|
|
حين يطغى المديح على النقد: قراءة نقدية في دراسة «أغاني الريح» لسارة فخري خيربك
محمد بسام العمري
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 00:12
المحور:
الادب والفن
تبدو الدراسة التي كتبها الناقد محسن إبراهيم حول قصيدة «أغاني الريح» لسارة فخري خيربك، في ظاهرها، دراسة احتفائية تستهدف رفع منزلة النص وصاحبته، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن المشكلة الأساسية فيها ليست في مقدار المديح، وإنما في طبيعة هذا المديح وفي علاقته بالنص الشعري. فالدراسة لا تكتفي بتفسير الأبيات، بل تضخ فيها طبقات من الدلالات الفلسفية والنفسية والوجودية تتجاوز في كثير من المواضع حدود ما يسمح به السياق الشعري، الأمر الذي يجعل الناقد ينتقل من قراءة النص إلى إعادة اختراع نص آخر موازٍ له. والفرق بين النقد والاحتفاء هنا جوهري؛ لأن النقد لا يقاس بعدد الصفات التي يمنحها للقصيدة، وإنما بقدرته على كشف آلياتها الجمالية، ومواضع توهجها، ومواطن اضطرابها، والعلاقات الخفية بين ألفاظها وصورها وإيقاعها ودلالاتها. أما الدراسة محل النظر، فقد أقامت بناءً نقديًا ضخمًا فوق قصيدة قصيرة، واستعملت لغة ذات طابع فلسفي ونقدي كثيف، لكنها في المقابل لم تنصرف بالقدر نفسه إلى مساءلة اللغة الشعرية ذاتها. من أولى المشكلات التي تستوقف القارئ قول الناقد إن «أغاني الريح» ليست مجرد «زفرة وجدانية» وإنما هي «وثيقة فلسفية» ترصد «الصراع الوجودي بين رغبة الإنسان في الخلود العاطفي، وحتمية الفناء والتحول». وهذا حكم أكبر من النص؛ فالقصيدة، بحسب أبياتها، تدور أساسًا حول تجربة وجدانية تتصل بحلم الحب ثم الفراق ثم محاولة تحرير القلب من آثاره. ولا نجد في بنيتها ما يكفي لتحويلها إلى «وثيقة فلسفية» بالمفهوم الذي توحي به العبارة. فالفلسفة في النقد ليست مجرد استخدام ألفاظ مثل الوجود والفناء والخلود، وإنما تحتاج إلى منظومة فكرية تتكرر داخل النص، أو إلى أسئلة فكرية صريحة أو ضمنية تتجاوز التجربة الفردية إلى رؤية كونية متماسكة. أما هنا فإن الناقد استخلص من تجربة عاطفية معنى فلسفيًا كليًا، ثم قدم هذا الاستنتاج وكأنه حقيقة موضوعية في القصيدة. وهنا تبدأ أولى صور الإساءة إلى النص: لأن رفع القصيدة قسرًا إلى مرتبة «الوثيقة الفلسفية» لا يخدمها بالضرورة، بل يضعها تحت معيار لا تنتمي إليه أصلًا، ويحجب عناصرها الشعرية الحقيقية خلف غلالة من التجريد. ومن أشد مواضع عدم المطابقة أن الناقد يتحدث عن عنوان «أغاني الريح» باعتباره قائمًا على ثنائية بين «الأغاني» بوصفها أثرًا منظمًا مستقرًا، و«الريح» بوصفها قوة طبيعية طليقة ترمز إلى الشتات والمحو، ثم يذهب إلى القول إن «الريح هنا ليست عنصرًا في الطبيعة، بل هي ذات تملك صوتًا وأغاني». وهذا التأويل فيه قدر من التوسع غير المبرر؛ لأن الصياغة في العنوان هي «أغاني الريح»، لا «الريح تغني». الريح هنا في المقام الأول مضاف إليه، وهي عنصر مصدر للأغاني أو حامل لها، ولا يصح الانتقال مباشرة من الإضافة اللغوية إلى افتراض أن الشاعرة جعلت الريح «ذاتًا» كاملة الوعي والصوت. ثم إن الناقد يستنتج من العنوان وحده مفاهيم مثل الشتات والمحو و«الأغنيات المكتوبة على الماء» و«المحفورة في الهواء»، وهي صور لم ترد في القصيدة أصلًا. وهذا مثال واضح على ما يمكن تسميته «إنتاج نص ثانٍ من النص»: الناقد لا يكتشف المجاز بقدر ما يضيف مجازات من عنده، ثم يفسر القصيدة على ضوئها. ويزداد الأمر وضوحًا عندما يتحدث عن «المعمار الدرامي» للقصيدة، ويقسمها إلى «فضاء الربيع المفقود» و«فضاء الخراب الداهم». تقسيم النص إلى مراحل وجدانية أمر ممكن نقديًا، لكن المشكلة في وصفه بأنه «بناء هندسي» و«تقابل ضدي مأساوي» من دون البرهنة على وجود بنية درامية حقيقية. فالقصيدة تسير من ذكرى الوصل إلى الفراق بالفعل، ولكن ذلك لا يكفي وحده لاعتبارها ذات «معمار درامي» بالمعنى الاصطلاحي الدقيق. لا توجد شخصيات وحبكة وتنامٍ درامي بالمعنى المتعارف، وإنما انتقال من مشهد عاطفي إلى آخر. أما عبارة «الصدمة الأسلوبية» التي أطلقها الناقد على الانتقال إلى صورة «البوم» فهي بدورها أكبر من الشاهد. يقول النص: «حتى حلَّ البومُ هدماً ناعقاً صار سيفاً هدَّ في حُصنِ الرفاقِ» الانتقال من الربيع والورد إلى البوم والفراق يمكن أن يوصف بأنه انتقال حاد في الصورة والمناخ النفسي، وهذا مما يمكن مناقشته، لكن تسميته مباشرة «صدمة أسلوبية» تفترض استقرارًا اصطلاحيًا غير موجود في التحليل نفسه. ثم إن الناقد يقول إن «الصوت تحول إلى أداة تدمير مادية»، بينما النص نفسه يقول «صار سيفًا»، والصورة هنا مجازية مركبة تحتاج إلى تحليل العلاقة بين البوم والنعي والسيف والحصن. أما إطلاق الحكم الجاهز فلا يكشف شيئًا عن آلية الصورة. ومن أكثر المواضع التي بالغت فيها الدراسة تفسيرها للبيتين: «ورمت في البحر مفتاحًا لها لوفاءٍ في مدى الأيام باقِ» فالناقد يرى أن «رمي المفتاح في البحر» هو «فعل التزام كوني بالحب»، وأن القلب أصبح «خارج حسابات الزمن وخارج إمكانية التكرار»، وأنه «وفاء مطلق يتجاوز غياب المحبوب». لكن البيت لا يقول كل هذا. أقصى ما يمنحه النص هو صورة رمزية واضحة: القلب مغلق، والمفتاح مرمي في البحر، بما يوحي باستحكام التعلق أو استحالة الرجوع أو دوام العهد. وهذا جميل من حيث أصل الصورة، لكن الانتقال من «دوام الوفاء» إلى «التزام كوني بالحب» ثم إلى «خارج حسابات الزمن» هو إضافة نقدية لا يقوم عليها دليل لغوي داخل البيت. والأسوأ أن الناقد حين يبالغ في تفسير الصورة، يفقدها بساطتها الشعرية. فربما تكون قوة الصورة في أنها لا تحتاج أصلًا إلى كل تلك الفلسفة. إن «المفتاح والبحر» صورة حسية رمزية يمكن أن يتركها النص في مساحتها التأويلية، أما تحويلها إلى «أسطورة كونية شخصية» فيثقلها أكثر مما يضيئها. ثم تأتي عبارة الناقد: «تعلن الشاعرة أن هذا الحب صار خارج حسابات الزمن وخارج إمكانية التكرار». وهذه ليست قراءة للنص، بل حكم على العالم الداخلي للشاعرة. فالنقد العلمي لا ينبغي أن يحول الاحتمال التأويلي إلى قصد مؤكد. ويتكرر الأمر عند قوله: «هنا لا نجد استسلامًا ذليلًا، بل هو تسليم الأنبياء والحكماء بحتمية الأقدار». إن البيت: «سلّم العقلُ بذي أقدارنا هي تنسلُّ انسلالاً للفراقِ» يتحدث بالفعل عن قبول العقل بما آل إليه الأمر، لكن إدخال «الأنبياء والحكماء» لا تستلزمه اللغة الشعرية. بل إن هذا الإحالة ترفع التجربة العاطفية إلى مستوى ديني وروحي لم يطلبه النص. وهذه من أخطر عيوب الدراسة، لأنها تنسب إلى الشاعرة أبعادًا ومقامات لم تقل بها. والأغرب أن الناقد يذهب في الخاتمة إلى القول إن: «فاترك القلب طليقًا من هوىً لشفاء من جروح وبواقِ» يمثل «تحريرًا وجوديًا للذات»، وأن الحب ينتقل من «قيد وجرح» إلى «طاقة نور وتسامٍ». وهذه قراءة ممكنة في بعض جزئياتها من الناحية النفسية، ولكنها ليست مستخرجة بدقة من العبارة الشعرية. البيت أقرب إلى نصيحة وجدانية مباشرة: تحرير القلب من التعلق المؤلم طلبًا للشفاء. أما «التحرير الوجودي» و«طاقة النور والتسامي» فهي مصطلحات أضافها الناقد، وليست مفاهيم أسست لها القصيدة. بل إن الدراسة في هذا الموضع تقلب حركة النص نفسها. القصيدة تنتهي بمحاولة الخروج من أسر الهوى، بينما القراءة تكاد تحول الخاتمة إلى انتصار فلسفي كبير. وهذا يؤدي إلى تشويه سلم الدلالة: من حزن إلى وعي إلى محاولة شفاء، لا من «الانكسار» إلى «التسامي الوجودي» كما صورت الدراسة. وإذا انتقلنا إلى الجانب اللغوي، ظهرت مشكلة أكثر جوهرية: الدراسة تمدح «الجزالة المعاصرة» و«جلال الديباجة» لكنها لا تختبر اللغة اختبارًا حقيقيًا. فهناك في القصيدة تراكيب تستحق التوقف، سواء من جهة الإيحاء أو التركيب أو وضوح الدلالة، منها: «من شذا روح أحاطت قلبَها أحكمت إغلاقها شدَّ الوثاقِ» فهنا يبرز اضطراب مرجعية الضمائر: ما الذي أحكمت إغلاقه تحديدًا؟ القلب؟ الروح؟ العلاقة؟ وكيف تنتظم «إغلاقها» مع «أحاطت قلبها»؟ كان ينبغي على الناقد أن يتوقف عند هذا التركيب، لأن النقد الحقيقي لا يكتفي بإضفاء الجلال على اللغة، بل يسأل: هل الدلالة واضحة؟ هل العلاقة النحوية محكمة؟ وهل الصورة متماسكة؟ وكذلك: «كان عهداً من ربيعٍ زاهرٍ طاف فيه الورد في وجه السواقي» الصورة جميلة من حيث الجو العام، لكنها ليست بالضرورة «فائقة العذوبة» أو خارقة للمألوف؛ فالربيع والورد والسواقي من المعجم الرومانسي الموروث، وكان يمكن للناقد أن يبين مقدار خصوصية الصورة: هل أضافت الشاعرة جديدًا إلى هذا المعجم أم أعادت صياغته؟ الدراسة لم تفعل ذلك، وإنما منحت الصورة حكمًا تقويميًا مسبقًا. وفي قوله: «ليلك الصبح عبيق والهوى يلهب القلبين عدواً في السباقِ» توجد كثافة ملحوظة في المجازات، إذ يجتمع «ليل» و«الصبح» و«العبق» و«الهوى» و«الإلهاب» و«العدو» و«السباق». وهذه الكثافة كان يجب أن تخضع لفحص نقدي: هل هي ثراء تصويري أم تراكم قد يؤدي إلى اضطراب المشهد؟ أما الدراسة فاختارت وصفها بالحيوية والانسياب دون أن تختبر تماسكها الداخلي. وفي: «ويسيل الشعر من ألحاننا وحروف الحب ترنو للعناقِ» نجد صورتين مجازيتين واضحتين: «يسيل الشعر» و«حروف الحب ترنو للعناق». يمكن للناقد أن يدرس التشخيص والحركة وتحويل المجرد إلى محسوس، لكن القول إن «المشاعر تحولت إلى موسيقى سائلة تنبثق من الحروف وتتوق إلى التجسد المادي الحسي» يضاعف طبقات الكلام فوق بيتين لا يحتاجان إلى كل هذا التعقيد. أما: «أنظر الأحلام يذروها المدى كيف ألوى البين وعداً لشقاقِ» فهي من المواضع التي كان ينبغي أن تكون موضع تحليل جاد؛ لأن «يذروها المدى» صورة تحتاج إلى تحديد دلالتها، و«ألوى البين وعدًا لشقاق» تركيب غير مألوف يحتاج إلى شرح نحوي ودلالي لمعرفة مدى قوته أو التباسه. ومع ذلك مر الناقد عليهما دون مساءلة حقيقية. والأمر أشد وضوحًا في الخاتمة: «لشفاء من جروح وبواقِ» إذ إن لفظ «بواق» في هذا السياق يحتاج إلى تفسير، أو على الأقل إلى وقفة لغوية من الناقد، لأن السياق الدلالي لا يقدمه للمتلقي في صورة واضحة. وكان يمكن للنقد أن يسأل: هل اللفظة مقصودة بمعناها المعجمي؟ وهل تخدم السياق أم تبدو مفروضة لتحقيق القافية؟ غير أن الدراسة تجاهلت هذا النوع من الأسئلة تمامًا. وهنا يظهر أثر خطير على المستوى الإبداعي: الدراسة، بدل أن تكشف للمتلقي خصوصية الشاعرة من داخل لغتها، أخفت اللغة تحت ستار من المصطلحات. فهي تتحدث عن «الجزالة» لكنها لا تثبت مواضع الجزالة، وتتحدث عن «الحداثة» دون تحديد ما الذي جعل الصورة حديثة، وتتحدث عن «الأسطورة الشخصية» من دون إثبات وجود أسطورة متكاملة، وتصف القصيدة بأنها «انتصار للشعرية السورية المعاصرة» دون وضعها في سياق شعري مقارن. وبذلك أصبحت صورة الشاعرة في الدراسة منفصلة جزئيًا عن نصها. الشاعرة التي يقدمها النقد هنا أكبر من القصيدة التي بين أيدينا. وهذه ليست فضيلة نقدية، لأن القارئ يستطيع أن يكتشف الفارق بنفسه، وحين يكتشف أن الأحكام الضخمة لا تتناسب مع حجم الشواهد، يفقد ثقته في الناقد وفي القصيدة معًا. ومن هنا يمكن القول إن الدراسة أساءت إلى النص من حيث أرادت مدحه. فقد قدمته بوصفه نصًا فلسفيًا استثنائيًا مكتملًا، مع أن القصيدة تحمل بالفعل بعض الجماليات الواضحة: وحدة القافية، المناخ الوجداني المتماسك، بعض الصور الحسية، وصورة «المفتاح في البحر» التي يمكن أن تكون أكثر صور النص قابلية للتأويل، إلى جانب مقابلة الربيع والبوم، وانتقال النص من الوصل إلى الفراق ثم إلى محاولة التحرر. لكن إنصاف القصيدة يقتضي أن نقول في الوقت نفسه إن فيها مواضع تحتاج إلى قراءة فنية ولغوية صريحة، منها بعض التراكيب الغامضة، وبعض الصور المألوفة، وبعض التداخل بين الحقول المجازية، وألفاظ تحتاج إلى تفسير أو مراجعة. هذه الملاحظات ليست انتقاصًا من الشاعرة، بل هي جوهر العمل النقدي الذي يمنح النص فرصة أن يظهر بقوته الحقيقية. أما الدراسة المنشورة فلم تقدم هذا النوع من النقد. لقد أثنت على الشاعرة أكثر مما قرأت الشاعرة، وفسرت النص أكثر مما فحصته، واستعملت المصطلح أكثر مما أقامت الدليل عليه. ومن ثم تحولت من «دراسة نقدية» إلى «خطاب تزكوي» مزين بالمصطلحات النقدية الحديثة. والفارق بين الاثنين واضح: الناقد الذي يمدح يقول: «هذه صورة عظيمة». أما الناقد الذي يحلل فيقول: هذه الصورة تتكون من كذا، وتقوم على علاقة كذا، وتنجح في الموضع الفلاني، لكنها تضعف في الموضع الفلاني، ثم يقارنها بما سبقها أو بما يجاورها. ذلك هو النقد الذي يجعل النص أكثر حضورًا، لا أقل. ولعل أكثر ما أساء إلى الجانب الإبداعي واللغوي للشاعرة أن الدراسة لم تمنحها فرصة الظهور بصوتها الحقيقي؛ إذ استبدلت صوتها الشعري بلغة الناقد: «الوثيقة الفلسفية»، «الالتزام الكوني»، «التحرير الوجودي»، «الطاقة النورية»، «الأسطورة الشخصية»، «الصدمة الأسلوبية». هذه العبارات قد تبدو لامعة، لكنها تجعل القارئ يتذكر الناقد أكثر مما يتذكر أبيات الشاعرة. وهذه علامة على أن القراءة لم تكن خادمة للنص بالقدر الكافي. والأخطر أن الدراسة استخدمت أحكامًا كلية من قبيل «لا يمكن قراءة القصيدة إلا...» أو «تعلن الشاعرة...» أو «يتجاوز النص السائد...» دون بناء مقارن أو برهان نصي. وهذه اللغة تقفل باب التأويل بدل أن تفتحه، لأن الناقد يفرض معنى واحدًا على نص يحتمل أكثر من معنى. وعليه، فإن الحكم الأكثر إنصافًا على هذه الدراسة هو أنها ليست خالية من الملاحظات الجيدة، ولا سيما انتباهها إلى بعض الصور والتحولات الوجدانية، لكنها أضعف من أن تكون قراءة نقدية علمية مكتملة؛ لأنها لم توازن بين الجمالي والسلبي، ولم تفصل بين ما يقوله النص وما يستنتجه الناقد، ولم تجعل الشاهد الشعري أساسًا للحكم، بل جعلت الحكم السابق أساسًا لانتقاء الشاهد. لقد أراد الناقد أن يرفع القصيدة إلى مرتبة استثنائية، فأسهم، من حيث لا يقصد، في إضعاف مصداقية القراءة. فالقصيدة لا تحتاج إلى «أسطرة» نقدية حتى تكون جديرة بالدراسة، والشاعرة لا تُنصف بإغراق نصها في فلسفات لم يقلها، وإنما تُنصف حين نقرأ ما كتبت بالفعل: لفظها، صورتها، إيقاعها، تركيبها، دلالتها، نجاحها، وتعثرها. ومن هنا فإن قيمة الدراسة المضادة ليست في مهاجمة الناقد ولا في إنكار قيمة القصيدة، وإنما في إعادة العلاقة الصحيحة بين الطرفين: النص أولًا، ثم التأويل، ثم الحكم؛ لا الحكم أولًا ثم البحث عن نص يبرره. والخلاصة أن الدراسة أخطأت في ثلاثة مستويات متداخلة: أخطأت في تمثيل المعنى حين نسبت إلى الأبيات دلالات فلسفية أوسع من شواهدها، وأخطأت في تمثيل القيمة الجمالية حين حولت كل صورة تقريبًا إلى إنجاز استثنائي، وأخطأت في تمثيل اللغة حين مدحت الجزالة دون فحص مواطن القوة والالتباس والضعف. ولذلك فإنها، رغم حسن نيتها الاحتفائية، لم تنصف «أغاني الريح» بقدر ما غطّت على خصائصها الحقيقية. إن النقد الذي ينفع سارة خيربك ليس ذلك الذي يقول لها إن كل ما كتبته عبقرية، وإنما الذي يكشف أين أضاءت القصيدة، وأين كان يمكن للصياغة أن تكون أكثر صفاء، وأين كانت الصورة مبتكرة، وأين اقتربت من المألوف، وأين خدم الوزن المعنى، وأين ضغطت القافية على اللغة. عندئذ فقط يصبح النقد شريكًا في حماية الإبداع، لا مجرد مرآة مديح.
#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
«من يوميات امرأةٍ مرّت من هنا».
-
الاندماج الاجتماعي وبناء العلاقات لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
«المرأة في مسيرة الإنسانية: من الهامش إلى استعادة الحضور وصن
...
-
من ردّ الفعل إلى الاستجابة الواعية
-
قراءة في قصيدة «هي الحرب» للشاعر سليمان جوادي
-
«حين يرحل الزمن: من غنائية الحب إلى سؤال الفناء في قصيدة سار
...
-
الفلسفة في المدرسة الجزائرية: بين الدفاع عن العقل وضرورة الا
...
-
•وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ وال
...
-
السلوكيات النمطية والتحديات السلوكية لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
التواصل واللغة لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
رسالة من هناك
-
التعليم والدمج المدرسي للأطفال ذوي التوحد،
-
أساليب التربية المناسبة لطفل التوحد
-
دور الأسرة في رعاية طفل مصاب بالتوحد
-
طرق العلاج والتدخل المبكر للتوحد.
-
أهمية التشخيص المبكر للتوحد .
-
الفرق بين التوحد والتأخر العقلي .
-
التوحد عند المراهقين والبالغين.
-
أعراض التوحد عند الأطفال
-
الطفل الذي ربَّته الهاوية
المزيد.....
-
أزمة اعتذارات وانسحابات تعصف بأشهر مهرجان للموسيقى العربية
...
-
المخرج الإيراني أصغر فرهادي ينتقد هوليوود: -من طلب منكم أن ت
...
-
الفنانة منى واصف تكشف جانبا من حكاية والدتها خلال تكريمها في
...
-
مليون بحث عربي.. تقرير «آرسيف» 2026 يكشف خريطة النشر الأكادي
...
-
بعد عرضه في برلين.. -خروج آمن- ينافس في مهرجان الجونة السينم
...
-
دار عم الطيب.. منزل يخفي خلف واجهته عالما من الفن
-
السفارة الروسية لدى عمان تكرم الفائزين في المسابقة الأردنية
...
-
RT في معرض عمّان الدولي للكتاب
-
تركي آل الشيخ يلمح لعودة فضل شاكر إلى المسرح من بوابة الرياض
...
-
الموسيقى ودقات القلب.. تأثيرات تتجاوز تحسين المزاج وتصل إلى
...
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|