ابوذر ياسر
الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 16:48
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
الحلقة الثانية : الحزب الشيوعي في الوسط الجامعي في العاصمة .
قلت في الجزء الاول ( في مدينتي الفراتية الصغيرة كان الشيوعيون اناس بسطاء طيبون ) فهل كان الحال كذلك في الوسط الجامعي في بغداد؟
الطلبة الشيوعيون في الجامعة جاءوا من مدن وبيئات متعددة ومن قوميات واديان مختلفة وكان الحزب يمثل بصدق المجتمع العراقي بتنوعه وتعدد ثقافاته فكان هناك الجنوبي والبغدادي والكردي والمسيحي والصابئي والمسلم لكنك لن تجد مطلقا" اي أثر للطائفية او القومية الشوفينية في اوساط الحزب.
نعم كان في الجامعة طلبة شيوعيون كثيرون بسطاء وطيبون لكنهم في نفس الوقت على درجة عالية من الثقافة قلما تجدها في المدن الصغيرة وخير من يمثل هذه الفئة الشهيد انعتاق الهيتي و المرحوم احمد صادق فقد كانا مثالا نادرا" في الطيبة ونكران الذات والبساطة.
وفي نفس الوقت تجد العديد من الفوضوين والمتطرفين وقد آل حال احد هؤلاء الى ترك دراسته في الكلية والالتحاق باحد المنظمات الفدائية في لبنان قبل ان يصبح الوضع السياسي سيئا " في العراق وقبل ان تبدأ حملة القمع المنظمة ضد الشيوعيين في عام ١٩٧٨ .
و لا يخلوا الحال طبعا" من العديد من النرجسيين والثرثارين ومحبي الظهور والشهرة الذين كانوا يخالفون توجيهات حزبهم بما يسمى ( الصيانة) وعدم التواجد في نادي الكلية على شكل مجاميع تستفز العناصر البعثية و تسهل عليهم اكتشاف الهيكل التنظيمي للحزب.
الغريب ان افراد الفئة الاخيرة هي اول من رفع الراية البيضاء واستسلم قبل التعرض الى اي اذى جسدي و دون تقديم اية تضحية .
فيما صمدت باشكال مختلفة العناصر البعيدة عن الاضواء والتي كانت توصف بانها خاملة او قليلة التأثير في الوسط الطلابي .
كان النشاط الحزبي في الجامعة يختلف نوعيا" و كميا" عن نظيره في المدن الصغيرة.
احتفاليات ينظمها الاعضاء في بيوتهم ويدعون لها اصدقاء الحزب والمتعاطفون معه في مناسبات كثيرة ومتنوعة : عيد تأسيس الحزب في ٣١ آذار وعيد المرأة في ٨ آذار وعيد العمال العالمي و ذكرى ثورة ١٤ تموز و ذكرى ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا.
لقد كانت هذه الاحتفاليات مناسبة للتثقيف وشرح سياسة الحزب اضافة الى الاستماع للاغاني ( الثورية) للشيخ امام و مارسيل خليفة و جعفر حسن.
وقد كانت كاسيتات الشيخ امام ومارسيل خليفة لا تخلوا منها الاقسام الداخلية التي يسكنها الطلبة الشيوعيون والتي كانوا يستمعون لها بمتعة كبيرة وحماس صادق.
سفرات الى الاماكن السياحية ليس للترفيه فقط وانما لتوطيد العلاقات مع الطلبة المتعاطفين مع الحزب.
اضافة الى ذلك كان حضور مسرحيات فرقة الفني الحديث في مسرح بغداد و الافلام المصرية ( التقدمية كفلم العصفور و عودة الابن الضال و على من نطلق الرصاص ) وكذلك الافلام السوفياتية ترتقي الى مستوى الواجب الحزبي.
كانت قراءة المناهج الدراسية هي الاولوية الثانية لدى الاعضاء فالاهتمام منصب بالدرجة الاولى على مطالعة الكتب الكلاسيكية ( مؤلفات ماركس وانجلز ولينين) والكتب الشيوعية ( مؤلفات فهد و سعاد خيري و سوسلوف وغيره من المنظرين المعاصرين) وكذلك فإن قراءة الادب الثوري( روايات مكسيم غوركي ومسرحيات بريخت وشعر ناظم حكمت وبابلو نيرودا...الخ ) هو من الواجبات الحزبية.
كان النشاط الحزبي المتضمن الاجتماعات واللقاءات والاحتفاليات و النشاطات الاجتماعية الاخرى يستنزف معظم جهد ووقت اعضاء الحزب مما أثر سلبا" وعلى نحو واضح على المستوى الدراسي للكثير منهم.
وكانت النشاطات الاجتماعية رغم فوائدها فقد كانت هدية مجانية للطرف الآخر للكشف والتعرف على اعضاء الحزب واصدقاءه وتخمين الهيكل التنظيمي مما سهل كثيرا" في عملية ضرب الحزب لاحقا" في خريف ١٩٧٨.
الخلاصة انت تشعر ان الحزب الشيوعي ليس حزبا" سياسيا" بل منتدا" ثقافيا".!
وحول دور الحزب في الثقافة في العراق اقول ان الابداع والموهبة الفنية موجودة مع او بدون الحزب الشيوعي ...لكن الحزب الشيوعي كان يثقف منتسبيه اولا". وكان يرعى المبدعين بشكل غير مباشر بمنحهم فرصة كبيرة للانتشار والشهرة في اوساط المثقفين ثانيا" وكان انتماء المبدع للحزب الشيوعي تمنحه ميزة او شهادة موضع فخر.
في بداية تشرين الثاني عام ١٩٧٦ التحقت بالجامعة في كلية الهندسة وبعد شهر واحد فقط تحول الحلم الى كابوس!
بغداد ليست هي بغداد التي رسمتها في مخيلتي والحياة فيها ليست كما كنت اعتقد.
لم يعطونا قسم داخلي في السنة الاولى وعشت لمدة عام كامل في حالة اشبه بالتشرد .
المطاعم في باب المعظم قذرة وليس من النادر ان تعثر على برغي او مسمار او اي جسم غريب في صحن المرق والمنطقة المجاورة للكلية كانت على درجة كبيرة من الفوضى والتشوه البصري والضوضاء فقد كانت منطلقا" للفورتات الذاهبة الى الكاظمية والعلاوي وغيرها من مناطق العاصمة.
شعرت بفجوة كبيرة بيني وبين الطلبة الذين معي في الشعبة فقد كان عدد كبير منهم من عوائل ميسورة الحال و كان معظمهم من العاصمة وكانت اهتماماتهم ونسقهم الثقافي لا يلائمني على الاطلاق.
كنا اربعة طلاب فقط من المحافظات انا وزميل من الحلة وآخر من الرميثة والرابع من الرمادي.
بعد عدة ايام من بدء الدراسة دعاني احد الطلبة الشيوعيين من قسم دراسي آخر لكنه بلدياتي الى حفلة في احد البيوت بمناسبة ذكرى ثورة اكتوبر و دعا ايضا" المرحوم حسين حميد ابن مدينتي ايضا".
توجهنا نحن الثلاثة الى منطقة الشعب حيث تقام الحفلة وبصراحة لم تكن الحفلة بهيجة فقد اقتصرت على كلمات سياسية مرتجلة وترديد بعض اغاني ( جعفر حسن).
عبر لي صاحبنا حسين حميد عن امتعاضه الشديد لمثل هذه النشاطات الضارة من جهة كشفها لعناصر الحزب في وضع سياسي غير مأمون.
لم اجد في معظم الطلبة الشيوعيين في الجامعة الصورة النمطية في مخيلتي التي تكرست ايام الدراسة الاعدادية في مدينتي.
فقد كانت النرجسية والاهتمام بالذات و حب الظهور هي الغالبة ولم تجد احدا يهتم بمشاكلك او مساعدتك الا عدد قليل ذكرت منهم الشهيد انعتاق الهيتي و المرحوم احمد صادق.
الحزب الشيوعي في كليتنا كان قويا" و بامكانك ان تكتشف هذا بسهولة من خلال زيارتك لنادي الطلبة فتجد العدد الكبير من الطلبة وهم يقرأون جريدة ( طريق الشعب) في عمل استعراضي لا داع له.
كان هذا هو الوضع في السنتين الاولى والثانية من الكلية ففي نهاية السنة الدراسية الثانية حصل حدث غير متوقع كان تدشينا" لمرحلة جديدة في حياة الحزب الشيوعي.
فقد اعدم النظام ( في عهد احمد حسن البكر) واحد و عشرين شيوعيا" من بينهم اللاعب الدولي بشار رشيد بحجة قيامهم بتشكيل تنظيم داخل الجيش.
اخبرني احد الشيوعيين ان تظاهرات سوف تنطلق في بغداد لاستنكار هذا العمل لكن التظاهرة لم تنطلق ابدا".
في السنة الثالثة تغير كل شيء فرغم ان الوضع في بغداد كان اعتياديا" لكن الشيوعيين في باقي المحافظات كانوا تحت رحمة الاجهزة الامنية يتعرضون لحملة من الاعتقالات والتسقيط السياسي وساد في تلك الفترة مصطلح ( تعهد) وهو الورقة التي كانت على الشيوعيين توقيعها لاخراجهم المعتقل.
كانت الورقة تنص على مامعناه ( اتعهد بعدم اخفاء انتمائي او اية معلومات تتعلق بالموضوع واتعهد بعدم الانتماء الى اي حزب سياسي عدا حزب البعث) .
وقعت الغالبية العظمى من الشيوعيين على الورقة والجزء الاخر هرب او اختفى او تمت تصفيته في المعتقلات.
في بغداد لم تبدأ الحملة بعد وكانت جريدة طريق الشعب لازالت تصدر و لازال الوزيران الشيوعيان عامر ومكرم في منصبهما.
لكن الحزب لازال يكابر!
اتذكر اني اخبرت احد الشيوعيين ( البغداديين) ان الشيوعيين في طويريج يتعرضون للملاحقة والاعتقال فأجابني بثقة عالية:
انت متأثر بالدعاية الرجعية !
وقد قاطعني الحزب بعد ذلك حتى نهاية عام ١٩٧٨.
وفي نهاية عام ١٩٧٨ خرجت تظاهرات نظمتها الحكومة لاستنكار العدوان الاسرائيلي على لبنان والقى القيادي الشيوعي رحيم عجينة كلمة الجبهة الوطنية وكأن شيئا" لم يحصل ابدا" وكأن الجبهة لازالت موجودة !
انسحب الشيوعيين في الجامعة واتخذوا الحيطة والحذر لكن الحملة ضدهم لم تبدأ الا اثناء الامتحانات النهائية صيف عام ١٩٧٩رغم اعتقال ( زيد) قبل ذلك لأن السلطة كانت تعتقد انه مسؤول التنظيم في الكلية.
كانت مطاردة الشخص المشكوك بإنتماءه للحزب تبدأ باستدعاءه لمقر الاتحاد الوطني لطلبة العراق فإن لم يوقع ( التعهد) يتم ارساله الى ضابط امن الكلية ( ش .س.) فإن لم يمتثل يتم ارساله الى دوائر الامن.
وقع اغلبية الطلبة الشيوعيين ورقة التعهد وتركوا العمل الحزبي فيما اضطر اخرون الى ترك الدراسة و ذهب بعضهم الى جبال كردستان بعد ان اعلن الحزب شعاره الجديد ( من اجل انهاء النظام الديكتاتوري في العراق ....الخ ) وتبنى الكفاح المسلح فيما تم اعدام بعضهم اتذكر منهم ( انعتاق) و ( جمال ) و ( نه به ز) .
#ابوذر_ياسر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟