ابوذر ياسر
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 14:06
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
الحلقة الاولى: الحزب الشيوعي في مدينة صغيرة:
المدينة او البيئة تعطي من سماتها وروحها للتشكيلات والحركات السياسية اكثر مما تأخذ منها ..تؤثر فيها اكثر مما تتأثر بها. ربما تعطي المدينة الجوهر وتأخذ الشكل .
في مدينتي الفراتية الصغيرة كان الشيوعيون اناس بسطاء طيبون لم يتعمقوا وربما لم يقرأو النظرية الا القليل منهم ربما بعدد اصابع اليد ( عائلة الظاهر رضا وغني واخوتهم ) وعائلة ابو سنة ( مهدي عبد الكريم و فريد سعيد ) واخرون ابرزهم حسين الهنداوي الشخصية المعروفة.
الاغلبية من الشيوعيين في المدينة قادهم للحزب مواقفه الوطنية ايام الحكم الملكي و انحيازه للفقراء وقضاياهم وقوة المثال التي جسدها رموز الحزب في صمودهم وتضحياتهم .
ليس من النادر ان تجد شيوعي في مدينتي يؤدي الصلاة والصوم وبقية الطقوس الدينية ناهيك عن المشاركة في فعاليات شهر محرم الحسينية حتى ان بعض المواكب توصف بأنها مواكب شيوعية كموكب الشبيبة والكفري وآل عنبر بنفس الطريقة التي يوصف بها موكب العباسية الشرقية في كربلاء بأنه موكب الشيوعيين.
وبعض الشيوعيين لا تميزهم على الاطلاق عن المنخرطين في الاسلام السياسي لشدة محافظتهم على الطقوس والشعائر.
في لقاء لي مع احد الشيوعيين القدامي في العرض المسرحي لناهدة الرماح في كربلاء بعد سقوط النظام تحدثنا كثيرا" عن الادب والفن والمسرح واخبرني انه حريص على حضور نشاطات دار المدى يوم الجمعة في شارع المتنبي كما انه حريص على ايضا" على زيارة مرقد الامام الحسين كل امسية خميس !
والدي اخبرني انه كان يحتسي الخمر في خمسينيات القرن الماضي لكنه ترك هذه العادة بعد انتماءه للحزب الشيوعي وانه يوم اعتقاله في ١٤ رمضان كان صائما" .
عرفت المدينة الحزب الشيوعي في اواخر الاربعينات رغم ان بعض ابناء المدينة ممن يسكنون بغداد انتموا الى الحزب قبل ذلك وتشير احد المصادر ان احد الذين حضروا المؤتمر التأسيسي لعصبة مكافحة الاستعمار والاستثمار ( الحزب الشيوعي ) في ٣١ آذار ١٩٣٤ كان من ابناء المدينة .
قال لي احد اقاربي ان عزت مصطفى الطبيب البعثي الذي كان يعمل في طويريج اوائل الخمسينات كان يزوده بادبيات حزب البعث فيما كان قريبي يعطية جريدة ( القاعدة) التي يصدرها الحزب الشيوعي.
على العموم فالمعروف ان عائلة (الظاهر) و (ابوسنة) هي من اوائل من بشر بالفكر الشيوعي في المدينة اضافة الى عدد من المعلمين من بيت المهنا الذين تعرضوا للاعتقال في سجن بعقوبة. من اراد ان يعرف تفاصيل اكثر يمكنه الرجوع الى كتاب (الحزب الشيوعي في الهندية) تأليف اسماعيل السلمان وكتاب ( الهندية بيتنا و بستان بابل ) لحسين الهنداوي وربما كتاب ( صدى السنين) لزكي خيري الذي كان يسكن مع عائلته في طويريج في مقتبل عمره.
ويبدو ان معطي بلور دبس وهو من عائلة ميسورة كان من الشخصيات النشطة في الحزب والمؤثرة في وسطها الاجتماعي قبل ثورة ( انقلاب) ١٩٥٨ استطاع ان يكسب عدد كبير من شباب المدينة بعضهم من العوائل الثرية بمقاييس تلك المدينة الصغيرة. يقول والدي : لقد تعاطفت مع الحزب الشيوعي لأن معطي بلور كان شيوعيا".
ولدت في عام ١٩٥٨ بعد شهرين من الثورة فأسماني أبي ( ثائر) تيمنا" بها ثم استبدل الاسم بعد اربع سنوات ونصف على وقع الخيبات والانتكاسات.
في عام ١٩٥٩ و في الذكرى الاولى للثورة وقع في المدينة حدث جلل فقد حصلت اشتباكات عنيفة بين مؤيدي الحزب الشيوعي و مؤيدي الحزب الوطني الديمقراطي الذين حشدوا الفلاحين استعدادا للحدث وسقط قتيلان من كل طرف ( احدهم معطي بلور) وتم احراق مقر الحزب الشيوعي وانحازت الشرطة و السلطة المحلية ضد الحزب الشيوعي واعتقلت العشرات من الشباب الشيوعيين وتم تقديمهم للمحاكمة امام المجلس العرفي سيء الصيت في بغداد الذي يرأسه شمس الدين الذي اصدر احكام بالاعدام بحق ١٥ شيوعي ( منهم والدي) والسجن بحق آخرين وكل هذا حصل في زمن الزعيم قاسم الذي يعتبره الناس شيوعيا"!
على العموم تم تخفيف الاحكام الى السجن المؤبد ثم اطلق الزعيم سراحهم بعد سنتين .
ذاكرتي تعود حية و واضحة الى اواخر عام عام ١٩٦١ عندما هاجرنا من مدينتنا الى بغداد
و سكنا في بيت مستأجر خلف محل والدي في شارع عشرين في البياع وكنا ثلاثة ابي و امي وانا.
اتذكر ليلة القبض على والدي صيف عام ١٩٦٢ بسبب وشاية سياسية . حينها كنا نائمين في السطح ليلا كما هي عادة الناس آنذاك.
رن جرس البيت اعقبه طرق على الباب فهرع والدي للطابق الاسفل وتبعته انا وكم كانت الصدمة عنيفة عندما فتحنا الباب وكان خلفها عدد من رجال الشرطة بملابسهم الخضراء و ملامحهم اللطيفة التي لا تنم عن اي مسحة عدوانية.
بادرني احدهم بالقول :
اذهب وهات حذاء لوالدك
دخلت الى الداخل واحضرت الحذاء لكني عندما عدت لم اجد ابي ولا رجال الشرطة.
اطلق سراح والدي بعد عدة ايام بوساطة ناظم الزهاوي وزير الاقتصاد الذي تربطه بعمي علاقة وطيدة وبعدها قرر والدي العودة الى طويريج .
عدنا الى طويريج وسارت الحياة بشكل طبيعي وبوتيره هادئه لعدة اشهر قبل لن يقع الزلزال.
ففي صبيحة يوم الجمعه الرابع عشر من رمضان كان راديوا بغداد يذيع البيانات عن الاطاحه بالزعيم (الطاغيه) .
كان الحدث متوقعا" الى حد ما فقد فتح الزعيم على نفسه اكثر من جبهه : طالب بضم الكويت الى العراق واصدر القانون رقم (80) الذي كان ضربه قاسمه لشركات النفط التي تقف وراءها دول عظمى . واصدر قانون الاحوال الشخصية الذي استفز المؤسسة الدينية وضرب القوى اليساريه ومنعها من ممارسة عملها بشكل قانوني وسمح لخصومه القوميين بحرية الحركه وخاصه في الجيش .
في يوم الجمعه كماهي العاده كان اعمامي القادمين من بغداد وعوائلهم عنده في بيتنا وعندما سمعوا بانباء الانقلاب توقعوا ان احداثا" جللا" سوف تقع واستقر رأيهم على مغادرة البيت والاختباء في بيت العائله الكبير بيت ( الملا).
في عصر نفس اليوم داهم ( الحرس القومي) البيت واعتقلوا والدي وارسلوه مع مئات السجناء الى سجن الحله رغم انه قد ترك العمل السياسي منذ عدة اعوام . وقد كان محمود صائما" عندما تم اعتقاله وقد صلى المغرب في الزنزانه المكتظه واستمر بالصوم طيلة رمضان . فيما تم اعتقال عمي بعد عودته الى بغداد في سجن (خلف السدة) بحجة علاقته الوثيقه مع ابراهيم كبه وزير الاقتصاد السابق ومع موظفي الوزارة اليساريين ومنهم الشاعر الفريد سمعان !!
كان سجن الحله يغص بالمعتقلين الذين كانوا بالالاف ولم تكن قواويش السجن تستوعبهم . اطباء ومهندسون ومثقفون وكسبه وجنود كانوا يتعرضون للقسوه البالغه وبسبب ضيق المكان صاروا يضطرون للنوم وهم جالسين وفي المساء كانت تبدأ جلسات التعذيب الجسدي المبرح التي كانت تعكس بشكل صارخ غريزة الانتقام المريضه لدى بعض الناس.
بعد الانقلاب وصدور القرار رقم (13) هرب العديد من شباب المدينه الى البلدان المجاوره
كانت امي وعمتي يصحطبوني الى سجن الحلة في ايام المواجهة و رأيت وانا طفل في الخامسة من عمر معاناة السجناء والمعاناة الاكبر منها : معاناة وحزن الامهات والزوجات .
سقط حكم البعث الاول في تشرين ١٩٦٣ لكن والدي لم يطلق سراحه بشكل نهائي حتى زيارة طاهر يحيى رئيس الوزراء للمدينة عام ١٩٦٥ .
في عام ١٩٦٨ عاد البعث للحكم وهو يرتدي ملابس جديدة مثل ( ابو الويو) وبشعارات جديدة ( ثورة بيضاء) و ( اغلاق السجون) و ( توحيد القوى الوطنية) و (حل القضية الكردية حلا" سليما" عادلا")
في الذكرى الثانية لنكسبة حزيران في يوم ٥ حزيران ١٩٦٧ خرجت تظاهرة صغيرة للشيوعيين في المدينة . لا اعرف مادفع الشيوعيين للتظاهر في اجواء عدم اليقين فربما كانوا يريدون اثبات وجودهم بعد نكسة ١٩٩٦٣ او انهم ارادوا اختبار نوايا السلطة و شعاراتها.
انطلقت المظاهرة من المحلة الشعبية المسماة ( موسكو الصغرى) ووصلت الى سوق المدينة سالكة " كورنيش الفرات.
وعند وصولها بداية السوق اعتلى ( اسماعيل السلمان) احد قنفات مقهى ( فاضل كزكوز) والقى خطابا" لم احفظ منه سوى عبارات ( حلف السنتو ) و ( الامبريالية) و ( العدوان الاسرائيلي).
كان المتظاهرون يحملون لافتة بيضاء مكتوب عليها باللون الاحمر مامعناه ان الحزب الشيوعي العراقي يستنكر عدوان ٥ حزيران.
لم يطل الانتظار فبعد دقائق حضر رجال الامن واعتقلوا اسماعيل السلمان و عدد من المشاركين في التظاهرة.
في صباح ١٢ آذار ١٩٧٠ تكرر نفس الحدث فقد خرج الشيوعيين في تظاهرة طلابية بقيادة ( سمير الظاهر) شقيق ( رضا الظاهر) ترفع شعارات التأييد لبيان ( اتفاقية) آذار لكن التظاهرة تعرضت للقمع وجرى ضرب واعتقال سمير الظاهر وعدد آخر من المتظاهرين.
في الايام الاولى لانقلاب ٦٨ صدق الشيوعيين وعود البعث ومارسوا بعض النشاطات شبه العلنية ومنها خوض الانتخابات الطلابية في ثانوية الهندية للبنين اواخر عام ١٩٦٩ وفيها حص الشيوعيين على ٧٨ صوت مقابل ١٢٠ صوت للبعثيين في اجواء اقل مايقال فيها انها مرعبة.
استطيع القول اني كنت متعاطف مع الشيوعيين بالفطرة بسبب الاجواء العائلية وبسبب ان الشيوعيين الذين اعرفهم كانوا موضع احترام فيما كان الطرف الثاني رمزا" للقسوة .
رغم ذلك فإن مكتبة بيتنا لم تكن تحتوي اي كتاب ماركسي او شيوعي وكانت الغالبية العظمى فيها كتب دينية من قبيل نهج البلاغة و الغدير و المراجعات وبعض القصص والروايات لنجيب محفوظ وغيره.
لكن اطلالتي على الفكر الماركسي وياللغرابة كانت من خلال كتاب ( اقتصادنا ) لمحمد باقر الصدر الذي وصف الشيوعية بأنها الفردوس الارضي ولقد بهرني شعار ( من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته) واعتبرته قمة العدالة والانسانية.
قرأت كتاب اقتصادنا وانا في الثاني المتوسط وحاولت قراءة فلسفتنا لكني لم افهم منه شيء.
يعود اهتمامي بالاخبار السياسية الى الصف السادس الابتدائي فقد كنت اقرأ بشكل يومي جريدة الجمهورية التي كان يجلبها الى بيتنا سعد كمال بكر صاحب المكتبة الوحبدة في المدينة آنذاك اضافة الى مجلة ( الف باء) الاسبوعية .
كنت اتابع بشكل خاص اخبار الثورة الفلسطينية و ( الفدائيين العرب) و خاصة اثناء احداث ايلول عام ١٩٧٠ فقد كنت استمع للاخبار من الراديو والتلفزيون وكنت احفظ واردد اناشيد الثورة الفلسطينية بحماس شديد.
في الصف الثالث المتوسط فاتحني صديقي ( ع. هاء) للانظمام لاتحاد الطلبة وهي منظمة تابعة للحزب الشيوعي .
ترددت كثيرا" لسببين الاول عدم اقتناعي الكامل بالافكار الشيوعية و السبب الثاني خوفي من بطش السلطة لكن حبي للمغامرة والرغبة بالتميز حسم الامر ووافقت على النضمام وبعد فترة وجيزة استطعت اختراق احد اكثر العوائل عداءا" للشيوعية وكسبت احد ابناءنا لاتحاد الطلبة في عمل لازلت نادم عليه لما اصاب تلك العائلة من أذى بسببي.
بعد فترة وجيزة من انتمائي لاتحاد الطلبة تم الاعلان عن انبثاق ( الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) التي وقع ميثاقها احمد حسن البكر وعزيز محمد وسادت البلاد اجواء من الفرح والتفاؤل.
خرجت تظاهرة كبيرة في طويريج اذهلت البعثيين مما دفعهم للاعتداء على بعض المتظاهرين في اليوم الاول للتحالف المشؤوم !
بعد اعلان الجبهة وحتى قبلها بفترة وجيزة كانت المكتبات زاخرة بالكتب الماركسية والشيوعية ومنها مؤلفات ماركس وانجلز ولينين وفهد وكانت مكتبة سعد تعرض هذه الكتب على واجهتها.
وكانت الصحافة الشيوعية تصدر بشكل علني فبالاضافة لمجلة ( الثقافة الجديدة) الشهرية و ( الفكر الجديد) الاسبوعية صدرت (طريق الشعب ) العدد صفر في ايلول ١٩٧٣ الذي صاظف لسوء الطالع في يوم الانقلاب الدموي في تشيلي !
في ايام الاعدادية كنا نقرأ بمتعة صحافة الحزب اضافة الى مؤلفات فهد و تاريخ العراق السياسي الحديث و بعض الكتب الكلاسيكية لفرديرك انجلز اما كتابات ماركس فكنا لا نقترب منها لانها صعبة الفهم !
كان العمل في اتحاد الطلبة لا ينطوي على اي جانب مهني بسبب منعه من ذلك لذلك بقي وجوده شكلي ومجرد واجهة للحزب الشيوعي وينطبق نفس الشيء على اتحاد الشبيبة الديمقراطية ورابطة المرأة .
لقد كنا كاعضاء في الاتحاد الى مضايقات وملاحقات من اعضاء الاتحاد الوطني لطلبة التابع لحزب البعث رغم وجود ( الجبهة الوطنية) لكن هذه المضايقات لم تصل الى درجة الاعتقال .
في الصف السادس الاعدادي عام ١٩٧٥ وبعد قرار السلطة وضع اعضاء اتحاد الطلبة والمنظمات الاخرى تحت طائلة القانون اصدر الحزب الشيوعي قرارا بحل تلك المنظمات وتعرض منتسبيها الى اجراءات تعسفية .
بالنسبة لنا في ثانوية الهندية جرى فصل احد الطلبة بحجة واهية وانا تم فصلي لمدة اسبوع بقرار انضباطي غي مسبب رغم اني كنت الاول على الاعدادية و اعداديات القضاء كله .
في اوائل عام ١٩٧٦ ورغم عدم انتمائي للحزب الشيوعي حضرت كونفرنس في المدينة لمناقشة البرنامج الجديد للحزب الشيوعي الذي سيعرض على المؤتمر الثالث للحزب المنعقد تحت شعار ( من اجل تعزيز وتعميق المسيرة الثورية وتوجه العراق صوب الاشتراكية) واتذكر ان اجابات الرفيق مدير الكونفرنس على اسئلتي غير مقنعة!
في صيف ١٩٧٦ وبعد اكمالي الدراسة انتميت للحزب الشيوعي كمرشح للعضوية وكان مسؤولي طبيب من اهل المدينة خريج رومانيا وكانت روتينية ومملة وكان المسؤول يسهب في الحديث عن الجوانب الانسانية وحب الناس والحياة ولم تكن تشعر ابدا" انك في حزب سياسي !
#ابوذر_ياسر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟