لمى محمد
كاتبة، طبيبة نفسية أخصائية طب نفسي جسدي-طب نفسي تجميلي، ناشطة حقوق إنسان
(Lama Muhammad)
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 04:51
المحور:
الادب والفن
في يوم الاثنين الأول من شهر تشرين الأول عام 2026، أُعلِنَت جائزة نوبل للطب، وكانت من نصيب الطبيب النفسي الأمريكي كارل دايسروث مع عالمين ألمانيين هما بيتر هيغمان وغيورغ ناغل، مكتشفَي البروتين في الطحلب، لكن الخبر لم يحمل القصة الكاملة.
أخذ العلماء جين البروتين الحساس للضوء من بقعة عين الطحلب وزرعوه في خلية عصبية، فصارت الخلية تستجيب للضوء وتعشقه كما كان الطحلب، ثم تعمق مختبر سوسومو تونيغاوا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الأمر، فأحيا ذكريات عند الفئران وزرع أخرى لم تحدث، بل وقلب شحنة ذكرى من رعب إلى مكافأة.
أي مستقبل رائع ينتظر علاج كثير من الأمراض، وأي مستقبل مخيف ينتظر عالم السياسة.
في الحقيقة، ما تجاهله كثيرون، وذكرته لجنة نوبل عرضاً في خلفيتها العلمية ثم أسكتته بقاعدة الأسماء الثلاثة، هو إدوارد بويدن، المؤلف الأول للورقة العلمية نفسها التي قامت عليها الجائزة. نُشرت الورقة في Nature Neuroscience في آب 2005 وبويدن مؤلفها الأول، ثم فنغ زانغ، ثم إرنست بامبرغ وغيورغ ناغل وكارل دايسروث. ولم يُقصَ بويدن وحده: بامبرغ، شريك هيغمان وناغل في اكتشاف القناة الضوئية سنة 2003 ومؤلف مشارك في ورقة 2005، خرج هو الآخر من المنصة بالقاعدة نفسها.
كان بويدن حينها طالب دكتوراه في ستانفورد ينهي رسالته، وكان دايسروث (رابح جائزة هذا العام) ينهي زمالة ما بعد الدكتوراه ويؤسس مختبره الذي جرت فيه التجارب.
أيضاً، الصيني بان تشو-هوا، باحث الشبكية في قسم طب العيون بجامعة واين ستيت في ديترويت، الذي سبق الجميع وتأخر في النشر: سبقت تجاربه في شبكية الفئران تجارب ستانفورد بأشهر، وأرسل الورقة إلى Nature في تشرين الثاني 2004، فرُفضت، ولم تُنشر حتى 2006 في Neuron بعدما كانت ورقة ستانفورد قد أحدثت موجتها.
أي مستقبل ينتظر عالم الأخلاق!
ولماذا ننتظر المستقبل؟ تعالوا نقرأ المستقبل من خلال الماضي.
ونستخدم مثالاً ما حدث في سوريا مؤخراً، مشعلاً ذكريات وأحداث رواندا، ومثبتاً للجميع أن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل إن العالم لا يمحو أي ذكرى، بل قد يطفئها، ثم يعيد إشعالها عندما يحين الوقت.
********
"أين كنتم سنة 1994؟"
يسمع السوريون صوت الإخراس وكمّ الأفواه كلما أرادوا ولو قليلاً أن ينقدوا سلبيات اليوم، في جملة شهيرة "أين كنتم من 14 عاماً؟"
في الحقيقة ليس السوريون أول من سمعها؛ سمعها الروانديون قبلهم بثلاثين عاماً...
أجل، أين كنا جميعاً وحول العالم في عام 1994 عندما حصدت المجازر في رواندا أحلام البشر بإنسانية حقيقية على هذا الكوكب؟
وعندما جاء "المخلّص"، نسي الجميع من هو، وبقي رئيساً لرواندا إلى اليوم.
اليوم أنا هنا لأشعل ذكراه في صفحات منظّري حقوق الإنسان والمصفقين لمستلمي الجوائز وحدهم.
وُلد بول كاغامي في رواندا سنة 1957 وخرج منها طفلاً إلى مخيمات اللجوء في أوغندا بعد مذابح 1959. التحق بجيش الدولة المجاورة أوغندا تحت قيادة يوويري موسيفيني في حرب الأدغال، وصار سنة 1986 رئيساً للاستخبارات العسكرية في جيش أوغندا. انتبهوا: أوغندا لا رواندا.
وبعدها إلى مقاعد الدراسة في بلاد العم سام، ومقاعد دراسة أمراء الحرب تمارس إشعال وإطفاء الذكريات على أتم وجه.
هكذا، حين عبرت الجبهة الوطنية الرواندية الحدود في تشرين الأول 1990 كان كاغامي في كلية القيادة والأركان الأمريكية في فورت ليفنوورث، وهي قاعدة عسكرية تابعة للجيش الأمريكي في ولاية كانساس. وحين قُتل قائد الجبهة في اليوم الثاني من الغزو، عاد من كانساس ليقود المرحلة، وسيتقدَّم لاحقاً بوصفه ابن البلد الذي أنقذها.
كان كاغامي منتج حاضنتين: جيش موسيفيني (الذي ما زال رئيساً لأوغندا إلى اليوم) والتدريب الأمريكي، وكان له راعٍ عبر الحدود أدار معركته من أرضه، وحكم من تلال بيومبا شمال رواندا دولةً في انتظار دولة.
دخلت الجبهة كيغالي (عاصمة رواندا) في تموز 1994 بعد إبادة أهلكت نحو ثمانمئة ألف إنسان في مئة يوم. وهنا اختلاف زمني عما حدث في سوريا: مئة يوم هناك، وأربعة عشر عاماً هنا.
والاختلاف الآخر: لم يأخذ كاغامي الرئاسة. كان من أقلية توتسية لا تتجاوز 15 بالمئة من السكان، فوضع في الواجهة هوتياً هو باستور بيزيمونغو، بقرار منه لا من أحد غيره، واكتفى لنفسه بنيابة الرئاسة ووزارة الدفاع، أي بالسلطة الفعلية.
ظل بيزيمونغو في الواجهة ست سنوات، ثم أزاحه كاغامي سنة 2000 وسجنه لاحقاً.
المرحلة الانتقالية المعلنة دامت تسع سنوات، تلاها دستور 2003 وانتخابات بنسبة 95 بالمئة، ثم 93، ثم استفتاء 2015 الذي ألغى حدود الولايات بنسبة 98، ثم 99.18 بالمئة سنة 2024.
والخلاصة: ذاكرة أُطفئت.
********
"أين كنتم في عام 2012؟"
في عام 2012، وبينما كانت الحولة وداريا تُذبحان، نشر خبراء الأمم المتحدة تقريراً عن دعم رواندا لمتمردين في شرق الكونغو، فعلّقت بريطانيا وأمريكا وهولندا ودول أخرى مساعداتها لرواندا، ثم أعادتها تباعاً.
نبضة أُطلقت ثم أُطفئت في السنة نفسها. فلنفهم لماذا.
العالم لم يقبل كاغامي لأنه ديمقراطي أو محرر، بل لثلاثة أسباب نفسية تراكمت في الوعي الجمعي:
السبب النفسي الأول عقدة الذنب: ذنب الغرب. الأمم المتحدة انسحبت أثناء حصول الإبادة، وفرنسا كانت راعية النظام القديم في رواندا، فصار كل نقد لكاغامي يُرد بـ"أين كنتم سنة 1994؟".
رأسمال أخلاقي دائم ورثه من جريمة سلفه لا من فضيلته، تماماً كما حدث مع المنظومة الجديدة في سوريا، فقد ورثت رأسمالاً أخلاقياً بالتناسب من جرائم الديكتاتورية السابقة.
السبب النفسي الثاني طلب الأمان: رواندا صارت مصدّراً للأمن السياسي الذي تقرره الدول الكبرى أينما أرادت ووقتما أرادت. دخل جيش رواندا بقيادة كاغامي الكونغو، ثم أفريقيا الوسطى، ثم موزمبيق. واتفقت بريطانيا سنة 2022 مع نظام كاغامي على ترحيل طالبي اللجوء إليه، اتفاقاً أُلغي سنة 2024 قبل تنفيذه، وجاء أخيراً اتفاق واشنطن مع الكونغو برعاية ترامب في كانون الأول 2025، وفي قلبه معادن الكونغو، أحد الأسباب الخفية لصراعات أخرى مختلقة.
هكذا أصبحت رواندا دولة صغيرة تؤدي وظائف الكبار. الآن أيها الشجعان، اعكسوا ما ترونه على سوريا واقرؤوا المستقبل.
السبب النفسي الثالث عشق الصورة في المرآة: أصبحت كيغالي نظيفة، فساد منخفض، أعلى نسبة نساء في برلمان بالعالم، مؤتمرات واستثمارات، "سنغافورة أفريقيا" حقيقية. ورأى الغرب نفسه في كيغالي: إنكليزية بدل الفرنسية، وعضوية في الكومنولث، ومؤتمرات بلغته، فأحب صورته في المرآة. وهكذا تحققت شرعية الإنجاز بديلاً عن شرعية الصندوق.
ومقابل الأسباب النفسية السابقة والسيطرة على الوعي الجمعي، أُطفئت الجرائم:
تقرير غيرسوني سنة 1994 الذي قدّر أن جبهة كاغامي قتلت عشرات الآلاف من الهوتو، دُفن في درج الأمم المتحدة. مجزرة كيبيهو سنة 1995 بحق نازحين هوتو. وتقرير المسح الأممي سنة 2010 الذي قال إن ما فعله جيش كاغامي بلاجئي الهوتو في الكونغو قد يرقى إلى إبادة.
لا شيء من هذا كلّف كاغامي شيئاً، بل قرر النظام العالمي أن المنتصر هو من سيكتب التاريخ. لكن من قال إنه يكتب الأدب؟
********
"أين كنتم في عام 2025؟"
لنعد إلى الطحلب المشهور اليوم، في زمن طحالب القلم التي نسيت أن تشعل الذكريات كلها.
التحكم في الذاكرة له في المختبر أربع عمليات موثقة، ولكل منها نظير سياسي دقيق، نراه في سوريا كما رأيناه في رواندا.
أولاً: مفتاح التشغيل، وظهر في ورقة بويدن ودايسروث سنة 2005، وقبلها في شبكية فئران بان سنة 2004: نبضة زرقاء تُشعل الدارة.
سياسياً: نظام رواندا يشعل ذاكرة 1994 كل نيسان في "كويبوكا"، مئة يوم من الحداد، نبضة مضبوطة تُضيء دارة الذنب الغربي عند الطلب. ومنظومة سوريا الجديدة قد تُشعل صيدنايا كلما احتاجت الدارة نفسها.
ثانياً: مفتاح الإطفاء، وظهر سنة 2007 في ورقتين متزامنتين، الأولى لبويدن مع شويه هان، والثانية من مختبر دايسروث نفسه بعدها بأسبوعين: ضوء أصفر يُسكت الخلية من غير أن يقتلها.
سياسياً: قوانين تجريم "الانقسامية" في رواندا تُطفئ الدارة الإثنية بالقانون. وفي الغرب أُطفئ كيبيهو والكونغو وتقرير غيرسوني، وشُطب اسم من قوائم الإرهاب وأُزيلت مكافأة عن رأس.
وحتى لجنة نوبل تُمارس هذا المفتاح على التاريخ: قاعدة الأسماء الثلاثة أبقت دايسروث وهيغمان وناغل، وأسكتت بويدن وبان وبامبرغ، مذكورين عرضاً في الخلفية العلمية ومحذوفين من المنصة.
ثالثاً: قلب الشحنة (مختبر تونيغاوا، 2014): الخلايا نفسها التي تحمل ذكرى الخوف أُعيد تنشيطها مقترنةً بتجربة مكافأة، فانقلبت شحنتها من رعب إلى مكافأة من غير أن تتغير الخلايا.
هذا هو التعريف العصبي الأدق لما جرى في رواندا ثم في سوريا: الكوادر نفسها، الذاكرة نفسها، أُعيد اقترانها، فانقلبت شحنتها. لا ذاكرة جديدة، بل القديمة بشحنة معكوسة.
رابعاً، وركزوا عليه: بقاء الأثر (مختبر تونيغاوا، 2015): فئران أُصيبت بفقدان ذاكرة تجريبي، والذكرى عندها غير قابلة للاستدعاء بأي طريق طبيعي، ثم أعادتها نبضة ضوء كاملةً. الاستنتاج الذي قلب علم الذاكرة: النسيان خلل في الوصول، وليس خللاً في التخزين.
وهذا بالضبط ما ينطبق على صكوك الغفران الدولية في السياسة: لا محو للجرائم بل تعطيل لاستدعائها.
هل تعلمون أن معظم التقارير عن كاغامي ونظامه، بما فيها تقرير المسح الأممي، ما زالت في الدرج؟
وفي عام 2025 فُرضت عقوبات أمريكية وأوروبية على ضباط كاغامي. تخيلوا: بعد ثلاثين سنة من التسامح أتت نبضة ضوء وأعادت الأثر. ما السبب؟
لا، ليس العدالة ولا المجتمع الدولي ولا حقوق الإنسان.
السبب أن غوما ثم بوكافو سقطتا في يد حلفائه مطلع 2025، فصار التمدد يهدد المعادن نفسها التي كانت تحميه، وتجاوزت رواندا في الكونغو ما تحتمله جدوى طلب الأمان.
انتظروا يوماً سيرى فيه العالم مجازر الساحل في آذار 2025 ثم السويداء في تموز، صوتاً وصورة. وقتها، حين تنتهي الجدوى، لن تبقى لجريمة السلف مساحة تمنح بها الخلف صكوك الغفران مسبقاً.
********
أين أنتم اليوم؟
يقول المتنبي:
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرِهِ إذا استوتْ عنده الأنوارُ والظُّلَمُ
إما أن تشاهدوا الحقيقة كاملة، من مجازر داريا إلى مجازر الساحل، مروراً بحرب أهلية قتل فيها السوريون بعضهم بعضاً وظنّ كل طرف أنه وحده صاحب الحق، وإما أن تشاهدوا أنصاف الحقائق هنا وهناك، فترتاحوا من عذاب الضمير وتتصالحوا مع حقارة الصمت: صمت من ظنوا أنهم انتصروا بالأمس، وصمت من يعتقدون بانتصارات اليوم.
أكلت نار المعادن والنفط والغاز بساطتنا، من السكان الأصليين في أمريكا إلى كل المظلومين على هذه الأرض. ولن يعيد ذكرى الدماء ضوء عدالة لن تأتي، بل زر انتهاء الجدوى في مخططات الدول الكبرى. وبينما نحن ما زلنا نرى النور ونرى الظلام، نعلم أن مفاتيح التشغيل والإطفاء لا تغيّر الضمائر ولا الحقائق، وأن الذكريات ستعود كما اكتشف العلماء: كاملة.
يتبع
#لمى_محمد (هاشتاغ)
Lama_Muhammad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟