أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح راهي العبود - طرب وغناء ... أم حزن وبكاء














المزيد.....

طرب وغناء ... أم حزن وبكاء


صباح راهي العبود

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


لماذا سكن الحزن روح الغناء العراقي؟ ولماذا يحزن العراقي حين يغني؟ كيف استطاع هذا الحزن أن يتحول، عبر آلاف السنين، إلى جمالٍ موسيقي يسكن الذاكرة ولا يغادرها؟ فالعراقي لم يرث الحزن بوصفه دمعة عابرة، وإنما ورثه بوصفه ذاكرةً كاملة. ذاكرة أرضٍ عرفت الفرح كما عرفت الفقد، وعرفت الخصب والجفاف، وقيام المدن وسقوطها، وهدوء الأنهار وثوراتها، ومواسم الزرع والحصاد، والحروب والهجرات، والانتظار الطويل. ومنذ أن أنشد الإنسان الأول على ضفاف دجلة والفرات، كان الغناء أكثر من لحنٍ وكلمات؛ كان محاولةً لأن يمنح ألمه صوتاً، وأن يحوّل خوفه إلى نداء، وفقده إلى رثاء، وشوقه إلى أغنية. ولذلك ربما لا نجد في الغناء العراقي أغنيةً خالية تماماً من مسحة الأنين. حتى حين يفرح العراقي، يبدو وكأن فرحه يحمل في أعماقه شيئاً من الحذر؛ كأنه يعرف، بحكم التجربة التاريخية، أن الفرح عابر، وأن ما يبقى هو الذكرى. إنها تلك الثنائية الغريبة التي تميّز الروح العراقية: يضحك العراقي، وفي ضحكته شيء من البكاء؛ ويغني للفرح، وفي صوته ظلٌّ من الحزن. ولعل البيئة نفسها كان لها نصيب في تشكيل هذه الروح. فجنوب العراق، بأهواره ومياهه وقصبه ومراكبه، كان عالماً من الجمال الممزوج بالعزلة. هناك، حيث الماء يمتد بلا نهاية، وحيث القصب يهمس مع الريح، نشأت أغانٍ تشبه ذلك المكان: طويلة النفس، بطيئة الإيقاع، مشبعة بالحنين، وكأن المغني لا يغني أمام الناس بقدر ما يتحدث إلى الماء والليل والغياب. ثم جاءت القرون بما حملته من تحولات وصراعات، فازدادت طبقات الحزن في الذاكرة العراقية. صار الرثاء جزءاً من الوجدان، وصارت قصة الفقد والرحيل والانتظار حاضرة في الشعر والغناء والمواويل والأبوذيات والعتابات. ولم يكن غريباً أن يجد العراقي في صوته وسيلةً للاحتجاج حين تعجز الكلمات العادية عن حمل ما في القلب. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تبدو بعض الأغاني العراقية وكأنها صرخة احتجاج هادئة؛ لا تصرخ في وجه العالم، وإنما تترك وجعها يتسلل إلى الروح ببطء. فالـ«أبوذية» مثلاً ليست مجرد قالب شعري؛ إنها في كثير من الأحيان مساحة صغيرة يضع فيها الإنسان العراقي وجعاً كبيراً. كلمات قليلة، لكنها قادرة على اختزال فراق حبيب، أو غربة، أو ظلم، أو فقد، أو حنين إلى مكان لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة. وهكذا أصبح الحزن في الغناء العراقي ليس ضعفاً، وإنما طريقة للمقاومة. فحين يعجز الإنسان عن تغيير واقعه، يغني. وحين يفقد من يحب، يغني. وحين يشتاق إلى وطن أو زمن أو وجه غائب، يغني. وحين يشعر أن الأشياء الجميلة تمضي أسرع مما ينبغي، يغني كي يمنعها من الموت تماماً. ولهذا بقيت الأغنية العراقية حيّة؛ لأنها لم تكن منفصلة عن الإنسان. كانت تشبهه. تشبه دمعته التي يخفيها، وضحكته التي لا تكتمل، وحنينه إلى بيتٍ قديم، وصوت أمٍّ غاب، وحبيبٍ رحل، ومدينةٍ تغيرت ملامحها، ووطنٍ ظل يسكن القلب مهما ابتعد عنه أبناؤه. ولذلك حين نستمع إلى أغنية عراقية قديمة، فإننا لا نسمع صوت مطرب وحده؛ بل نكاد نسمع أصوات أجيال كاملة، وكأن الماضي كله يجلس إلى جانبنا ويهمس:
(لقد مررنا من هنا… أحببنا، وفقدنا،وفجعنا, وصبرنا,وانتظرنا، وبكينا، ثم غنّينا.......).
وهنا تكمن سرّ تلك المسحة الغامضة من الشجن التي تميز الغناء العراقي؛ إنها ليست حزناً فردياً، وإنما حزن حضارة، تحوّل عبر الزمن إلى فن، وتحولت معه الدموع إلى نغم، والأنين إلى مقام، والوجع إلى أغنية لا تزال قادرة، بعد آلاف السنين، على أن تطرق أبواب القلب. فربما لهذا السبب، حين يغني العراقي، لا يغني فقط بما في حنجرته… إنه يغني بما تراكم في روحه من دجلة والفرات، ومن الطين والقصب، ومن الحب والفقد، ومن تاريخ طويل لم يتوقف عن تعليم الإنسان كيف يحزن… وكيف يحوّل حزنه إلى جمال.
صباح راهي . كاتب عراقي / سدني في أستراليا



#صباح_راهي_العبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بمناسبة الذكرى الثامنة والستون لقيام ثورة 14 تموز وتأسيس الج ...
- هل غنت أم كلثوم الأغنية العراقية (گلبك صخر جلمود) ؟ وهل تم ت ...
- مقدمة لبدايات نشوء الأغنية العراقية الحديثة
- نشيد الخلود
- “الأغنية العراقية: من نوح ديموزي إلى لحن الوطن الجريح”
- مشهد من بغداد فجر القرن العشرين
- الذكاء الاصطناعي ...... مليارات من الريبوتات في خدمة البشر!! ...
- ما فعلته السنون لا يلغيه قرار....... الحزن والبكاء في الغناء ...
- وقفة على ضفاف الغناء المنسي
- وقفة على ضفاف الطرب العراقي المنسي ( 1920 - 19509).
- وقفة على ضفاف الطرب العراقي المنسي ( 1920 - 1950 ).
- وداعاً ياريل .... وداعاً أم شامات
- أنيس زكي حسن .... كاتب ومترجم كبير عاش في الكوفة وانطلق ابدا ...
- في ذكرى اغتيال ثورة 14 تموز الخالدة
- حرب الفايروسات الألكترونية ...... فوز بدون نزال
- سلاح أمريكا لتدمير العراق وإخضاعه ....... نظرية الصدمة
- منتفضون ... سلاحهم علم ,وهمرهم تكتك.
- سيف الدين ولائي شاعر الأغنية العراقية الذهبية
- عشية أربعينية شيخ الملحنين عبد الحسين السماوي
- نشوء مدينة الكوفة الحديثة وتطورها


المزيد.....




- -GigaAM- الروسي يتفوق على OpenAI وNvidia في أداء المهام بالل ...
- هوليوود تعود إلى أمريكا.. استراتيجية ترامب الجديدة تُعيد رسم ...
- مصطفى الخاني يعلن تعرضه لتهديد ويخاطب -الصندوق السيادي السور ...
- مخرج لاتفي يفوز بجائزة كبرى قدرها 400000 يورو في مهرجان أفلا ...
- تحرك برلماني بسبب “انقطاع الكهرباء” وتوقف الأنشطة المسائية ب ...
- -الموجة التاسعة- تستعيد بريقها بعد ترميم شامل في المتحف الرو ...
- وزير الثقافةوالسياحة: معركة استعادة الدولة لن تتوقف حتى تحري ...
- أكتوبر في الذاكرة الموسيقية: كيف صاغ الإبداع المصري عبور اله ...
- الشتات الفلسطيني.. كيف تحول الألم إلى مصدر للثقافة والمقاومة ...
- هوليوود تنقلب على عمالقة التكنولوجيا في موجة من الأفلام


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح راهي العبود - طرب وغناء ... أم حزن وبكاء