أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صباح راهي العبود - بمناسبة الذكرى الثامنة والستون لقيام ثورة 14 تموز وتأسيس الجمهورية العراقية الزعيم النزيه عبد الكريم قاسم















المزيد.....

بمناسبة الذكرى الثامنة والستون لقيام ثورة 14 تموز وتأسيس الجمهورية العراقية الزعيم النزيه عبد الكريم قاسم


صباح راهي العبود

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 14:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الزعيم النزيه عبد الكريم قاسم
حين تتحول النزاهة إلى أسلوب حياة
ليست النزاهة كلمة تُقال في المديح، ولا شعارًا يُرفع في مواسم السياسة، وإنما هي القيمة التي تُقاس بها الأمم حين تريد أن تنصف رجالها. فهي ليست مجرد الامتناع عن السرقة أو الرشوة، بل منظومة أخلاقية متكاملة تجعل الإنسان أمينًا على نفسه قبل أن يكون أمينًا على الناس، وتجعل الضمير رقيبًا دائمًا لا تغيب سلطته مهما غابت أعين الرقباء.
والنزاهة، في معناها الإنساني العميق، هي انسجام الفكر مع السلوك، والقول مع الفعل، والمصلحة الخاصة مع المصلحة العامة. وهي أن يبقى الحق ميزان الإنسان مهما تبدلت الظروف، وأن يظل المال العام أمانة لا غنيمة، والسلطة تكليفًا لا امتيازًا، والمسؤولية عبئًا لا وسيلة للثراء أو النفوذ. ولهذا لا تُقاس النزاهة بحجم الثروة التي يمتلكها الإنسان أو بالمناصب التي تقلدها، ولا بالمظاهر الخارجية للتقشف، وإنما تُعرف من خلال سيرته حين تتوافر له أسباب الإغراء فلا يمد يده إلى ما ليس له، وحين يمتلك السلطة فيجعلها في خدمة الناس لا في خدمة نفسه. وقد لخّص الفيلسوف اليوناني سقراط هذا المعنى حين جعل الفضيلة أساس الحياة الصالحة، فيما ربط كبار المفكرين بين النزاهة ووحدة الضمير؛ فالإنسان النزيه هو الذي لا يغيّر مبادئه بتغيّر المصالح، ولا يبدّل مواقفه بتبدّل موازين القوة، لأنه يستمد حكمه من ضميره قبل أن يستمده من القانون. ولذلك لا توجد معادلة رقمية يمكن أن تمنح الإنسان شهادة بالنزاهة، فلا أحد يبلغ الكمال، ولا يخلو بشر من خطأ أو هفوة، غير أن الفارق بين الإنسان النزيه وغيره يكمن في أن الخطأ عند الأول يبقى استثناءً يعترف به ويسعى إلى إصلاحه، بينما يتحول عند الآخر إلى منهج دائم كلما تعارضت المصلحة مع الحق. إن التاريخ لا يبحث عن ملائكة، وإنما يبحث عن رجال كانت كفة المبادئ في حياتهم أثقل من كفة المنافع. ومن هنا فإن تقييم نزاهة الحكام لا ينبغي أن يقوم على الانطباعات أو المواقف السياسية، بل على معايير موضوعية يمكن إخضاعها للبحث التاريخي والمقارنة العلمية.
منهج التقييم
يعتمد هذا البحث منهجًا تاريخيًا متوازنًا في دراسة تجربة الحكم في العراق، بعيدًا عن التمجيد المطلق أو الإدانة المطلقة. فالنزاهة لا تقتصر على نظافة الذمة المالية للحاكم، بل تشمل منظومة متكاملة من القيم والممارسات، في مقدمتها احترام المال العام، وبناء مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإدارة الموارد الوطنية، وصيانة السيادة، واحترام القانون وحقوق الإنسان. كما يميز هذا المنهج بين النزاهة الشخصية للحاكم وبين أداء النظام السياسي؛ فقد يكون الحاكم متقشفًا في حياته الخاصة، لكنه يواجه إخفاقًا في إدارة الدولة أو بناء المؤسسات، وقد يتحقق العكس في بعض التجارب التاريخية. ولهذا ستكون قراءة تجربة الزعيم عبد الكريم قاسم وفق المحاور الآتية:-
النزاهة الشخصية. احترام المال العام. بناء مؤسسات الدولة. العدالة الاجتماعية. التنمية الاقتصادية. التعليم والصحة. حماية السيادة الوطنية. احترام القانون وحقوق الإنسان. الأثر التاريخي بعد انتهاء الحكم.
عبد الكريم قاسم… الحاكم الذي عاش مثل مواطنيه
يحتل الزعيم الركن عبد الكريم قاسم مكانة خاصة في تاريخ العراق الحديث، ليس لأن عهده خلا من الأزمات والصراعات، وإنما لأن سيرته الشخصية بقيت، لدى عدد كبير من المؤرخين والباحثين، مثالًا نادرًا للحاكم الذي لم يجعل السلطة وسيلة لبناء ثروة أو توريث نفوذ أو إقامة امتيازات لعائلته وأقاربه. لقد عاش حياة متقشفة، وظل يقيم في مقره بوزارة الدفاع، ولم يُعرف عنه امتلاك القصور أو المزارع أو الشركات أو الحسابات المالية التي ارتبطت بأسماء كثير من الحكام في العالم. كما لم تثبت عليه، طوال مدة حكمه، قضايا تتعلق بالإثراء غير المشروع أو استغلال المنصب لتحقيق منفعة شخصية، ولم تُسجل المصادر الموثوقة أنه منح أفراد أسرته امتيازات استثنائية أو مناصب خارج إطار الاستحقاق. ولم يكن هذا السلوك مجرد مظهر شخصي، بل انعكس على أسلوب إدارته للمال العام؛ إذ اتسمت حكومته بالحرص على توجيه الموارد نحو مشاريع الإسكان والتعليم والصحة والبنية الأساسية، أكثر من توجيهها إلى الامتيازات الخاصة أو مظاهر البذخ السلطوي. وخلال أقل من خمس سنوات، أطلق سلسلة من المشاريع الاجتماعية والاقتصادية التي تركت أثرًا واضحًا في المجتمع العراقي. فقد صدر قانون الإصلاح الزراعي الذي أنهى جانبًا كبيرًا من هيمنة الإقطاع، وأُنشئت آلاف الجمعيات الفلاحية، كما توسعت مشاريع الإسكان الشعبي، وأقيمت أحياء ومدن جديدة لاستيعاب ذوي الدخل المحدود، إلى جانب بناء المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية في مختلف أنحاء البلاد. وعلى الصعيد الاقتصادي، اتجهت الدولة إلى تعزيز دورها في التنمية، وشهد العراق توسعًا في إنشاء المصانع والمعامل، فيما مثّل القانون رقم (80) لسنة 1961 محطة مفصلية في تعزيز السيادة الاقتصادية، باستعادة معظم الأراضي غير المستثمرة من امتيازات شركات النفط الأجنبية، وهي خطوة عدّها كثير من الباحثين أساسًا لما تلاها من سياسات وطنية في قطاع النفط. أما في المجال الاجتماعي، فقد جاء قانون الأحوال الشخصية لعام 1959 بوصفه أحد أبرز التشريعات الإصلاحية في تاريخ العراق، لما تضمنه من تنظيم للعلاقات الأسرية وتوسيع لبعض حقوق المرأة ضمن إطار قانوني موحد. وفي السياسة الخارجية، اتخذت حكومته قرارات عززت استقلال القرار الوطني، كان من أبرزها الانسحاب من حلف بغداد، والخروج من منطقة الإسترليني، والمشاركة في تأسيس منظمة أوبك، واحترام قرارات مؤتمر باندونگ. وهي خطوات هدفت إلى ترسيخ السيادة العراقية وتقليل التبعية الاقتصادية والسياسية. غير أن القراءة التاريخية المتوازنة تقتضي الإشارة أيضًا إلى جوانب الإخفاق. فقد واجهت البلاد خلال عهده استقطابًا سياسيًا حادًا، وتعددت المحاولات الانقلابية، وتصاعدت الصراعات بين القوى السياسية، ولم ينجح النظام في بناء مؤسسات دستورية مستقرة قادرة على احتواء تلك الانقسامات. كما شهدت تلك المرحلة محاكم استثنائية وأحداث عنف سياسي تركت آثارًا سلبية في الحياة العامة. ويرى عدد من الباحثين أن سياسة التسامح التي عُرفت بعبارته الشهيرة «عفا الله عما سلف»، رغم بعدها الإنساني، لم تُرافقها إجراءات مؤسسية تكفل حماية النظام الجديد من محاولات تقويضه، وهو ما أسهم، مع عوامل داخلية وخارجية أخرى، في تهيئة الظروف لانقلاب الثامن من شباط عام 1963، الذي انتهى بإعدامه و رفاقه وانتهاء تجربته السياسية.
خلاصة
إذا كان معيار النزاهة هو نظافة اليد، وصيانة المال العام، والتواضع في ممارسة السلطة، فإن عبد الكريم قاسم يحتل مكانة متقدمة بين حكام العراق في العصر الحديث، وهو ما يكاد يحظى باتفاق واسع في الكتابات التاريخية. وإذا كان معيار النجاح السياسي يشمل كذلك بناء المؤسسات الدائمة، وإدارة التعددية، وتحقيق الاستقرار، فإن تجربته تبقى موضع نقاش بين المؤرخين، إذ حققت إنجازات اجتماعية وتنموية كبيرة جدا ًخلال فترة قصيرة جداً، لكنها لم تتمكن من تأسيس نظام سياسي قادر على حماية تلك الإنجازات من الانهيار
. وهكذا يبقى عبد الكريم قاسم شخصية تاريخية استثنائية؛ جمع بين النزاهة الشخصية والإرادة الإصلاحية، بينما ظل نجاح تجربته السياسية الكاملة رهينًا بظروف داخلية وإقليمية معقدة، وبقدرته المحدودة على احتواء الصراع الذي كان يحيط بالعراق من كل جانب. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يخلّد الحكام لأنهم لم يخطئوا، بل لأنه وجد في بعضهم ضميرًا ظل حاضرًا حين غاب الضميرعند كثيرين. وفي هذا المعنى، بقي اسم عبد الكريم قاسم، لدى شريحة واسعة من العراقيين والباحثين، مقترنًا بصورة الحاكم الذي غادر السلطة كما دخلها: بيدٍ نظيفة، وذمةٍ لم يثبت عليها فساد، وإيمانٍ بأن الدولة أمانة قبل أن تكون سلطة.
في النهاية علينا أن نقتنع بأن التاريخ لا ينصف من نحب، ولا يظلم من نكره؛ بل يضع الجميع أمام ميزان واحد. فإذا اختلف الميزان ضاع العدل، وإذا ضاع العدل فقد التاريخ رسالته.
وقد يختلف العراقيون في مواقفهم من حكامهم، لكنهم لن يختلفوا على أن النزاهة والعدل واحترام المال العام وبناء الدولة قيمٌ لا تتبدل بتبدل الأنظمة. ومن هنا جاءت هذه الدراسة، لتقرأ تجارب الحكم بميزان واحد، لا يتغير بتغير الأسماء.



#صباح_راهي_العبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل غنت أم كلثوم الأغنية العراقية (گلبك صخر جلمود) ؟ وهل تم ت ...
- مقدمة لبدايات نشوء الأغنية العراقية الحديثة
- نشيد الخلود
- “الأغنية العراقية: من نوح ديموزي إلى لحن الوطن الجريح”
- مشهد من بغداد فجر القرن العشرين
- الذكاء الاصطناعي ...... مليارات من الريبوتات في خدمة البشر!! ...
- ما فعلته السنون لا يلغيه قرار....... الحزن والبكاء في الغناء ...
- وقفة على ضفاف الغناء المنسي
- وقفة على ضفاف الطرب العراقي المنسي ( 1920 - 19509).
- وقفة على ضفاف الطرب العراقي المنسي ( 1920 - 1950 ).
- وداعاً ياريل .... وداعاً أم شامات
- أنيس زكي حسن .... كاتب ومترجم كبير عاش في الكوفة وانطلق ابدا ...
- في ذكرى اغتيال ثورة 14 تموز الخالدة
- حرب الفايروسات الألكترونية ...... فوز بدون نزال
- سلاح أمريكا لتدمير العراق وإخضاعه ....... نظرية الصدمة
- منتفضون ... سلاحهم علم ,وهمرهم تكتك.
- سيف الدين ولائي شاعر الأغنية العراقية الذهبية
- عشية أربعينية شيخ الملحنين عبد الحسين السماوي
- نشوء مدينة الكوفة الحديثة وتطورها
- وداعاً ستيفن هوكنك .. لقد أنجزت وأنت المعاق ,ما عجز عنه كثير ...


المزيد.....




- البحرين تعلن التصدي لهجمات جوية إيرانية وتؤكد أن قواتها على ...
- توقف إجلاء الطائرات الأمريكية من مطار بن غوريون.. 50 ألف تذك ...
- الجيش الأميركي يكشف أهداف أحدث غاراته على إيران.. ويتحدث عن ...
- تعداد البجع الملكي في نهر التايمز يكشف فراخا سليمة ونفايات م ...
- -سنفجّره متى شئنا-.. ماذا نعرف عن -جبل الفأس- في إيران الذي ...
- الهجوم الفرنسي يصطدم بسحر إسبانيا.. من يعبر إلى النهائي؟
- العراق يراهن على واشنطن لتعزيز الاستثمارات في قطاع الطاقة
- السيسي يصل قطر
- اندلاع حريق داخل حاويات في مرفأ بيروت (فيديو)
- طبيبة أعصاب: البكاء المتكرر دون سبب قد يكون علامة على مرض


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صباح راهي العبود - بمناسبة الذكرى الثامنة والستون لقيام ثورة 14 تموز وتأسيس الجمهورية العراقية الزعيم النزيه عبد الكريم قاسم