يكون مكمن السيادة الفعلية في نهاية المطاف لدى المواطنين الناخبين أنفسهم وليس لدى الحاكم أو رئيس الحكومة، الذي لا يتمتع بأكثر من سيادة مؤقتة موكلة له من الناخبين عبر صناديق الاقتراع. حسب التنظيم السياسي للدول القديمة، السلطة تكون مكتملة غير منقسمة- مطلقة- بيد الحاكم؛ بينما في الدول الحديثة تكون السيادة، السلطة المطلقة، في الأخير بيد عموم المواطنين الناخبين الذين ينتدبونها مؤقتاً إلى الحكومة، ويستطيعون سحبها منهم.
في ضوء ما سبق، لا يمكن لأحد أبداً الادعاء بأن محمد علي قد أسس "مصر حديثة". كيف يصمد هذا الادعاء في وجه حقيقة أن سلطة الدولة المطلقة- السيادة- كانت بيد محمد علي وحده؟ أن يكون "الحاكم هو الدولة" هو مبدأ قديم قدم التاريخ البشري. وعندما يكون الحاكم هو صاحب السلطة المطلقة، السيادة، في الدولة تكون الدولة والحاكم شيئاً واحداً والشيء نفسه لا انفصال بينهما. الدولة في الأخير هي ’تنظيم‘ سياسي للعلاقة بين أجهزة الدولة بعضها البعض، الحاكمين، وبينها وبين المجتمع المدني، المحكومين. وطالما بقي هذا التنظيم يستند إلى السلطة المطلقة، المكتملة غير المقسومة، بيد الحاكم، بقيت الدولة قديمة وتقليدية مهما بالغت وأسرفت في تحديث اقتصادياتها وجيوشها وبنيتها التحتية. على سبيل المثال، رغم بريقها العصري الفاتن لا يزال التنظيم السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة دون دولة الملك مينا وأقرب إلى الأحلاف القبلية السائدة قبل نشأة الدولة المركزية.
صحيح أن محمد علي أدخل تعديلات جذرية على أجهزة وآلية عمل الدولة المصرية بجلب أحدث ما توصلت إليه الدول الغربية في هذا الشأن، لكن طبيعة العلاقة فيما بين هذه الأجهزة وفيما بينها وبين المجتمع المدني بقيت كما كانت دون تغيير، معتمدة على القوة والغلبة وجميع خيوطها تنتهي بيد شخص واحد، محمد علي نفسه. هذا لا ينفي أن مصر بعد سنوات قليلة من حكم محمد علي بدت مختلفة كلياً عما كانت في عهد المماليك. أصبحت في بنيتها التحتية ومدنها الكبرى على الأقل أشبه بنظيراتها الأوروبية وربما تفوقت في الحداثة والعصرية على مدن كبرى غير أوروبية بحجم عاصمة الخلافة، إستنبول. لهذا قد يفسر البعض هذا التغيير الكاسح ليس بأقل من ثورة نفضت تراب التقليد والجهل والتخلف عن كاهل مصر ونقلتها إلى حداثة المستقبل. للأسف، هذا غير صحيح. ليس هناك ثورة ولا يحزنون. ولا كان محمد علي زعيماً ثورياً، وما كان يريد. الأقرب إلى الصواب هو أن العالم آنذاك كان في خضم ثورة علمية وصناعية كبرى انطلقت شرارتها وتفجرت في أوروبا الغربية بالتحديد ثم انتشرت من هناك إلى سائر دول العالم الراغبة. نفس ما فعلته مصر محمد على في توجهها الغربي قد فعلته أيضاً إمبراطوريات كبرى بحجم روسيا والصين والهند واليابان وحتى الإمبراطورية العثمانية، جميعها قد سعت جاهدة لجلب وتوطين منتجات هذه الثورة في أراضيها بعدما شهدت بأم أعينها ما قد حققته من معجزات عبر الأراضي الأوروبية ومكنت الأوروبيين من اجتياح واستعمار معظم بلدان العالم التقليدي. كحاكم صاحب مشروع وطموحات توسعية ومطلع على هذه المنجزات الغربية، ما كان يفاجئ أحد أبداً أن يكون محمد علي، كحاكم لمصر، من أكثر المتحمسين لهذا التوجه الغربي. مثل غيره من الطامحين من حكام الدول الكبرى، لم يدخر محمد علي جهداً من أجل استيراد العلوم والتكنولوجيا الغربية على أمل توطينها والاستفادة بها في مملكته البكر التي كان يطمح إلى تحويلها لإمبراطورية.
لكن هذه الثورة العلمية والصناعية كانت نتاج طبيعي لتنظيم سياسي غربي معين قد سمح لها بالنمو والنضج إلى حد الثورة المكتملة الأركان. وقد استغرقت العملية زمناً طويلاً. هذا التنظيم السياسي لم يوجد من قبل أبداً في مصر، ولم يقبل محمد علي بجلبه مع بقية وارداته من العلوم والتكنولوجيا. لذلك، كان لزاماً عليه أن يجلب مع العلوم والتكنولوجيا العقول القادرة على فهمها وتطبيقها وتعليمها للمصريين. لابد من الاستعانة بالخبرات والكفاءات الغربية، الرجال الأوروبيين أنفسهم، إذا كان لهذه العلوم والتكنولوجيا أن تؤتي فوائدها على أرض ليس لها سابق تجربة بها. بذلك خلق محمد علي في الدولة المصرية معضلة لم تعرفها من قبل وستبقى عالقة بها إلى وقتنا الراهن. طالما استمر تدفق العلوم والتكنولوجيا الغربية ومعها الكفاءات والخبراء الأوروبيين، استطاعت الدولة المصرية المضي قدماً والمحافظة على بريقها الحداثي. لكن، بسبب افتقارها إلى التنظيم السياسي الحديث، إذا ما حدث لسبب أو لآخر انقطاع أو تعطل في نهر هذا التدفق الغربي، تصبح المكتسبات الحديثة في مهب الريح وتسلك المؤسسات المحدثة غربياً طريق العودة إلى نفس تقليديتها القديمة إلى حيث لا يزال يقف نظامها السياسي. كأن الحداثة في دولة محمد علي ’الحديثة‘ قد تم تزويجها قسراً من دون رضاها لمؤسسات دولة لا تزال في طبيعتها وتكوينها الفعلي بدائية ومتخلفة وتقليدية حتى النخاع. لذلك، بقيت الدولة المصرية في عهد محمد علي، كما لا تزال حتى يومنا هذا، مجرد مستورد ومستهلك للعلوم والتكنولوجيا الغربية، لا هي قادرة على هضمها وتمثيلها وتحقيق الاستفادة المرجوة منها، ولا هي قادرة على إنتاج حتى نسخ منقولة أقل جودة كما فعلت دول عديد أخرى حول العالم وفي صدارتها الصين التي تحولت الآن إلى ما يشبه ’مصنع العالم‘.
في مثال توضيحي للقارئ الحالي يقرب صورة الدولة المصرية ’الحديثة‘ كما أنشها محمد علي، دعونا نلقي نظرة على ما تسمى الآن دول مجلس التعاون الخليجي. لا أحد أبداً ممن يسكنون أو يزورن هذه الدول اليوم يتخيل كيف كانت قبل عدة عقود ماضية فقط. مدنها اليوم تبدو في حداثتها وعصريتها وبنيتها التحتية أقرب إلى واشنطن وباريس ولندن وموسكو وغيرها من كبريات المدن العالمية الحديثة منها إلى أمهاتها الطبيعية التقليدية المتوارثة جيل بعد جيل طوال آلاف السنين. ما سبب هذا التغيير الجذري الثوري؟ الثروة النفطية. قبل هذه الثروة، كانت دولاً تقليدية تعيش عيشة تقليدية تماماً بحكم التنظيم السياسي التقليدي للدولة مثلها مثل مصر في العهد المملوكي، شبه دولة أكثر منها دولة مركزية موحدة. وكما استمر التنظيم السياسي للدولة المصرية تقليدياً في عهد محمد علي، استمر كذلك التنظيم السياسي للدول الخليجية تقليدياً حتى اليوم. لكن هذا التنظيم السياسي التقليدي إذا كان يحرم الدولة من ’إنتاج‘ الحداثة، هو لا يحرمها من ’استيرادها‘. بالضبط كما فعل محمد علي بالدولة المصرية، فعل الحكام الخليجيون بدولهم بعده بنحو 200 عام- عوضوا عجزهم باستيراد العلوم والتكنولوجيا والخبرات والكفاءات الغربية. رغم الحداثة المذهلة الحالية، لا يزال تنظيم الدولة الخليجية اليوم دون نظيره المصري أيام محمد علي، وأقرب إلى الشكل القبلي السائد قبل الملك مينا. رغم بهرجها الحداثي المدوخ للعقل اليوم لا تزال الدول الخليجية تعتمد التنظيم البدائي التقليدي، وبالتالي لا تستطيع هضم وتمثيل العلوم والتكنولوجيا الغربية، ولا إنتاج ولو نسخ أقل جودة منها. كما برهنت الحالة المصرية في الماضي، مثل هذا التنظيم التقليدي البدائي، المبني على مبدأ ’القوة والغلبة‘ وتنتهي جميع خيوطه بيد رجل واحد، لا يستطيع إلا أن يستورد ويستهلك، ولا يُنتج حداثة. وكما حدث بالضبط مع دولة محمد علي، إذا ما شحت الثروة، أو توقف أو تعطل نهر تدفق الواردات والعقول الغربية لسبب أو لآخر، ستجد كل المؤسسات والشركات الخليجية العملاقة، التي قد تتجاوز في الثراء والقوة نظرائها في واشنطن والعواصم الأوروبية، مشلولة وعاجزة عن العمل، لأن العقول التي تشغلها أوروبية صرف ولا يزال التنظيم السياسي الوطني عاجز عن إنتاج عقولاً من هذه النوعية، ولو بجودة أقل.
#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفرق بيننا وبينهم في الكراهية والعنف
-
هجوم أفلاطون على المجتمع المفتوح
-
عودة إلى الحماية الأجنبية بعد 67
-
الجمالية والكمالية والطوباوية
-
الملك الفيلسوف
-
تجميل الهزيمة
-
الفساد الناصري
-
مبدأ القيادة
-
العدالة الشمولية
-
الطبيعة والتقليد
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
-
نظرية أفلاطون عن الأشكال أو الأفكار
-
هيراقليطس
-
سحر أفلاطون
-
المجتمع المفتوح وأعداؤه
-
ضد الاستبداد وأعوانه
-
هل يستطيع الإنسان أن يحيا بلا دين؟
-
هل الله ذَكَر؟
-
نظرة دينية لكن بالمقلوب
-
هل صحيح أن المسلمين يقدسون محمداً أكثر من تقديسهم لله؟
المزيد.....
-
مصادر: سقوط قتلى وجرحى بصاروخ حوثي وتوقف حركة الملاحة بمطار
...
-
تقارير عبرية تكشف تفاصيل نظام توجيه عسكري إسرائيلي تم استخدا
...
-
سوخوي تتصدر المشهد.. إندونيسيا تحشد مقاتلاتها لمرافقة طائرة
...
-
الجيش الإسرائيلي: إطلاق صاروخ اعتراض باتجاه هدف جوي مشبوه في
...
-
الخطوط الكويتية تلغي الرحلات الجوية من وإلى الرياض
-
اليمن.. قوات -درع الوطن- تعلن إحباط محاولة تسلل حوثية في محي
...
-
السعودية.. مطارا أبها والدمام يواصلان استقبال الرحلات الجوية
...
-
تقارير تؤكد إخلاء مطار الملك خالد بالرياض ووقوع جرحى جراء ال
...
-
تحقيق إسرائيلي: وثائق وتحذيرات سابقة تناقض رواية نتنياهو بشأ
...
-
حشود بشرية تحيي الذكرى السنوية الثالثة لأحداث 7 أكتوبر
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|