|
|
ماذا يتطلب نقل المجتمع من وضع غير سوي إلى وضع سوي؟
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 02:51
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
مقدمة إن السؤال عن الشروط الضرورية لنقل مجتمع من حال غير سوي إلى حال سوي ليس سؤالاً تقنياً يمكن حسمه باختيار أحد الطرفين: الإصلاح الأخلاقي والتربوي من جهة، أو التنمية الاقتصادية والاستقرار المادي من جهة أخرى. فهو سؤال يكشف عن توتر عميق في فهم طبيعة المجتمع ذاته، وفي تصور آليات التحول الاجتماعي. والمقاربة السايكوسوسيولوجية ترفض الاختزال الأحادي، وتنظر إلى المجتمع بوصفه نسقاً حياً يتفاعل فيه البعد النفسي الفردي مع البنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. فالسواء وعدم السواء ليسا حالتين ماديتين خالصتين ولا حالتين أخلاقيتين مجردتين، بل هما نتاج توازن أو اختلال في العلاقة بين حاجات الأفراد النفسية والاجتماعية وبين قدرة النظام الاجتماعي على إشباعها وتوجيهها بشكل يسمح بالاستقرار والنمو والتماسك. فهل وضعنا سوي ام غير سوي؟ وهل يقتضي الأمر إنجاز إصلاح أخلاقي وتربوي أو تنمية اقتصادية واستقرار مادي؟ وكيف يتم الانتقال من الحالة اللاسوية الى الحالة السوية؟ مفهوم الوضع غير السوي والوضع السوي من منظور سايكوسوسيولوجي الوضع غير السوي للمجتمع لا يُختزل في مؤشرات الفقر أو البطالة أو معدلات الجريمة، ولا في انتشار السلوكات اللاأخلاقية أو ضعف القيم. هو حالة مركبة تتجلى في تفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع الثقة المتبادلة، وانتشار الشعور بالعجز واللامعنى، وارتفاع مستويات العنف الرمزي والمادي، وصعوبة بناء مشاريع جماعية طويلة الأمد. على المستوى النفسي الجمعي يظهر هذا الوضع في أشكال متعددة: قلق مزمن، وعدائية مكبوتة أو صريحة، وانسحاب من المجال العام، وتعلق بأوهام تعويضية، وصعوبة في تأجيل الإشباع أو في تحمل الإحباط. أما الوضع السوي فليس مثالاً طوباوياً خالياً من الصراع والتناقض، بل هو حالة يكون فيها المجتمع قادراً على إدارة تناقضاته دون أن تنفجر إلى تفتت أو عنف مدمر، وقادراً على توفير حد أدنى من الأمن المادي والرمزي لأفراده، وعلى إنتاج معنى مشترك يجعل التعاون والصراع كليهما ممكنين ضمن حدود لا تهدد استمرار الجماعة. السواء هنا ديناميكي لا سكوني؛ هو قدرة مستمرة على التكيف والتعلم الجماعي وإصلاح الاختلالات قبل أن تستفحل. حدود الرهان على التنمية الاقتصادية والاستقرار المادي وحدهما لا يمكن إنكار الوزن الهائل للعوامل الاقتصادية والمادية في تشكيل الوضع الاجتماعي. فالفقر المدقع، والبطالة الواسعة، والتفاوت الصارخ في توزيع الموارد، وانعدام الأمن المعيشي، كلها عوامل تولد ضغوطاً نفسية هائلة وتنتج بيئات خصبة للعنف والانحراف وتفكك الأسرة وتراجع الثقة. الاستقرار المادي يوفر قاعدة ضرورية للأمن النفسي الأساسي: حين يضمن الفرد الحد الأدنى من الغذاء والمأوى والرعاية الصحية وفرصة العمل، تنخفض حدة الاستنفار الدفاعي ويصبح ممكناً التفكير في آفاق أبعد من مجرد البقاء. غير أن المقاربة السايكوسوسيولوجية تكشف حدود الرهان الحصري على التنمية الاقتصادية. فالتاريخ الاجتماعي يظهر مجتمعات حققت نمواً مادياً ملحوظاً دون أن تنتقل بالضرورة إلى حال سوي أعمق. قد يتحسن الدخل وترتفع مؤشرات الاستهلاك، بينما تستمر مظاهر التفكك العائلي، والانتشار الواسع للشعور بالفراغ، وتفاقم العزلة، وتصاعد أشكال جديدة من العنف والاضطرابات النفسية. النمو الاقتصادي وحده لا يبني الثقة الاجتماعية تلقائياً، ولا يخلق بالضرورة قيماً مشتركة، ولا يعالج جراح الإذلال التاريخي أو الشعور الجمعي بالدونية أو الظلم. بل قد يؤدي في بعض السياقات إلى تعميق الفردانية الاستهلاكية وتفتيت الروابط التقليدية دون بناء بدائل تضامنية جديدة، فيزداد الشعور بالوحدة وسط الوفرة. كما أن الاستقرار المادي هش إذا لم يستند إلى شرعية أخلاقية وتربوية. فالثروة التي تُراكم بطرق يُنظر إليها كغير عادلة، أو التي تتركز في أيدٍ قليلة دون آليات إعادة توزيع مقنعة، تولد حسداً اجتماعياً مزمناً وتغذي دورات من الاحتجاج أو الانسحاب أو الفساد. الاقتصاد لا يعمل في فراغ قيمي؛ هو دائماً موسوط بتصورات حول العدالة والاستحقاق والكرامة. حدود الرهان على الإصلاح الأخلاقي والتربوي وحدهما في المقابل، يبدو الإصلاح الأخلاقي والتربوي للوهلة الأولى أكثر جوهرية، لأنه يمس مباشرة تكوين الذوات وأنماط العلاقة والقيم التي توجه السلوك. التربية قادرة على بناء القدرة على التعاطف، وتحمل الإحباط، واحترام القواعد المشتركة، والتفكير النقدي، والمسؤولية تجاه الجماعة. والإصلاح الأخلاقي يسعى إلى ترميم الثقة، وإعادة الاعتبار لقيم الصدق والعدالة والتضامن، ومواجهة أشكال التبرير للفساد أو العنف أو اللامبالاة. غير أن المقاربة السايكوسوسيولوجية تحذر من المثالية التربوية التي تفصل القيم عن شروط تحققها المادية والاجتماعية. فالخطاب الأخلاقي الذي يُلقى على أفراد يعيشون في ظروف إذلال مادي مزمن أو في بيئة مؤسسية تكافئ الانتهازية وتعاقب الاستقامة، يفقد مصداقيته بسرعة ويتحول إلى مصدر إضافي للإحباط أو النفاق. الطفل أو الشاب الذي يتلقى في المدرسة قيماً عن العدالة والنزاهة، ثم يصطدم يومياً بواقع يُظهر عكس ذلك في المجال العام، يعيش تنافراً معرفياً حاداً قد يؤدي إلى السخرية من القيم ذاتها أو إلى تبنيها بشكل سطحي انتقائي. التربية والأخلاق لا تعملان في فراغ بنيوي. هما تحتاجان إلى حد أدنى من الأمن المادي والاستقرار المؤسسي حتى تتحول من مواعظ إلى ممارسات ممكنة ومستدامة. كما أن الإصلاح الأخلاقي الذي يُفرض من فوق دون مشاركة حقيقية أو دون معالجة مصادر الإحباط العميقة قد يُلمس كشكل جديد من السيطرة الرمزية، فيولد مقاومة صامتة أو صريحة. التفاعل السايكوسوسيولوجي: نحو فهم مركب للتحول تكشف المقاربة السايكوسوسيولوجية أن الانتقال من وضع غير سوي إلى وضع سوي يتطلب تفاعلاً جدلياً بين البعدين لا اختياراً أحادياً بينهما. فالتنمية الاقتصادية توفر الشروط المادية التي تجعل السلوك الأخلاقي أقل كلفة وأكثر إمكانية، بينما يوفر الإصلاح التربوي والأخلاقي الإطار القيمي والمؤسسي الذي يمنع التنمية من التحول إلى مجرد تراكم استهلاكي مفتت للعلاقات. على المستوى النفسي الفردي، يحتاج الإنسان إلى إشباع حاجات أساسية مادية وأمنية حتى يتمكن من الارتقاء نحو حاجات الانتماء والتقدير وتحقيق الذات. لكن إشباع الحاجات المادية لا يضمن الصحة النفسية والاجتماعية إذا ظلت العلاقات مسممة بالريبة أو إذا غاب المعنى والاعتراف. وعلى المستوى الجمعي، تحتاج الجماعة إلى موارد مادية مشتركة لتبني مؤسسات عادلة، وتحتاج إلى حد أدنى من التماسك القيمي والثقة حتى تتمكن من إدارة هذه الموارد دون أن تنهار تحت وطأة الصراعات الانتهازية. التحول الحقيقي يحدث حين تترافق السياسات الاقتصادية مع إصلاحات مؤسسية تعزز العدالة الإجرائية والشفافية، وحين تترافق البرامج التربوية مع تحسين ملموس في شروط حياة الأسر والمعلمين والمتعلمين، وحين يصبح الخطاب الأخلاقي مسنوداً بممارسات يومية في المجال العام تمنحه مصداقية. كما يحتاج الأمر إلى معالجة الأبعاد الرمزية العميقة: جراح الكرامة، والشعور بالظلم التاريخي أو الحاضر، والحاجة إلى سردية جماعية جديدة تمنح المعاناة معنى والجهود اتجاهاً. خاتمة إن نقل المجتمع من وضع غير سوي إلى وضع سوي لا يتحقق بإصلاح أخلاقي وتربوي منفصل عن شروط الحياة المادية، ولا بتنمية اقتصادية واستقرار مادي منفصلين عن إعادة بناء الثقة والقيم والعلاقات. المقاربة السايكوسوسيولوجية تكشف أن البعدين متداخلان تداخلاً عضوياً: الاقتصاد يوفر إمكانية الفعل الأخلاقي، والأخلاق والتربية تمنحان الاقتصاد معناه الإنساني وتمنعان انحرافه نحو التفكك أو الظلم. السؤال الحقيقي ليس أيهما أسبق أو أهم بإطلاق، بل كيف يمكن بناء مسار تحولي يربط بينهما بشكل متزامن ومتدرج، بحيث يدعم كل بعد الآخر ويمنع انزلاقه إلى اختزالاته الخاصة. فالمجتمع السوي نسبياً هو ذلك الذي ينجح في جعل الكرامة المادية والكرامة الأخلاقية شرطين متلازمين لا متنافسين لاستمراره ونموه. لذلك يتطلب الانتقال إلى وضع أسوى مجموعة من الشروط المترابطة: أمن مادي أساسي يقلل من منطق البقاء اليومي؛ ومؤسسات تتمتع بحد أدنى من الفعالية والعدالة حتى يستعيد الأفراد ثقتهم في القواعد المشتركة؛ ونظام تربوي لا يكتفي بنقل معلومات بل يبني كفاءات اجتماعية-انفعالية وقدرة على التفكير النقدي والمسؤولية؛ وفضاء عام يسمح بالتعبير عن الإحباطات والصراعات دون أن تتحول فوراً إلى عنف أو انسحاب؛ ونخب قادرة على تقديم نموذج قيمي متسق نسبياً مع ما تدعو إليه. كما يتطلب الأمر زمناً كافياً وصبراً استراتجياً. فالتحولات السايكوسوسيولوجية لا تحدث بالسرعة نفسها التي تحدث بها بعض المؤشرات الاقتصادية. الثقة تُبنى ببطء وتُهدم بسرعة، والقيم تترسخ عبر أجيال، والجراح الجمعية تحتاج إلى اعتراف ومعالجة لا إلى تجاهل أو إنكار. فماهي أدوات قياس المعيار السوي الذي يتحدد وفقه النحن الجماعية نفسيا واجتماعيا؟ كاتب فلسفي
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ثورة الطلاب في فرنسا وتبلور فكر 68 وموقف الفلاسفة النسقيين م
...
-
الفكرة الأوراسية بماهي تحول حضاري في العلاقات بين الأمم والد
...
-
الاغتراب عند هيجل بوصفه وعياً بالفجوة بين العالم الواقعي وال
...
-
فكرة اليسار الجديد عند آين راند
-
مقاربة معاصرة حول التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الف
...
-
أفكار وتجارب في تعليم التفلسف لليافعين في العالم
-
المقاربة النفعية للمسألة الاقتصادية عند جون ستيوارت مل
-
ماذا يعني ان نفكر اليوم بطريقة فلسفية حسب مطاع صفدي؟
-
مراجعة كتاب جيل دولوز -الفرق والمعاودة- هل يوجد أورغانون للا
...
-
من هو الناقد الفلسفي؟ مقاربة ما بعد تأسيسية ما بعد نسقية
-
تعلم التفلسف بدل تعلم الفلسفة، مقاربة بيداغوجية
-
عدم التساوق بين التحولات المجتمعية الجذرية والمنظومات الأخلا
...
-
مقاربة ابستيمولوجية للعلاقة بين الرياضيات والفيزياء
-
فلسفة السياسة المعاصرة، مقاربة عمومية
-
تجارب التفلسف عبر التاريخ والمذاهب، مقاربة ايتيقية
-
الرهان الأساسي من التعليم العصري المستنير والتربية العقلانية
...
-
في طريق الفلسفة بين حقيقة الثورة في عالم الإنسان وأضواء على
...
-
تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار
...
-
النزعة الحوارية في الفلسفة الريكورية بين الذات والنص والآخر
...
-
الفكر الاقتصادي النقدي والأزمات المالية العالمية
المزيد.....
-
الأمن السوري يعتقل -أبو حسن دوشكا- القيادي بداعش ومنفذ اعتدا
...
-
القائد العام للجيش الليبي يعلن دعمه لرئاسة مجلس النواب الجدي
...
-
أزمة تتفاقم.. تظاهرات طلابية حاشدة بفرنسا
-
اليمن.. مشاهد من مدينة ذوباب في محافظة تعز وسط تضارب التصريح
...
-
القومي للطفولة يواصل فعالياته التوعوية والترفيهية للأطفال ب
...
-
«الطفولة والأمومة» يحبط محاولة زواج طفلة تبلغ 14 عامًا بمحاف
...
-
من عائد خيالي إلى أموال معلقة.. فخ السيولة الذي هز صناديق تر
...
-
-مسيرة الكرامة-.. الشرطة التونسية تمنع حراك العاطلين عن العم
...
-
فجر اليمن أشرق
-
ديفيد إليسون يدعم دعوى CNN القضائية ضد ترامب.. ويتعهد بـ-الح
...
المزيد.....
-
تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ألمانيا..الحياة والمجهول
/ ملهم الملائكة
-
كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي
/ غازي الصوراني
-
نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي
...
/ زهير الخويلدي
-
Express To Impress عبر لتؤثر
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف
...
/ زهير الخويلدي
-
قضايا جيوستراتيجية
/ مرزوق الحلالي
-
ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال
...
/ حسين عجيب
المزيد.....
|