أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نزار جاف - ملالي إيران يغيرون ترتيب العالم بميكروفون















المزيد.....

ملالي إيران يغيرون ترتيب العالم بميكروفون


نزار جاف

الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 15:16
المحور: كتابات ساخرة
    


يبدو أن العالم ارتكب طوال العقود الماضية خطأ استراتيجيا فادحا حين انشغل خبراؤه العسكريون والاقتصاديون ومراكز أبحاثه وجيوشه وأجهزة استخباراته بقياس قوة الدول وفق معايير مملة ومعقدة، من حجم الاقتصاد ومستوى التصنيع والتكنولوجيا والقوة الجوية والبحرية والإنفاق العسكري والقدرة على الانتشار والنفوذ الدولي، بينما كانت الحقيقة المذهلة موجودة في طهران، حيث اكتشف نظام الملالي أن كل هذه الحسابات يمكن اختصارها بجملة واحدة: "إيران هي القوة العظمى الرابعة في العالم".
وهكذا، وبعد سنوات من البحث والتصنيف والتحليل، قررت طهران أن توفر على البشرية كل هذا العناء، وأن تقدم للعالم اختراعا جديدا في علم الاستراتيجية: إذا لم يعجبك ترتيب الأرقام، غير الترتيب بالخطاب، وإذا لم تجد بلدك في المكان الذي تريده، اصنع تصنيفا جديدا وضع نفسك فيه، ثم اطلب من الآخرين أن يتعاملوا معه باعتباره حقيقة لا تقبل النقاش.
المشكلة الصغيرة، وهي من تلك المشاكل التي تفسد الاحتفال عادة، أن التصنيفات العسكرية المتداولة لا تبدو متعاونة كثيرا مع هذه المعجزة الإيرانية؛ فتصنيف Global Firepower لعام 2026 يضع إيران في المرتبة السادسة عشرة عسكريا من أصل 145 دولة، بينما تتصدر الولايات المتحدة وروسيا والصين المراكز الثلاثة الأولى، وتأتي الهند في المرتبة الرابعة، أي أن المركز الرابع موجود فعلا، لكنه مشغول بدولة أخرى، وأن طهران تريد ببساطة إعادة توزيع المقاعد بعد انتهاء المباراة.
لكن لا داعي للقلق، فحين تصبح الأرقام مزعجة يمكن دائما الانتقال إلى "الحسابات الدنيوية"، وحين تفشل الحسابات الدنيوية في تقديم النتيجة المطلوبة، يبقى الحل السحري جاهزا: الحسابات الإلهية.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر الظواهر طرافة في الخطاب السياسي الإيراني؛ إذ يبدو أن هناك علما جديدا لا يعرفه خبراء الاقتصاد ولا العسكريون ولا مؤسسات التصنيف الدولية، علما يستطيع نقل دولة من المرتبة السادسة عشرة إلى الرابعة، ثم من الرابعة إلى الأولى، من دون أن تضيف الدولة دبابة واحدة أو طائرة واحدة أو دولارا واحدا إلى اقتصادها، وإنما بمجرد الانتقال من الحسابات الدنيوية إلى الحسابات الإلهية.
والسؤال هنا ليس: كيف أصبحت إيران قوة عظمى؟ بل: أين توجد هذه القوة؟
هل هي في الاقتصاد الذي يعاني المواطن من أزماته؟ أم في العملة التي يعرف الإيرانيون جيدا كيف فقدت قيمتها؟ أم في التكنولوجيا؟ أم في الصناعة؟ أم في الطيران؟ أم في البحرية؟ أم في القدرة على التأثير العالمي؟
لا أحد يعرف، لأن الخطاب الدعائي يفضل الأسئلة الكبيرة والإجابات الأكبر، بينما يترك التفاصيل الصغيرة، مثل الأرقام، للخبراء الذين يبدو أنهم لم يتعلموا بعد فن "الحسابات الإلهية".
والأكثر إثارة للسخرية أن المواطن الإيراني لا يعيش هذه القوة العظمى بالطريقة التي يعيشها المسؤولون في بياناتهم؛ فهو لا يذهب إلى السوق لشراء الخبز بالنفوذ الإقليمي، ولا يدفع الإيجار بصاروخ باليستي، ولا يسدد فاتورة الكهرباء بطائرة مسيرة، ولا يستطيع أن يشرح لصاحب الدكان أن ارتفاع الأسعار لا ينبغي أن يزعجه لأن بلاده أصبحت القوة الرابعة عالميا، بل إن حساباته اليومية تدور حول الراتب والأسعار والدولار والإيجار والغذاء ومستقبل الأبناء، وهي حسابات دنيوية جدا، على ما يبدو، ولم تصلها بعد بركات التصنيف الإلهي.
وهنا تكمن براعة الدعاية: عندما تكون الأرقام غير مريحة، يتغير المعيار؛ وعندما يكون الواقع غير مناسب، تتغير الرواية؛ وعندما يصبح السؤال محرجا، ننتقل من الاقتصاد إلى القوة العسكرية، ومن القوة العسكرية إلى النفوذ الإقليمي، ومن النفوذ الإقليمي إلى الصواريخ، ومن الصواريخ إلى الحسابات الإلهية، حتى يصل المواطن في النهاية إلى مرحلة يشعر فيها أن مجرد السؤال عن مستوى معيشته أصبح تشكيكا في عظمة بلاده.
لكن يبقى سؤال صغير، وربما لهذا السبب هو الأكثر إزعاجا: إذا كانت إيران هي القوة العظمى الرابعة في العالم، فمن هي القوى الثلاث التي تسبقها؟ وإذا كانت الولايات المتحدة وروسيا والصين هي الدول الثلاث الأولى، فلماذا تظهر الهند في المرتبة الرابعة في التصنيف العسكري المتداول؟ وإذا كانت لدى طهران معايير أخرى، فلماذا لا تنشرها للعالم مع منهجيتها وأرقامها، حتى يتعلم الجميع هذا العلم الجديد الذي يبدو أن إيران اكتشفته وحدها؟
أما عبارة "القوة الأولى وفق الحسابات الإلهية"، فهي تحتاج إلى أسئلة أكثر طرافة: هل توجد لجنة للحسابات الإلهية؟ وهل هناك جدول سنوي للنتائج؟ وهل تستطيع الدول تقديم اعتراضات؟ وهل توجد هيئة استئناف؟ وهل يحصل الفائز على كأس، أم أن الجائزة الكبرى هي ظهور مسؤول على شاشة التلفزيون ليعلن أن بلاده أصبحت مرة أخرى أعظم قوة في الكون؟
والحقيقة أن القوى الكبرى لا تحتاج عادة إلى أن تجتمع كل صباح لتعلن أنها قوى كبرى؛ فالاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة والجيش والنفوذ الدولي تتحدث عنها من دون مكبرات صوت، بينما يبدو أن المشكلة في طهران هي أن صورة إيران في الخطاب الدعائي أكبر بكثير من الصورة التي تظهرها المؤشرات الموضوعية.
ولذلك فإن الفرق واضح بين القوة الحقيقية والقوة التي تحتاج إلى مكبر صوت؛ فالقوة الحقيقية ترى في الاقتصاد عندما تنتج الدولة وتبتكر، وفي التكنولوجيا عندما تصنع ما يحتاجه الآخرون، وفي الجيش عندما تكون قدراته قابلة للقياس، وفي الدبلوماسية عندما تستطيع الدولة التأثير في القرارات الدولية، أما القوة التي تحتاج في كل مناسبة إلى مؤتمر صحفي كي تخبر الآخرين بأنها موجودة، فهي تحتاج إلى أكثر من تصريح كي تقنع العالم بأنها وصلت فعلا إلى المكان الذي أعلنت عنه.
وربما يكون الإنجاز الحقيقي لنظام الملالي أنه ابتكر أرخص طريقة في التاريخ لصناعة قوة عظمى: لا حاجة إلى اقتصاد ضخم، ولا إلى تكنولوجيا متقدمة، ولا إلى أساطيل عابرة للقارات؛ يكفي ميكروفون، وبيان رسمي، ومسؤول واثق من نفسه، ثم إعلان النتيجة: إيران الرابعة!
وإذا اعترض أحد، فلا مشكلة؛ يمكن تعديل النتيجة فورا:
في عالم الأرقام: السادسة عشرة.
في عالم التصريحات: الرابعة.
وفي الحسابات الإلهية: الأولى.
أما الواقع، فيبدو أنه لم يستشر بعد.



#نزار_جاف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نجمة أخرى... حين يصبح الأدب امتحانا للأفكار
- كيف يحاول النظام الإيراني تحويل ورطته الى قضية أميركية؟
- حربان لم تسقطا النظام الإيراني... لكنهما ربما أسقطتا قدرته ع ...
- شبح يحكم إيران
- امرأة لا تقف خلف رجل
- واشنطن والملالي: هل نحن أمام خطة أكبر من الحرب؟
- إيران تقصف كردستان... والعراق يدفع ثمن غياب السيادة
- الخريف الذي يبدأ من شجرة… وينتهي في الإنسان قراءة نقدية في ق ...
- حين يصبح الغياب سؤالا: تأملات في روح الشعر الفارسي الحديث
- صديقان لي: ترك الاثر العاطفي وليس تقديم فکرة سياسية أو موقف ...
- الحرب
- سوف أنتقل من هنا
- ذاهب أنا
- مماتي
- الشئ بالشئ يذکر..
- أن تغدو عاشقا
- رهين الملفين!
- نظام مبني على الکذب و الدجل و التحريف
- توضحت الصورة تماما
- الحل يکمن في دعم المقاومة الايرانية فقط


المزيد.....




- فيلم -Toy Story 5- مدبلجًا إلى اللهجة السعودية لأول مرة
- من غزة إلى اليمن.. حكايات عربية عن الحرب والبقاء في مهرجان ل ...
- مهرجان -أرابيسك-: ملتقى الموسيقى العربية في فرنسا
- تعيينه أثار جدلا واسعا.. استقالة مستشار إعلامي لنقابة فناني ...
- -المنتقمون: نهاية اللعبة- يستعيد صدارة شباك التذاكر العالمي ...
- أسرار قرن ونصف تكشفها أعمال ترميم -ألفية روسيا- في كرملين نو ...
- سبعة كتّاب عرب بينهم ثلاثة سوريين في بورصة التكهنات بنوبل لل ...
- رصد 308.3 مليار روبل للثقافة والسينما في الموازنة الروسية 20 ...
- فيلم من ظلال زمن الأسد يتطلع إلى الأوسكار
- فيلم -ملفات بيبي- يغزو البرلمان الأوروبي: وثائقي يكشف كواليس ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نزار جاف - ملالي إيران يغيرون ترتيب العالم بميكروفون