حسين عباس عزيمة
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 22:52
المحور:
الادب والفن
في معسكر التهيئة لمعركة الفلوجة، تلك المدينة التي اجتاحها العدو وأطفأ نورها الذي يرسم فرحة على أهلها البسطاء، أما نحن فكنا نعد الساعات التي تفصلنا عن مصيرنا الأخير، ثمة ساعات تمر بك، تكفي لأن تدرك بعدها إن كنت ستنجو أم لا.
اجتمعنا حول نار خفيفة تقي أجسادنا من برد الليل، تتعالى ضحكاتنا وسط أزيز الذكريات الصغيرة، قبل أن يغمرنا الفجر بالدم والبارود.
نتسامر فيما بيننا،واحد يتحدث عن أهله، وآخر عن إجازة لم يحصل عليها، وثالث يروي موقفا قديما ويضحك قبل أن ينهيه، وآخر يتذكر حبيبته، يقف ويغادر الجلسة، يبكي خلف جدار بعيد لكي لا يسمعه أحد.
سجائرنا تتوهج في الظلام، والدخان يصعد فوق رؤوسنا، يرسم مشهدا غرائبيا بلوحات فنية، ثم يتلاشى مع الهواء البارد.
اقترح أحد الأصدقاء لعبة بدت لنا، وقتها، مجرد تسلية عابرة. نضع قنينة ماء في المنتصف ونديرها، والذي تقف قنينة الماء مشيرة إليه، سيستشهد يوم غد، وقد يعلم الجميع أن غدا يصادف معركة تحرير كرمة الفلوجة.
وبدأت اللعبة.
دارت القنينة مرارا دون أن تشير إلى أحد، كأنها تسخر من توترنا المستتر خلف الضحكات.
أطلق أنور، صاحب الحضور المشع بالحياة، وفي منتصف فمه سيجارته، ورماده يتطاير على الجالسين، ضحك بتهور واستهزاء، ساخرا
ــ أنتم جميعا عار على الرجال
مرة أخرى دارت تلك القنينة عدة مرات ولم تقف على أحد. ضحكنا من هذا الأمر.
ثم بدأت القنينة تستقر، فوقفت على أحمد، ثم سمير، وعلي، وأخيرا وقفت مشيرة لي أنا.
وتكررت هذه اللعبة.
كنا نضحك، نكرر الدورة، نتأرجح بين السخرية والمصير، وقعت على الجميع باستثناء أنور.
فقال أحدهم
ــ كم أنت محظوظ يا أنور، لن تموت غدا.
أجاب أنور ،وعلى شفتيه ابتسامة
ــ وأنتم كذلك لن تستشهدوا.
لم أتمالك نفسي، فسألت.؟
ــ من منكم يمتلك الجرأة ليعلن أنه سيموت غدا؟ لماذا نموت كلنا؟
ضحك أنور وهز كتفيه، وأخذ بيده يصفع الجميع على خدودهم
ــ أنا مستعد للموت لأني خرجت سالما من تلك اللعبة، ولم تقف علي قنينة الماء، سنعود كلنا سالمين، لا داعي للخوف، إنها مجرد لعبة.
ضحكنا من سخافتنا وتصديقنا لتلك اللعبة، ونسينا الأمر، ولم يقل أحد من الجنود إننا خائفون.
في الحرب، أحيانا يكفي أن تضحك حتى لا يسمع الآخرون صوت قلبك.
ــ لقد تبرعت بالموت لأجلكم، أليس كذلك؟ وكل من يوشك على الموت تكون لديه أمنية، وأمنيتي بسيطة، هي أن تعدوا لي كوبا من الشاي ينسيني هذا البرد الشديد.
فقال سمير ضاحكا
ــ سأعد الشاي يا شهيدنا القادم، تستاهل.
أعد سمير الشاي وهو يغني بمرح متكسر
(يا طعم … يا ليله من ليل البنفسج
يا عذر …
يمامش بمامش و أحبك
طبع بگلبي من اطباعك ذهب
ترخص … أغلّيك و أحبّك
أنه متعلّم عليك هواي
يا سولة سكتي
يا طواريك … من الظلمه تجيني
چانن ثيابي عليَ غربه گبل جيتك
و مستاحش من عيوني)
والجميع يصفقون بإيقاع بصري ، فيما كان البرد يشتد، وكأن المشهد يحدث في حفلة غنائية يملؤها الرعب. الأصوات تخرج بنبرة متعرجة، والأماكن والجدران البعيدة أشبه بقبور متلاصقة، ما بينها نصف مظلمة، حتى ضوء القمر تحجبه الغيوم الرمادية، عاجزة عن أن ترمي نورها على بقايا الخراب الذي يحيط بالمكان.
جلسنا نشرب الشاي وندخن السجائر بشراهة، لا شيء يسعدنا هنا غير السجائر، وحدها كفيلة بإطفاء حرائق الاشتياق، وأخذ سمير بالغناء الهازئ والمضحك.
حتى بح صوته وغلبه العطش،
مدّه يده سمير على قنينة الماء ، رفعها وشرب منها، لكنه ما لبث أن تقيأ سريعا ..يع ..يع …يع ،وهو يضع يده على فمة وقد ارتسم الاشمئزاز على وجهه .
،فقد كانت في قاع القنينة بقايا أعقاب سجائر، اختلطت بالماء الاصفر ذو الرائحة الكريهة ..
قهقهنا في وجهه، ونفخنا عليه ونحن نقول
اسم الله… اسم الله ،ثم أطلقنا آخر ضحكة، وتبادلنا النظرات والغمزات.
فظل للحظات يحدق بنا بوجه شاحب، ويمسح فمه بظهر يده، فيما كانت أنفاسه متقطعة من أثر التقيؤ. ثم عقد حاجبيه، واشتعل الغضب في عينيه، وقال بصوت مبحوح
أتضحكون؟
والله لأجعلكم تندمون على هذه السخافة.
لكن تهديده لم يزدنا إلا ضحك
بدأ النعاس يراودنا.
حتى خفتت ضحكاتنا وتثاءبنا واحد تلو الآخر
خلدنا للنوم، نخبئ بين أضلعنا خوفا أحمق لا نعترف به.
فغدا أمامنا معركة كبيرة.
نام الجميع اما انا بقيت أتقلب على السرير، أراقب سقف الغرفة، وكلما أغمضت عيني عاد القلق فأيقظني. قرأت آيات من القرآن، أكررها ببطء، أتشبث بها لعلها تهدئ رأسي وتسرقني، ولو للحظة، إلى النوم،
جاءتني غفوة بعد أرق طويل ، أغمضت عيني.
استيقضنا مع الفجر، تحركت القوة باتجاه نقطة الشروع. اقترب أنور وهمس لي بنبرة ضاحكة
ــ هل تود الموت اليوم؟
ابتسمت
ــ وكيف أموت وأنت تبرعت بالموت عنا؟
قال، بخفة ثقيلة لم أفهمها إلا لاحقا
ــ الروح عزيزة، يا صديقي.
انطلقت عمليات التحرير، ومرت ساعة من حرب شرسة، رصاص كالمطر، وقناص يستمر في استهداف المقاتلين.
تفرقنا نتفادى القناصين، واحتمينا خلف المدرعات والسواتر.
فجأة، دوى صوت انفجار هز الأرض تحتنا. سمعت أحمد ينادي في الجهاز اللاسلكي، تلك القنينة التي لا تعرف المزاح:
ــ استشهد أنور!
ركضت مسرعا، ظننتها طرفة ثقيلة، لكن لقد نادى بجهاز اللاسلكي، هذا الجهاز الذي يستخدم فقط للنداءات العسكرية. وقفت من مسافة قريبة، كان الرصاص لا يزال مستمرا، اقتربت بين زخات الرصاص.
رأيت أنور، مقطع الأطراف، جسدا بلا ملامح. شيء في داخلي انكسر، شيء رفض قبول المشهد، كأن اللعبة عادت تدور، لكن هذه المرة بدم حقيقي.
فقدت السيطرة على نفسي.
لا، مستحيل أن يكون هذا الشيء حقيقيا، لا، لا، لا، لا، كيف؟
كيف تحولت مزحة ساذجة إلى حقيقة دامية؟!
كيف نمضي من دون ضحكته؟
أسئلة انهالت فوق رأسي، وصوت صرخ وسط خراب المعركة. في تلك اللحظة أدركت هشاشة الفاصل بين العبث والقدر. يا ليتنا لم نجعله يتبرع في اللعبة بالموت.
رفعت رأسه بين يدي وضممته إلى صدري، ثم انحنيت نحو أذنه وهمست بصوت الندامة:
أنا آسف.
أسندت وجهي إلى نحره الملطخ بالدماء، وحاولت أن ألتقط نفسا أخيرا، أن يبقى شيء من عطره في ذاكرتي.
من بعيد، جاءت عاصفة من الغبار تقترب، تتكاثف في الأفق، ثم اندفعت الرمال نحو وجوهنا، تخدش أعيننا وتملأ أفواهنا بالرذاذ الناعم . لم نعد نميز الدموع، ولا الدم من الطين. راحت أعيننا تبكي بصمت، فيما كانت الدموع تنساب فوق الدماء، لم نجد طريقا لتخلصنا من هذا الحزن إلا عبر أعيننا. بكينا حتى ارتسمت فوق وجوهنا خطوات موحلة.
#حسين_عباس_عزيمة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟