أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح راهي العبود - مقدمة لبدايات نشوء الأغنية العراقية الحديثة














المزيد.....

مقدمة لبدايات نشوء الأغنية العراقية الحديثة


صباح راهي العبود

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ومع أفول الحكم العثماني عام 1918 ودخول العراق تحت الانتداب البريطاني، بدأت البلاد طوراً جديداً من إعادة تشكيل هويتها الثقافية، وكان للموسيقى نصيبٌ وافر من هذا التحوّل؛ إذ تراجعت سطوة القوالب العثمانية التي هيمنت طويلاً، وراحت تتبلور ملامح شخصية موسيقية عراقية تستند إلى المقام العراقي العريق وتقاليد الغناء الحضري البغدادي، لكنها في الوقت ذاته تنفتح على روح العصر وتستجيب لنداء التجديد. وفي هذا المناخ، أخذت طبقة جديدة من المثقفين والفنانين بالتشكّل في بغداد، كان لأبناء الأقليات الدينية، ولا سيما الموسيقيين العراقيين اليهود، دور محوري فيها، إذ أسهموا في تأسيس نواة التخت العراقي الحديث، وشرعوا في تسجيل المقامات والأغاني، محوّلين التراث الشفاهي إلى مادة موثقة قابلة للانتشار والتطوير. وفي موازاة ذلك، ازدهرت المقاهي البغدادية بوصفها مسارح يومية للفن، مثل مقهى حسن عجمي ومقهى الشط ومقهى عزاوي, مقهى عارف أغا وكثير غيرها، حيث تعانقت الأصوات والأنغام، وبرزت أسماء أخذت تشق طريقها نحو الريادة، مثل محمد القبانجي الذي قدّم المقام بروح الحداثة المتجددة، وصديقة الملاية وسليمة مراد اللتين منحتا الغناء النسائي حضوراً لافتاً ومؤثراً.
وعلى خلفية الصراع بين الحداثة والتراث راحت الدولة الملكية الفتية تستشعر دور الموسيقى في تشكيل الهوية الوطنية. فعزّزت حضورها، وأطلقت مشروعات لتأسيس الإذاعة وتكوين الفرق الموسيقية الرسمية. كان صالح الكويتي من أوائل من تولوا هذه المهمة في الإذاعة العراقية الوليدة جالبًا معه رؤية فنية ناضجة، تنبع من أصالة عراقية خالصة، لكنها منفتحة على الزمن القادم. لم تكن تلك النهضة الموعودة مكتملة بعد، لكنها كانت ناهضة بكل ما تعنيه الكلمة. نهضة تشبه طلعة الفجر التي لا تُعلن عن النهار فوراً، لكنها تبشر به، وتستنهض القلب، وتملأ الأفق بشيء من الأمل، شيء من الموسيقى والشجن فصار غناءً. كانت بغداد في تلك اللحظة الحرجة من القرن العشرين، تنقّب عن صوتها، وتكتشف في ذاتها لحناً طويلاً بدأ بالأنين،
ومع العشرينيات من القرن الماضي، بدأت شركات التسجيل الأجنبية، مثل “بيضافون” و”أوديون”، تصل إلى بغداد لتوثّق هذا الحراك، فسُجلت أولى الأسطوانات لمغني المقام إضافة إلى المطربات والمطربين الشعبيين، من بينهم القبانجي وصديقة الملاية ثم تبعهم الكثير ، الأمر الذي أتاح للأغنية العراقية أن تعبر حدودها المحلية، وأن تتحول إلى صناعة فنية واعدة، تفتح أمام أصحابها أفق الاحتراف. ومن رحم هذه التحولات، أخذت ملامح الأغنية البغدادية الحديثة بالتكوّن، معتمدة على نصوص شعرية باللهجة الدارجة، وإيقاعات مستمدة من الموروث الشعبي، وقوالب لحنية أكثر تحرراً من صرامة المقام التقليدي، وقد برع في صياغة هذا اللون الأخوان صالح وداود الكويتي، اللذان أسسا مدرسة موسيقية جديدة تمزج بين الجذور العراقية والنَفَس الحديث. وكان للموسيقيين اليهود عموماً دورٌ أساسي في هذا التطور، إذ أسهموا في بناء البنية الموسيقية للأغنية العراقية، وابتكار أشكال غنائية تجمع بين المقام والطقطوقة والبستة، مما منح الغناء العراقي مرونةً وتنوعاً أكبر. وفي الوقت ذاته، بدأت تتشكل نوى غير رسمية لتعليم المقام عبر التلمذة والمجالس الفنية، إذ أخذ الرواد، وفي مقدمتهم القبانجي، ينقلون معارفهم إلى جيل جديد، ممهدين الطريق لتدوين المقامات وتصنيفها في العقود اللاحقة. كما أخذت الدولة العراقية الناشئة تدرك أهمية الموسيقى في بناء الهوية الوطنية، فدعمت هذا التوجه تدريجياً، وصولاً إلى تأسيس معهداً للفنون الجميلة وإذاعة بغداد عام 1936, وتشكيل فرق موسيقية رسمية كان من أبرز قادتها صالح الكويتي، وهي خطوات لم تكن سوى ثمرة للبذور التي زُرعت في تلك المرحلة المبكرة. ولم يكن هذا الحراك بمنأى عن التأثيرات العربية، إذ شهدت بغداد زيارات لوفود فنية مصرية ولبنانية، حملت معها أشكالاً جديدة من التعبير الموسيقي والمسرحي، وأسهمت في إدخال عناصر درامية إلى الغناء، وظهور بوادر الأوبريت.
وهكذا، فإن بوادر النهضة الموسيقية في العراق بعد الحرب العالمية الأولى لم تكن مجرد تحوّل فني معزول، بل كانت جزءاً من صحوة ثقافية شاملة عبّرت عن توق مجتمعٍ بأسره إلى إعادة اكتشاف ذاته، فخلعت بغداد شيئاً فشيئاً عباءة الجمود، وارتدت وشاح الحداثة بصوتٍ عراقيّ الروح، عربيّ الانتماء، شرقيّ الجذور، ممهدة الطريق لعصرٍ ذهبي سيبلغ فيه الغناء العراقي ذروة تألقه في الأربعينيات والخمسينيات وما تلاه.



#صباح_راهي_العبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نشيد الخلود
- “الأغنية العراقية: من نوح ديموزي إلى لحن الوطن الجريح”
- مشهد من بغداد فجر القرن العشرين
- الذكاء الاصطناعي ...... مليارات من الريبوتات في خدمة البشر!! ...
- ما فعلته السنون لا يلغيه قرار....... الحزن والبكاء في الغناء ...
- وقفة على ضفاف الغناء المنسي
- وقفة على ضفاف الطرب العراقي المنسي ( 1920 - 19509).
- وقفة على ضفاف الطرب العراقي المنسي ( 1920 - 1950 ).
- وداعاً ياريل .... وداعاً أم شامات
- أنيس زكي حسن .... كاتب ومترجم كبير عاش في الكوفة وانطلق ابدا ...
- في ذكرى اغتيال ثورة 14 تموز الخالدة
- حرب الفايروسات الألكترونية ...... فوز بدون نزال
- سلاح أمريكا لتدمير العراق وإخضاعه ....... نظرية الصدمة
- منتفضون ... سلاحهم علم ,وهمرهم تكتك.
- سيف الدين ولائي شاعر الأغنية العراقية الذهبية
- عشية أربعينية شيخ الملحنين عبد الحسين السماوي
- نشوء مدينة الكوفة الحديثة وتطورها
- وداعاً ستيفن هوكنك .. لقد أنجزت وأنت المعاق ,ما عجز عنه كثير ...
- الغناء الممنوع ....
- الريم التي أخرجت الشعر والفن السعودي إلى كل العرب


المزيد.....




- افتتاح الدورة الـ 79 لمهرجان كان السينمائي بحضور نخبة من الن ...
- نجمة عربية تكشف جنس مولودها بفستان -زهري- في حفل افتتاح مهرج ...
- هروب أم تهجير؟ حرب الرواية وأحداث النكبة تتكرر في -يانون- با ...
- “مركز اللغة الفرنسية يوجد في حوض نهر الكونغو” تصريح ماكرون ي ...
- غواية التشكيل وتجليات الأنثى: قراءة في قصيدة -امرأة... وكفى- ...
- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...
- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح راهي العبود - مقدمة لبدايات نشوء الأغنية العراقية الحديثة