أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الموت يخطئ الطريق















المزيد.....

الموت يخطئ الطريق


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 10:04
المحور: الادب والفن
    


في قريةٍ صغيرة، كانت البيوت الطينية تتكئ على بعضها، كأنها تخشى أن يسقط أحدها إذا ابتعد الآخر. وخلفها امتدت الحقول حتى حافة النهر، بينما ارتفعت بين البيوت نخيلٌ باسقات يبدّل ظلها مع حركة الشمس.
كان سعيد يعرف القرية كما يعرف خطوط كفّه؛ يعرف الطريق المختصر إلى الحقل، والشجرة التي كان يختبئ خلفها في طفولته، والدكان الصغير عند المنعطف، وحتى الحفرة التي بقيت في طرف الزقاق سنوات طويلة، دون أن يجد أحدٌ سبباً لردمها.
كان أكبر أبناء أسرته، هادئاً، قليل الكلام، يترك للأشياء أن تقول ما تشاء، ثم يكتفي بابتسامة صغيرة. في الصباح، كان يرافق والده إلى الحقل، ويحمل عنه بعض أدوات العمل. وفي المساء، يعود ليجلس قرب أمه وإخوته تحت ضوء الفانوس. وكانت أمه تهمس مع نفسها وهي تراقبه من بعيد:
- هذا الولد يحمل في عينيه شيئاً لا أفهمه.
لم يكن يعلم آنذاك أن الإنسان قد ينضج في يوم واحد أكثر مما ينضج في سنوات.
حين اندلعت الحرب، تغيّر وجه القرية. لم تعد الأخبار تصل كما كانت في السابق؛ لم تعد تأتي من أفواه المسافرين أو من أحاديث السوق، بل صارت تصل مع الأوراق الرسمية، والوجوه الصامتة، وطرقاتٍ على الأبواب في أوقات لا يطرق فيها أحد.
كان اسم سعيد بين الأسماء المطلوبة لأداء خدمة الاحتياط، ظل الورق في يد والده طويلاً. قرأه مرة، ثم أعاده إلى الظرف. لم يقل شيئاً، كانت أمه أكثر فهماً للصمت من الجميع. في تلك الليلة، وضعت أمام سعيد صحن العشاء، لكنها لم تأكل.
قالت:
- متى تذهب؟
- غداً.
خفضت رأسها. وبعد لحظات، قالت:
- وهل ستعود؟
نظر إليها، وأراد أن يقول: نعم. لكن الكلمة توقفت في مكان ما بين قلبه وحلقه، اقترب منها وقبّل رأسها.
- سأعود.
قالها، لا لأنه كان متأكداً، بل لأنه لم يجد جواباً آخر. في الصباح، كان والده واقفاً عند الباب، أمسك بيده وقال:
- لا تجعل الخوف يقودك.
ثم أضاف بعد صمت:
- وإذا ضاقت بك الدنيا، فتذكّر أن وراءك بيتاً ينتظر.
ظل سعيد ينظر إلى البيت، إلى النافذة، إلى شجرة التوت، إلى عتبة الباب التي حفرت قدما أبيه عندها أخاديدها على مرّ السنين، ثم استدار، ومضى.
في الجبهة، لم يكن الليل ليلاً. كان شيئاً آخر، شيئاً يختبئ وراء الدخان، وتقطعه أصوات المدافع، وتوقظه الانفجارات كلما حاول أن يستريح. كان سعيد ينام في الخندق، وحين يفتح عينيه لا يرى السماء، بل سقفاً من التراب وأغصاناً يابسة. في الأيام الأولى، كان يخرج من جيبه صورة صغيرة، صورة قديمة لأسرته، يتأمل الوجوه واحداً واحداً: أمه، أبوه، إخوته، وكان يسأل نفسه: هل تغيروا؟
ثم يجيب:
- سنة واحدة لا تغيّر شيئاً.
لكن صوتاً آخر كان يأتيه من داخله:
- بل إن سنة واحدة قد تغيّر كل شيء.
كان يطوي الصورة سريعاً، ويعيدها إلى جيبه. كأنه يخشى أن تسمع الوجوه ما يدور في رأسه.
ذات ليلة، اشتد القصف. اهتز الخندق، وتساقط التراب من فوق رؤوسهم.
صاح أحد الجنود:
- إلى الداخل.
انحنى سعيد واندفع نحو ساتر إسمنتي قريب، وما إن لامسه حتى دوّى انفجار هائل، شعر بشيء يمر فوق رأسه. ثم ساد الصمت، ثوانٍ قليلة فقط، رفع رأسه. كان الغبار يملأ المكان، نظر إلى الساتر، كان جزء منه قد تهشّم. مد يده إلى رأسه؛ لا وجود للدم. ثم إلى صدره، لا شيء. بعد ذلك، نظر إلى المكان الذي كان يقف فيه قبل لحظات، لم يجد إلا حفرة. جلس طويلاً.
وقال في سره:
- كان يمكن أن أكون هناك.
ثم سمع صوت أمه، لم تكن موجودة، لكنه سمعها بوضوح:
- لا تتأخر يا سعيد.
أغمض عينيه، ثم قال:
- لماذا أسمعك الآن؟
لم يجبه أحد.
بعد أسابيع، تحركت وحدته عبر منطقة جبلية. كان الطريق ضيقاً، وكانت المركبات تتحرك ببطء بين الصخور. وفجأة، انفجر لغم، ارتفع الغبار، توقفت المركبات، واختلطت الأصوات بالدخان. كان سعيد قد تأخر عن المجموعة خطوات قليلة؛ فقد تعثر بحجر وسقط، وحين حاول النهوض وقع الانفجار.
ظل للحظات على الأرض، ينظر إلى يديه، ثم إلى المكان الذي ابتلعته النار. لم يقل شيئاً، كان شيء غريب يحدث في داخله. لم يعد يسأل:
- هل سأموت؟
بل بدأ يسأل:
- لماذا لم أمت؟
وفي الليل، حين نام رفاقه، ظل مستيقظاً. قال لنفسه:
- ربما لأن الطريق لم ينتهِ.
ثم ابتسم بمرارة:
- وأين ينتهي الطريق أصلاً؟
لم يجد جواباً.
مرّت الشهور. صار سعيد أقل كلاماً، وأكثر إصغاءً إلى الأشياء. كان يعرف من صوت المدفع إن كان بعيداً أم قريباً، ومن حركة الطيور إن كان المكان آمناً، ومن صمت رفاقه مقدار التعب الذي أخفوه طوال النهار.
وفي إحدى المعارك، حوصرت وحدتهم. انقطعت الاتصالات، وشحّت المؤن. كان الليل يهبط ببطء، والظلام يزداد كثافة بين التلال.
قال أحد الجنود:
- لا مخرج.
لم يجبه سعيد، ظل ينظر إلى التلال. تذكر أباه وهو يقول:
- الأرض لا تكشف طريقها لمن يقف بعيداً عنها.
قال في نفسه:
- وأنا؟ هل نسيت الأرض طريقها إليّ؟
بعد ساعات من البحث، ظهر ممر ضيق بين الصخور. تحركوا واحداً خلف الآخر، كانوا يمشون في الظلام، يتحسسون الحجارة بأقدامهم، ويتوقفون كلما بلغهم صوت من بعيد. وفي لحظة، سمع سعيد صوتاً داخلياً:
- إلى أين؟
توقف. كان صوت أمه، ابتسم رغم الخوف، وقال:
- إلى البيت.
تابع السير. وعندما ظهر أول خيط من الفجر، كانوا قد خرجوا من المنطقة المحاصرة. لم يحتفل أحد، كان التعب أكبر من الفرح. لكن سعيد رفع وجهه إلى السماء، وقال بصوت لا يكاد يُسمع:
- ما زلت هنا.
بعد عام تقريباً، أصابته شظية صغيرة في كتفه. كان جرحاً بسيطاً، جلس عند نقطة الإسعاف، بينما كان المسعف يلف كتفه بقطعة قماش. وقبل أن ينتهي، دوّى انفجار قريب. انهار السقف، وتصاعد الغبار. وحين هدأ كل شيء، نظر سعيد إلى المكان الذي كان يجلس فيه قبل دقائق. ظل صامتاً، ثم أخرج الصورة من جيبه. كانت مغطاة بالتراب، مسحها بكمّه. وحدّق في وجه أمه، هذه المرة، لم يسأل نفسه لماذا بقي حياً، بل سألها:
- هل ما زلتِ تنتظرين؟
ولأول مرة منذ أشهر، شعر أن السؤال لم يكن في رأسه وحده. كان يسمع جواباً:
- الباب لم يُغلق.
ثم انتهت الحرب. لم يعرف سعيد كيف انتهت، فالحروب لا تنتهي في داخل الإنسان في اللحظة التي تنتهي فيها على الخرائط. ركب الحافلة العائدة، جلس قرب النافذة. كانت القرى تمر أمامه، واحدة تلو الأخرى، لكنه لم يكن يرى شيئاً. كان يراقب الطريق فقط، وكلما اقترب، ازداد اضطراب قلبه. وحين ظهرت أولى أشجار النخيل التي يعرفها، لم يستطع أن يمنع نفسه من الوقوف. قال للسائق:
- هنا...
لم يفهم السائق، أشار سعيد إلى الطريق:
- هنا يبدأ الطريق إلى قريتي.
وصل. كان أهل القرية ينتظرون العائدين، ركض الأطفال نحوه، لم يعرف بعضهم. أما أمه، فعرفته قبل أن يصل إليها. اندفعت نحوه واحتضنته، لم تقل شيئاً، كان وجهها ملتصقاً بصدره، ويداها ترتجفان. اقترب الأب، وقف أمامه لحظات، كأنه يريد أن يتأكد أنه ابنه فعلاً. ثم وضع يده على كتفه، وقال:
- تأخرت.
ضحك سعيد، لكن عينيه امتلأتا بالدموع.
- كان الطريق طويلاً.
رد الأب:
- المهم أنك وصلت.
في تلك الليلة، جلس سعيد أمام البيت. كان الفانوس معلقاً في مكانه القديم، وكانت النخيل تتحرك ببطء في الظلام. سمع ضحكات إخوته من الداخل، وسمع أمه تتحدث، وسمع أباه يسعل في الغرفة المجاورة. رفع رأسه إلى السماء، كانت صافية. ولأول مرة منذ عام، لم يكن فيها دخان. أخرج الصورة من جيبه، وظل ينظر إليها، ثم وضعها بجانبه على العتبة. نهض، ودخل إلى البيت. وبقيت الصورة وحدها في الخارج، حرّكتها نسمة خفيفة، فرفعت طرفها عن الأرض. وفي مكان بعيد، كان الطريق الذي جاء منه سعيد يمتد في العتمة، طويلاً وصامتاً، كأنه لم يقل كلمته الأخيرة بعد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...
- نص نثري: ما تبقى منه
- قصة قصيرة: المشورة
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...


المزيد.....




- -الموجة التاسعة- تستعيد بريقها بعد ترميم شامل في المتحف الرو ...
- وزير الثقافةوالسياحة: معركة استعادة الدولة لن تتوقف حتى تحري ...
- أكتوبر في الذاكرة الموسيقية: كيف صاغ الإبداع المصري عبور اله ...
- الشتات الفلسطيني.. كيف تحول الألم إلى مصدر للثقافة والمقاومة ...
- هوليوود تنقلب على عمالقة التكنولوجيا في موجة من الأفلام
- في مرادخاني.. كابل القديمة تروي حكايتها من جديد
- تكريم الأديبة أ. د. سناء الشّعلان في منتدى الفريق الإبداعيّ ...
- فيلم -Toy Story 5- مدبلجًا إلى اللهجة السعودية لأول مرة
- من غزة إلى اليمن.. حكايات عربية عن الحرب والبقاء في مهرجان ل ...
- مهرجان -أرابيسك-: ملتقى الموسيقى العربية في فرنسا


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الموت يخطئ الطريق