جهاد عقل
(Jhad Akel)
الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 22:14
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
- تحركات عمالية في ألمانيا وفرنسا، وإضرابات مرتقبة في إيرلندا وبلجيكا، ومواجهة تشريعية في بروكسل، فيما تطرح المساواة في الأجور والحقوق التقاعدية تحديات جديدة أمام الحركة النقابية.
تشهد أوروبا خلال أيلول/سبتمبر 2026 سلسلة من التحركات العمالية والنقابية التي تتوزع بين المصانع والخدمات العامة وقطاع الطاقة، وتمتد إلى المؤسسات الأوروبية المعنية بالتشريعات الاقتصادية والاجتماعية.
ففي ألمانيا، يستعد عمال صناعة السيارات لتحركات واسعة دفاعًا عن وظائفهم ومستقبل صناعتهم. وفي فرنسا، تتجه النقابات إلى الإضراب احتجاجًا على تسريح العمال وتدهور أوضاع الخدمات العامة. وفي إيرلندا وبلجيكا وإسبانيا، تتواصل الاستعدادات لتحركات مطلبية تتعلق بالأجور وظروف العمل والسياسات الاقتصادية.
ولا تقتصر هذه التطورات على الاحتجاجات والإضرابات؛ إذ تكشف نشرة المفاوضة الجماعية رقم 14، الصادرة عن الاتحاد الأوروبي لنقابات الخدمات العامة (EPSU) في أيلول 2026، عن مفاوضات واتفاقيات وتحركات نقابية في اثنتي عشرة دولة أوروبية.
وتثير هذه الوقائع سؤالًا نقابيًا يتجاوز حدود كل دولة: هل تشهد الحركة النقابية الأوروبية انتقالًا من الدفاع عن مطالب قطاعية متفرقة إلى بناء أجندة مشتركة لحماية الوظائف والأجور والخدمات العامة والحقوق الاجتماعية؟
- ألمانيا وفرنسا في مقدمة التحركات العمالية
-ألمانيا: مستقبل صناعة السيارات على المحك
يشكل يوم 21 أيلول/سبتمبر محطة مهمة في التحركات العمالية الألمانية، حيث أعلنت نقابة الصناعات المعدنية IG Metall تنظيم أكثر من 280 تحركًا منسقًا، تشمل نحو 100 مصنع وموقع لشركات توريد قطع السيارات، مع توقع مشاركة عشرات الآلاف من العمال.
وتأتي هذه التعبئة في ظل التحديات التي تواجه صناعة السيارات الألمانية، بما فيها إعادة الهيكلة والتحول التكنولوجي والضغوط على العمالة والاستثمار.
وتتمحور مطالب النقابة حول حماية الوظائف، والاستثمار في المصانع والتكنولوجيا والمهارات، وضمان ألا يتحمل العمال وحدهم تكاليف التحولات الصناعية.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن النقاش الأوروبي الأوسع بشأن مستقبل الصناعة والانتقال العادل.
فالاتحاد الأوروبي للنقابات الصناعية أطلق في 17 أيلول حملة تحت شعار "كفى، كفى: صناعة أوروبا، وظائف أوروبا، مستقبلنا"، داعيًا إلى الاستثمار في الإنتاج الأوروبي وحماية الوظائف الصناعية.
وتبرز هنا قضية نقابية أساسية: كيف يمكن إدارة التحول الصناعي والتكنولوجي من خلال الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات إعادة الهيكلة وتسريح العاملين؟
- فرنسا: معركتان في أسبوع واحد
في فرنسا، تتخذ التعبئة النقابية مسارين متوازيين، أحدهما يتعلق بحماية الوظائف في القطاع الخاص، والآخر بالدفاع عن الخدمات العامة.
ففي 22 أيلول، أعلن عمال شركة سوديكسو (Sodexo) للإضراب احتجاجًا على خطة أعلنتها الإدارة لتسريح 1,097 عاملًا، بينهم 963 في فرنسا، وفقًا للبيان النقابي.
وقد أعلن الاتحاد النقابي العالمي تضامنه مع نقابة CGT في الشركة، ومع اتحاد التجارة والخدمات التابع للكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية.
وتطرح هذه القضية مسألة العلاقة بين قرارات الشركات متعددة الجنسيات ومسؤولياتها تجاه العاملين، ودور التنظيم النقابي في مواجهة التسريحات الجماعية.
أما في 29 أيلول، فتستعد نقابات العاملين في الوظيفة العامة الفرنسية لتنظيم إضراب ومظاهرات للمطالبة بزيادة الأجور، وتحسين ظروف العمل، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة للخدمات العامة.
وتشمل التعبئة العاملين في الصحة والتعليم والإطفاء وغيرها من المرافق العامة.
وتؤكد النقابات أن مطالبها لا تتعلق بأوضاع الموظفين وحدهم، بل بمستوى الخدمات التي يحصل عليها المواطنون، في ظل تزايد الاحتياجات المرتبطة بالشيخوخة والرعاية الصحية والتحول البيئي والتكنولوجي.
وهكذا يلتقي المساران الفرنسيان حول قضية مشتركة: حماية العمل وحقوق العاملين، سواء داخل الشركات الخاصة أو في المؤسسات العامة.
- نشرة EPSU تكشف اتساع خريطة المطالب النقابية
تقدم نشرة المفاوضة الجماعية رقم 14 صورة أوسع للتحركات والمفاوضات الجارية في أوروبا.
ففي المملكة المتحدة، طالبت أربع عشرة نقابة في قطاع الصحة باستئناف المفاوضات الحكومية حول إصلاح هيكل الأجور المعروف باسم «أجندة التغيير» (Agenda for Change)، فيما تتواصل نزاعات أخرى تتعلق بالأجور والتغييرات في أماكن العمل والاعتراف بالنقابات.
وفي إسبانيا، أعلنت نقابات الخدمات العامة عن تحركات وإضرابات ومظاهرات خلال الخريف، في إطار نزاعات مطلبية متعددة.
أما في إيرلندا، فتستعد نقابات الخدمات العامة لتحركات منسقة تبدأ في 30 أيلول، تتضمن إضرابًا وطنيًا مخططًا له في 14 تشرين الأول/أكتوبر.
وفي بلجيكا، أعلنت الكونفدراليتان النقابيتان ACV/CSC وABVV/FGTB تنظيم مظاهرة وطنية في بروكسل يوم 9 تشرين الأول /أكتوبر 2026، احتجاجًا على إجراءات التقشف التي تخطط لها الحكومة الاتحادية.
وتكشف هذه المحطات عن تقارب في المطالب المتعلقة بالأجور وظروف العمل والخدمات العامة، مع بقاء السياقات التفاوضية والسياسية مختلفة من دولة إلى أخرى.
أبرز محطات الحراك النقابي ،التحركات المعلنة والمخطط لها في أيلول 2026
21 أيلول | ألمانيا، تحركات عمال السيارات بقيادة IG Metall.
22 أيلول | فرنسا،إضراب عمال سوديكسو ضد خطة التسريحات.
24 أيلول | بروكسل ، تحرك نقابي أوروبي بشأن مشروع EU Inc. وحقوق العمال.
29 أيلول | فرنسا ،إضراب ومظاهرات العاملين في الخدمات العامة.
30 أيلول | إيرلندا، بدء التحركات المنسقة لنقابات الخدمات العامة.
9 تشرين الأول | بلجيكا ،مظاهرة وطنية احتجاجًا على التقشف.
14 تشرين الأول | إيرلندا، إضراب وطني مخطط له في الخدمات العامة.
المواعيد المستقبلية تعكس الإعلانات النقابية، ولا تعني أن التحركات قد نُفذت بالفعل.
- المفاوضة الجماعية تحقق مكاسب أيضًا
لا تقتصر الصورة الأوروبية على النزاعات والإضرابات، بل تتضمن اتفاقيات ونتائج تفاوضية.
ففي النرويج، اختتمت نقابات تابعة لاتحاد LO مفاوضات الأجور المركزية للعاملين في الخدمات الصحية التخصصية الخاصة غير الربحية، محققة زيادة عامة في الأجور.
وفي إيطاليا، وقعت شركة الطاقة إينيل (Enel) والنقابات الوطنية Filctem-CGIL وFlaei-CISL وUiltec-UIL حزمة اتفاقيات في 8 أيلول، أنهت نزاعًا طويلًا بشأن تنظيم وقت العمل في الشبكات.
أما في هولندا، فقد حدد اتحاد FNV مطلبه لزيادة الأجور في جولة المفاوضة الجماعية لعام 2027 بنسبة 5.5%.
وتقدم هذه الحالات أمثلة على تنوع أدوات العمل النقابي، من الإضراب والتظاهر إلى المفاوضة وإبرام الاتفاقيات.
كما تبرز أهمية النظر إلى المفاوضة الجماعية باعتبارها أداة لتنظيم التغيير في أماكن العمل، وليس مجرد وسيلة لتحديد الزيادات السنوية في الأجور.
- بروكسل تتحول إلى ساحة للصراع حول التشريعات العمالية
تتجاوز التحركات النقابية الأوروبية حدود المطالب الوطنية لتصل إلى مستوى التشريعات التي تصوغ قواعد السوق والعمل داخل الاتحاد الأوروبي.
ففي بيان صحفي صدر في 10 أيلول، أعلن الاتحاد الأوروبي للنقابات العمالية (ETUC) التعبئة لتنظيم مظاهرة في بروكسل احتجاجًا على مشروع EU Inc.، الذي تخشى النقابات أن يؤدي إلى إضعاف بعض أشكال الحماية العمالية الوطنية وخلق منافسة تنظيمية بين الدول.
وتطالب النقابات بتشريع أوروبي قوي للوظائف الجيدة، يوفر ضمانات فعلية للعاملين.
وتطرح النقابات أيضًا قضية المشتريات العامة، مطالبة باستخدام العقود الممولة من المال العام لتعزيز جودة الوظائف واحترام الحقوق العمالية.
وتكشف هاتان القضيتان عن اتساع نطاق المطالب النقابية، من التفاوض مع أصحاب العمل إلى محاولة التأثير في القواعد التشريعية التي تنظم نشاط الشركات والأسواق.
فالقوانين المتعلقة بالشركات والمشتريات والاستثمار يمكن أن تؤثر في قدرة النقابات على التفاوض، وفي شروط المنافسة بين المؤسسات، وفي مستوى الحماية المتاح للعمال.
ومن هنا تبرز أهمية التنسيق النقابي الأوروبي في القضايا التي تتجاوز قدرة النقابات الوطنية على معالجتها منفردة.
- المساواة في الأجور والعدالة التقاعدية وجه آخر للمعركة
في 17 أيلول، استضافت دبلن الاجتماع التقني السنوي للتحالف الدولي للمساواة في الأجور (EPIC)، تحت عنوان «النهوض بالسياسات والممارسات الداعمة للمساواة في الأجور».
ويضيف هذا الاجتماع بعدًا مهمًا إلى النقاش النقابي الأوروبي، يتعلق بالفجوات بين أجور النساء والرجال وانعكاساتها على الحماية الاجتماعية.
فبحسب مادة نشرتها سارة كولز، رئيسة الشؤون المالية الشخصية في شركة AJ Bell، في 14 أيلول، تقل أجور النساء العاملات بدوام كامل في المملكة المتحدة عن أجور الرجال بنسبة 6.9% في المتوسط، وفق المقياس المستخدم في المادة.
وتتسع الفجوة مع التقدم في العمر، من 0.9% بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و29 عامًا إلى 12.6% بين من تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر.
والأكثر أهمية أن المادة تشير إلى فجوة تقاعدية بين الجنسين تبلغ 48%.
وتربط كولز هذه الفجوة بتراكم تفاوت الأجور، والانقطاعات المهنية، وانخفاض الاشتراكات التقاعدية المرتبطة بمسؤوليات الرعاية الأسرية. وتكشف هذه المعطيات أن المساواة في الأجور لا يمكن فصلها عن ظروف العمل، وفرص الترقي، وتنظيم ساعات العمل، وتوفير خدمات الرعاية، والحقوق التقاعدية. ومن منظور المفاوضة الجماعية، يفتح ذلك المجال أمام إدراج قضايا المساواة والحقوق التقاعدية ضمن الاتفاقيات الجماعية، بدلًا من حصر المفاوضات في الزيادة المباشرة للأجور.
كما يربط هذا المحور بين الدفاع عن الخدمات العامة، وخاصة خدمات الرعاية، وبين تعزيز قدرة النساء على الاستمرار في العمل والحفاظ على حقوقهن الاجتماعية.
-هل تتجه النقابات الأوروبية نحو تنسيق أوسع؟
تكشف التطورات الراهنة عن وجود مطالب مشتركة بين قطاعات ودول مختلفة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات نشوء موجة إضرابات أوروبية موحدة أو وجود قيادة مشتركة لجميع التحركات.
فالنزاعات في ألمانيا وفرنسا وإيرلندا وبلجيكا تنطلق من ظروف وطنية وقطاعية مختلفة، كما تتفاوت أشكال التعبئة بين الإضرابات والمظاهرات والمفاوضات. ومع ذلك، يمكن رصد ثلاثة اتجاهات تستحق المتابعة:
أولها اتساع نطاق القضايا المطروحة، من الأجور إلى مستقبل الصناعة والخدمات العامة والمساواة والحقوق التقاعدية.
وثانيها تزامن التحركات في عدد من الدول، بما يتيح فرصًا لتبادل الخبرات وتعزيز التضامن النقابي.
أما الاتجاه الثالث، فيتمثل في انتقال بعض المطالب إلى المستوى الأوروبي المشترك، كما يظهر في تحركات ETUC بشأن التشريعات المتعلقة بالشركات والوظائف الجيدة.
ويطرح ذلك تحديًا تنظيميًا أمام الحركة النقابية: كيف يمكن تحويل تقارب المطالب إلى تعاون مستدام، مع احترام اختلاف الأوضاع الوطنية واستقلالية كل منظمة نقابية؟
ولا يتوقف الأمر عند تنسيق المواعيد الاحتجاجية، بل يمتد إلى تبادل المعلومات التفاوضية، وتطوير المطالب المشتركة، وبناء قدرات النقابات في مواجهة التحولات الصناعية والتكنولوجية.
- خريف أوروبي يفتح أسئلة جديدة أمام الحركة النقابية
في الختام نؤكد إن التحركات المعلنة خلال أيلول وتشرين الأول 2026، إلى جانب الاتفاقيات التي أُنجزت والمفاوضات الجارية، تكشف عن نشاط نقابي متعدد الأشكال في أوروبا.
فمن مصانع السيارات الألمانية إلى الخدمات العامة الفرنسية، ومن المفاوضات الصحية في النرويج إلى النزاعات العمالية في إيرلندا، ومن الاحتجاجات في بروكسل إلى النقاش حول المساواة في الأجور، تتقاطع قضايا حماية العمل والحقوق الاجتماعية.
وتبرز من هذه التطورات حقيقة أن مستقبل العمل لا تحدده الأجور وحدها، بل يرتبط أيضًا بالاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والخدمات العامة والمساواة والحماية الاجتماعية.
أما السؤال الذي ستجيب عنه التطورات المقبلة، فهو مدى قدرة النقابات الأوروبية على ترجمة هذا التقارب في المطالب إلى نتائج تفاوضية وتشريعية ملموسة، وإلى أشكال أكثر استدامة من التعاون والتضامن.
فخريف 2026 لا يمثل مجرد جدول مزدحم بالإضرابات والمظاهرات، بل يفتح نقاشًا حول أدوات العمل النقابي وقدرته على التعامل مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه العمال في أوروبا.
المصادر:
الأساسية للمقال: نشرة المفاوضة الجماعية رقم 14 الصادرة عن EPSU في أيلول 2026؛ بيانات IG Metall وindustriAll Europe وCGT وETUC الواردة في المواد المتابعة؛ الاجتماع التقني السنوي لتحالف EPIC في دبلن؛ ومقال سارة كولز الصادر عن AJ Bell بتاريخ 14 أيلول 2026. المقال يعالج التحركات المستقبلية بوصفها إعلانات وخططًا حتى تاريخ 17 أيلول، ولا ينسب إليها نتائج لم تتحقق بعد.
#جهاد_عقل (هاشتاغ)
Jhad_Akel#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟