أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين عباس عزيمة - كن شاهداً














المزيد.....

كن شاهداً


حسين عباس عزيمة

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 09:59
المحور: الادب والفن
    


في ليال الحرب، لا يأتي النوم، بل يفر مذعورا من صمت مثقل بالرعب. كنت ممددا داخل خيمتي، أحاول إقناع نفسي بأن الظل الذي يدور حولها ليس أكثر من وهم أو جندي أنهكه التعب. صوت وقع أقدام، خفيف، متردد، كان صاحبها لا يريد أن يكون موجودا.
تجاهلته أولًا، لكن القلق بدأ يسري في عروقي، أفكار متزاحمة:
من يكون؟ ماذا يريد؟ هل هو شبح من أولك الذين سقطوا في هذه الساحة الملعونة؟
منذ يومين وأنا لم أنم، كأن الأرق قد أصبح سلاحي، لا يفارقني، ينام معي تحت الوسادة.
المكان مخيف. نحن على مشارف الموت، لا يفصلنا عن العدم سوى حفنة خطوات وساعة حظ سيئة.
اختفى الظل، لكنني لم أرتح طويلا ... عاد الصوت من جديد، أقرب هذه المرة، أكثر وضوحا، كأنه جثة تمشي أمسكت بسلاحي وخرجت من الخيمة. صوبت فوهتها نحو مصدر الصوت.
جاءني صوته، مكسورا، حزينا، مختنقا لا روح فيه
 أنا ... ليث.
خفضت السلاح. قلت بلهجة متوترة:
 ليث؟ هذا ليس مكانك... لماذا تدور حول الخيمة؟ هل تخاف؟
قال وهو يشيح بوجهه:
 لا، لكنني ظننتك نائما. لم أرد أن أوقظك، ثم ضعفت... أنت الوحيد الذي يسمعني عندما أتكلم تعال، أحتاجك هذه الليلة.
قلت له أن يمهلني دقائق. دخلت إلى الخيمة، ارتديت معطفي الصوفي ، فالجو كان قارسا، والضباب يغلف المعسكر كأنه عباءة موت معلقة فوق رؤوسنا. أحضرت الشاي، أمسكت بسجائري، وعدت إليه.
جلسنا قرب بعضنا . سألته:
 ما بك؟
أجاب بصوت خافت:
 أتدري، يا حسين... في هذا الوقت، تحديدا عند الواحدة بعد منتصف الليل، أشعر كأنني أتلقى جرعة كيمياوي في الوريد.
أنتظر الصباح لا ليأتي، بل ليمنحني الحق في البقاء.

قلت:
 خائف؟ أم مشتاق؟
رد بتنهيدة:
الشوق أشد فتكا من الرصاص، خصوصا حين تعيش في مدينة تتعالى فيها الأرواح كل يوم، كما تتعالى صرخات قلبك التي لا يسمعها أحد.
هل أحببت من طرف واحد؟ صمت طويلا، ثم قال:
نعم.
كيف كان الشعور ؟
أشبه بجندي فاقد الهوية، لا شهيد، ولا حي ثم تابع، بنبرة أكثر ليونة:
احببت فتاة منذ ثلاث سنوات. كانت شاعرة، تعيش في الكرادة، رأيتها أول مرة تسير قرب تمثال كهرمانة...
كأنها شهر زاد تهرب من ألف ليلة وليلة.
تبعتها، عرفت أنها تسكن قريبة، وسألت عنها ... قالوا إنها دكتورة، تعمل في مدينة الطب.
 
منذ ذلك الحين وأنا أتابع أخبارها، دون أن أقترب. كنت أكتب لها رسائل لا أرسلها. في كل ليلة، أفرغ قلبي على
الورق.

سكت قليلا، ثم قال:
 ذات مساء، كانت السماء تمطر، وكان هواء بغداد يداعب نوافذ الغرفة. حضرت لي شايا، وأشعلت سيجارة، وفتحت نافذتي.
ومن مصادفات القدر، كانت نافذتها أيضا مفتوحة ...
رأيتها تقرأ كتابا، كان المطر يتسلل إلى شعرها ويغفو على جدائلها.
راقبتها، ثم أغمضت عيني وتأملت... عندما فتحت عيني، وجدتها تنظر إلي، بنظرة لم أفهمها. عينان تلمعان كأنهما تقولان أنا هنا.
ثم، أغلقت النافذة.
كأنها أسدلت الستار على مسرحية، وقالت لي:تصبح على خير، أيها العاشق الأحمق.
 وماذا بعد؟ سألته.
قال:
 بعد شهور من الغياب، عدت وسألت عنها ... قالوا إنها رحلت مع عائلتها إلى مكان آخر. منذ ذلك اليوم وأنا أبحث عنها.
كلما زرت مدينة الطب، أطيل النظر في الوجوه. لكن لا
أثر.
قلت له وأنا أنظر إلى سلاحه:
علينا أن نترك شاهدا لهذه القصة... لا نعلم متى يسقط صاروخ العدو ويذرونا رمادا.
ومن يكون الشاهد؟ سألني.
أخرجت رصاصة من المخزن، ونقشت على خشبة السلاح: كن شاهدا.
 هذا أجمل شاهد، قالها وهو يبتسم.
ثم قال:
 أخبرني، ما قصتك أنت؟
قلت:
 لا شيء يذكر، سوى أنني بعد رحيلهم عشت غريبا ...
لن أصافح أيديهم مجددا. كل ما في العالم غربة.
قلبي يتحرك بخريطة من الندم.
ودعته. أخفاه الضباب، وعدت إلى خيمتي التي تبعد عن الساتر عشرين مترا. بالكاد أغمضت عيني، حتى دوى انفجار قريب.
خرج الجميع، كان ليث على الأرض، يتألم، وجهه مليء
بالغبار ، وجسده ينزف.
 العدو يتقدم.
كان النداء الأخير.
المواجهة اشتدت، وكلما نفدت ذخيرتي عدت لأطمئن عليه. ثم جاءت سيارة الإسعاف، وذهبت معه. وضعت رأسه في حجري وقلت:
 لن تموت ... سأجلب لك حبيبتك.
ابتسم رغم الألم. كتب من دمه على جدار الإسعاف: كن شاهدا.
وصلنا المستشفى الميداني. الجرحى كثر، الشهداء أكثر .
دخل ليث غرفة العمليات، وتفاجا برؤيتها... كانت هي، حبيبته.
قال لي:
 إنها هي... وعندما أنجو، سأخبرها بكل شيء.
دخلتْ هي لتحضر أدواتها، ثم بدأت العملية. أنا انتظرت. بعد ساعة خرجت، عيناها سوداوان كالحبر، قالت إن حالته مستقرة.
سألتها عن ليث... قالت إنها رأته من قبل، لكنها لا تتذكر أين. أخبرتني أنها جاءت تطوعا بسبب ما تراه من موت في كل مكان.
 جئت لأحمي من يُقاتل من أجل حبيبته ووطنه، قالت.
أردت أن أخبرها عن ليث، لكن الوقت لم يسعفني. كانت منهكة، انشغلت بالمصابين، ثم ودعتنا لأنها ستعود إلى بيتها صباحا.
مرت ساعة، وساعتان... ليث لم يصح.
سألت أحد الأطباء، ذهب معي، ثم بدأ الفحص، تبعه
اخرون، إلى ان نظر إلي أحدهم وسألني:
 هذا صديقك؟
قلت: نعم.
قال:
البقاء لله... لقد رحل شهيدا.
كيف؟! سألته، والدم جاف في عروقي.
شظايا قرب القلب... نزيف داخلي. لم نستطع إخراجها.
تجمد الزمن. ربما مات ليث شهيدا في الحب كما في الحرب. كانت رصاصة عينيها أول جرح، وتوالت الجروح من بعدها.
عدت وحدي... والسؤال ينهشني: من سيحدثني بعد الأن عن عركشينة السيد؟
من سيكون شاهدي إن لم يكن ليث؟
على فوهة بندقيتي... دم، وعلى خشبتها، اسم ليث محفور إلى الأبد كن شاهداً
 



#حسين_عباس_عزيمة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فم الأبواب
- أحدهما حذائي
- حائط الغرفة
- الباص الذي عبر الفجر
- الرقص شنقاً
- لقاء مؤجل
- الليلة التي لم تنتهِ


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين عباس عزيمة - كن شاهداً