أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: لحظةُ الستار














المزيد.....

نص نثري: لحظةُ الستار


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 10:10
المحور: الادب والفن
    


نعم، لم أكن أعي شيئاً. لم أكن أعرف ماذا يجري في هذه المستديرة التي يسمونها حياة، ولا في الدوائر الصغيرة التي كانت تدور حولي، ثم تنفضّ دون أن أعرف لماذا. كان إدراكي أضيق من أن يسأل: من يضع اللقمة في فمي؟ من يسقيني؟ من يغسل جسدي، ويبدّل ثيابي، ويعيدني كل مساء إلى المكان نفسه؟
كنت أعرف وجهين فقط. يأتيان إليّ، يتعاقبان عليّ كما لو أن الأمر بينهما موعد قديم. أحدهما يجلس إلى جانبي، يطعمني بيده، ويسقيني، ويمسح عن وجهي ما لا أعرف كيف وصل إليه. كان يهمس بكلمات كثيرة، فأحدّق في فمه ولا أفهم شيئاً. الكلمات كانت تصلني كأصوات بعيدة، ثم تضيع قبل أن تجد لها معنى.
لم أعرف من يكون، لكنني كنت أعرف شيئاً واحداً: أنه لا يتركني.
ثم، ذات يوم، صار هناك وجه واحد. بحثت عن الآخر دون أن أعرف أنني أبحث. انتظرت أن يدخل من الباب، أن تمتد يد إلى فمي، أن يعود الصوت الذي اعتدت سماعه. لم أسأل: أين ذهب؟ لم تكن لديّ كلمة تصلح للسؤال.
وفي اليوم الذي تلاه، أو كما ارى ذلك، كان الذي بقي إلى جانبي الوجه الواحد. ثم رأيته يهوي أمامي، لم أفهم السقوط. رأيت جسداً كان قبل لحظات قائماً، ثم صار على الأرض. رأيت شيئاً أحمر يخرج منه ببطء، يتسلل على الأرض كما لو أنه يعرف طريقه أكثر مني. كان لزجاً، دافئاً، وغريباً. ظللت أحدّق فيه طويلاً.
ربما كان يريد أن يقول شيئاً، وربما كان هو الكلام الذي عجزت عن فهمه طوال حياتي. سمعت صوتاً قريباً، غريباً، لم أعرف أهو بكاء أم صرخة أم ارتطام شيء بشيء. ثم بدأت الأشكال الآدمية تتكاثر حوله. أيدٍ كثيرة امتدت إليه، حملته، رفعته، ومضت به بعيداً.
كنت أراقب. لم أعرف لماذا يأخذونه، ولم أعرف لماذا يتركونني. ثم انفتح في رأسي، للحظة واحدة، شقّ ضيق في جدار العتمة.
قالوا: لقد قتلوه بدم بارد.
لم أفهم الدم، ولا برودته. وقالوا: كان السند الوحيد لأخته فاقدة العقل.
توقفت عند كلمة: أخته. أخذت أبحث في وجوههم عن معناها، فلم أجد إلا نظرات غريبة، فيها شيء يشبه الشفقة، وشيء آخر لم أستطع تسميته. كانوا ينظرون إليّ طويلاً، كأنهم يرون في وجهي حكاية لا أعرفها.
ثم قالوا إن الذي غاب أولاً كان شرطياً، وقالوا إن الذي سقط أمامي كان منتسباً سابقاً، وقالوا إن العصابات لا تنسى، وقالوا إنهما أخواها.
أخواها؟ ترددت الكلمة في رأسي كشيء سقط في بئر. لم أفهم معنى شرطي، ولا منتسب سابق، ولا عصابات، ولا حتى أخ. كنت أملك جسداً يعرف الجوع، ويعرف العطش، ويعرف اليد التي تطعمه، لكنه لم يكن يملك ذاكرة تكفي لمعرفة أصحاب تلك الأيدي.
كل ما عرفته أن وجهاً غاب، ثم وجهاً آخر. وأن اليد التي كانت تمتد إليّ لم تعد، وأن المكان الذي كان يمتلئ بصوت ما، صار فارغاً على نحو لا أعرف كيف أصفه.
بقيت وحدي، أو هكذا ظننت. وحين أخذوا الجسد بعيداً، بقي على الأرض ذلك الشيء الأحمر. لم أستطع أن أرفع عيني عنه. كان يتسع ببطء، كأنه يرسم دائرة حول شيء لا أراه. للحظة، خُيّل إليّ أنني أعرفه، ربما ليس الدم، شيء آخر، شيء كان ينبغي أن أتذكره، لكنه لم يأتِ.
اقترب أحدهم مني، وضع يده على كتفي، وقال كلاماً كثيراً. لم أفهم منه إلا كلمة واحدة: أنتِ.
نظرت إليه، ثم نظرت إلى الأرض، ثم إلى الباب الذي خرجوا منه. وفجأة، شعرت أن هناك شيئاً آخر كان ينبغي أن أعرفه، شيئاً أكبر من الجوع والعطش والوجهين واليدين، شيئاً ربما كان اسمي، لكن الاسم لم يأتِ.
وعندما حاولت أن أتذكر، انطفأ كل شيء. عاد الضباب، عاد الصمت، وعاد العالم إلى مكانه القديم. فلم أعد أعي شيئاً، إلا ذلك الشيء الصغير الأحمر، الذي ظل يسيل في مكان لا اسم له. ثم أُسدل الستار. ولم أعرف، حتى بعد أن أُسدل، هل كنتُ أشاهد الحكاية، أم كنتُ آخر ما تبقى منها؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...
- نص نثري: ما تبقى منه
- قصة قصيرة: المشورة
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي


المزيد.....




- -المنتقمون: نهاية اللعبة- يستعيد صدارة شباك التذاكر العالمي ...
- أسرار قرن ونصف تكشفها أعمال ترميم -ألفية روسيا- في كرملين نو ...
- سبعة كتّاب عرب بينهم ثلاثة سوريين في بورصة التكهنات بنوبل لل ...
- رصد 308.3 مليار روبل للثقافة والسينما في الموازنة الروسية 20 ...
- فيلم من ظلال زمن الأسد يتطلع إلى الأوسكار
- فيلم -ملفات بيبي- يغزو البرلمان الأوروبي: وثائقي يكشف كواليس ...
- اتهامات للفنان المصري أحمد سعد بالنصب
- على طريقة فيلم المدمر.. إخراج أسطول روبوتات عن الخدمة بصهرها ...
- المعلمون الأوائل لعمالقة الأدب الروسي.. رحلة تعليم بوشكين ول ...
- -الأمير الصغير- يعود إلى الشاشة برؤية سينمائية جديدة


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: لحظةُ الستار