أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - جهاد عقل - الاتحاد العام للعمال الجزائريين بعد سبعين عامًا: تجديد الهياكل أم استعادة الاستقلالية النقابية؟















المزيد.....


الاتحاد العام للعمال الجزائريين بعد سبعين عامًا: تجديد الهياكل أم استعادة الاستقلالية النقابية؟


جهاد عقل
(Jhad Akel)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 02:50
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


بعد سبعين عامًا على تأسيسه، يقف الاتحاد العام للعمال الجزائريين أمام واحد من أهم الاختبارات في تاريخه. فالمنظمة التي وُلدت في قلب معركة التحرر الوطني، وحملت لعقود مكانة خاصة في الحياة السياسية والاجتماعية الجزائرية، تواجه اليوم أسئلة لا تتعلق بماضيها بقدر ما تتعلق بقدرتها على صناعة مستقبلها.
هل يستطيع الاتحاد استعادة ثقة العمال وتجديد دوره النقابي؟ وهل يكفي تجديد الهياكل والقيادات لتحقيق ذلك، أم أن الإصلاح الحقيقي يتطلب، قبل كل شيء، استعادة استقلالية القرار النقابي، وترسيخ الديمقراطية الداخلية، وإعادة بناء العلاقة بين المنظمة وقواعدها العمالية؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر في ظل مشهد نقابي جزائري لم يعد قائمًا على منظمة واحدة، بل أصبح يعرف تعددية نقابية ووجود تنظيمات مستقلة، إلى جانب تشريعات جديدة لتنظيم الحق النقابي والإضراب، واستمرار النقاش حول شروط الممارسة الفعلية للحريات النقابية.

- من رحم الثورة إلى بناء الدولة
تأسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين في 24 شباط/فبراير 1956، في خضم حرب التحرير، وارتبط تأسيسه بالدور البارز للنقابي والمناضل عيسات إيدير، أول أمين عام للمنظمة.[1]
ولم يكن إنشاء الاتحاد آنذاك مجرد خطوة تنظيمية للدفاع عن الأجور وتحسين ظروف العمل؛ بل جاء في سياق أوسع لبناء حركة عمالية جزائرية مستقلة وربط النضال الاجتماعي والعمالي بمعركة التحرر الوطني.
ومن هنا اكتسب الاتحاد شرعية تاريخية استثنائية، ودفع النقابيون والعمال ثمنًا باهظًا من الاعتقال والقمع والاستشهاد.
وبعد الاستقلال، أصبح الاتحاد إحدى المؤسسات الجماهيرية الأساسية في الجزائر، واقترن دوره بمرحلة بناء القطاع العام والتصنيع والتأميمات والسياسات الاجتماعية. غير أن العلاقة الوثيقة التي نشأت بين النقابة والدولة حملت في داخلها تناقضًا سيزداد وضوحًا مع مرور السنوات:
أين تنتهي الشراكة مع الدولة، وأين تبدأ تبعية المنظمة النقابية للسلطة السياسية؟
سيصبح هذا السؤال لاحقًا أحد المفاتيح الأساسية لفهم أزمة الاتحاد وتحديات تجديده.

- من المركزية النقابية الواحدة إلى التعددية
لم يبق المشهد النقابي الجزائري ثابتًا. ففي سياق التحولات السياسية التي عرفتها الجزائر في نهاية الثمانينيات، جاء القانون رقم 90-14 المؤرخ في 2 حزيران/يونيو 1990 والمتعلق بكيفيات ممارسة الحق النقابي، ليفتح المجال أمام إنشاء تنظيمات نقابية خارج الإطار التقليدي للاتحاد العام للعمال الجزائريين.[2]
وظهرت منذ ذلك الحين نقابات مستقلة، خصوصًا في الوظيفة العمومية والتعليم والصحة والإدارة وقطاعات مهنية أخرى.
ولم يكن ظهور هذه التنظيمات مجرد زيادة في عدد النقابات؛ فقد عبّر أيضًا عن أزمة تمثيل لدى قطاعات من العمال والموظفين الذين بحثوا عن أطر أكثر استقلالًا وقدرة على التعبير المباشر عن مطالبهم المهنية والاجتماعية.
وبذلك انتقلت الجزائر، قانونيًا وعمليًا، من مرحلة الهيمنة شبه المنفردة للاتحاد العام إلى مشهد نقابي تعددي.
لكن الاعتراف بالتعددية شيء، وتوفير الشروط المتكافئة لممارستها شيء آخر. فقد أظهرت التجربة اللاحقة استمرار الخلاف حول التسجيل والاعتراف والتمثيلية والتفاوض والحماية من التمييز المناهض للنقابات، وهي مسائل ظلت حاضرة في ملاحظات أجهزة الرقابة التابعة لمنظمة العمل الدولية.[3]

- معرفة لم تأتِ من الوثائق وحدها
ولم تكن متابعتي لتجربة الاتحاد العام للعمال الجزائريين وليدة قراءة تاريخية أو وثائقية فحسب. فقد أتاحت لي سنوات النشاط النقابي والمشاركة في مؤتمرات نقابية دولية أن ألتقي وأتحاور مع عدد من القيادات النقابية الجزائرية، من بينهم الراحل حسن جمّام، الذي شغل منصب الأمين العام للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب، والمناضل النقابي عبد الحق بن حمودة، الذي التقيته في مؤتمر للكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية (CGT).
كما سبق أن كتبت عن عبد الحق بن حموده وعن حسن جمّام وأجريت مقابلة معه، وهو ما أتاح لي، إلى جانب تلك اللقاءات والحوارات، تكوين معرفة أوسع بدور الاتحاد العام للعمال الجزائريين ومكانته في الحركة النقابية الجزائرية والعربية، وببعض الأسئلة والتحديات التي رافقت مسيرته.
أشير إلى ذلك هنا لا من باب استعادة الذكريات الشخصية، وإنما لأن قراءة تجربة منظمة عريقة مثل الاتحاد لا تكتمل بالوثائق والتشريعات وحدها؛ فهي أيضًا تجربة بشرية حملتها أجيال من النقابيين، واختلفت رؤاهم واجتهاداتهم، لكنهم كانوا جزءًا من تاريخ حركة عمالية تركت بصمتها في الجزائر وفي الحركة النقابية العربية.

- مرحلة سيدي السعيد: أزمة تجاوزت شخص الأمين العام
لا يمكن فهم الأزمة التي أصابت صورة الاتحاد في العقود الأخيرة من دون العودة إلى المرحلة الطويلة التي قاد فيها عبد المجيد سيدي السعيد المنظمة، من عام 1997 حتى 2019.
خلال تلك المرحلة، تعززت لدى قطاعات من المجتمع العمالي والسياسي صورة الاتحاد باعتباره شديد القرب من السلطة، في وقت أخذت فيه النقابات المستقلة تبرز في عدد من القطاعات بوصفها أكثر استعدادًا لخوض الإضرابات والتحركات المطلبية.
ثم جاءت القضايا القضائية التي حوكم فيها سيدي السعيد بعد مغادرته قيادة الاتحاد لتلقي بظلال إضافية على صورة تلك المرحلة. فقد أُدين الأمين العام السابق في قضية فساد، وبعد مسار قضائي انتهى الحكم إلى ثماني سنوات سجنًا نافذًا، وفي أيار/مايو 2023 رفضت الغرفة الجزائية لدى المحكمة العليا الطعن بالنقض وثبتت الحكم الصادر عن مجلس قضاء الجزائر.[4]
لكن من الخطأ اختزال أزمة الاتحاد في شخص سيدي السعيد أو في قضية فساد، مهما كانت خطورتها.
فالسؤال النقابي الأعمق هو:
كيف تستطيع منظمة عمالية كبيرة أن تبني من داخلها آليات ديمقراطية ورقابية تحول دون تركّز السلطة، وتحمي أموال المنظمة واستقلاليتها، وتجعل القيادة مسؤولة بصورة دائمة أمام القواعد التي انتخبتها؟
هنا تتحول القضية من ملف قضائي يتعلق بمسؤول سابق إلى درس أوسع في الحوكمة النقابية والديمقراطية الداخلية والشفافية والمساءلة.

- أعمر تقجوت ومحاولة إعادة ترتيب البيت الداخلي
بعد انتخاب سليم لعباطشة عام 2019، ثم استقالته في آذار/مارس 2023 وتولي حمو توهرية الأمانة العامة بالنيابة، عقد الاتحاد مؤتمره الاستثنائي الرابع عشر في تموز/يوليو 2023. وفي 23 تموز/يوليو انتُخب أعمر تقجوت أمينًا عامًا للاتحاد لمدة خمس سنوات.[5]
ومنذ انتخابه برزت مسألة إعادة تنظيم الاتحاد وتجديد شرعية هياكله في خطاب القيادة الجديدة. فقد أكد تقجوت عند انتخابه أن الأولوية تتمثل في إعادة تنظيم الاتحاد وتمكين هياكله من استعادة شرعيتها، إلى جانب تغيير أساليب العمل وتعبئة العمال.[5]
وهذه قضية تنظيمية حقيقية بالنسبة إلى منظمة كبيرة تراكمت داخلها هياكل انتهت عهداتها أو ضعفت فاعليتها.
كما شهدت الفترة اللاحقة محاولات لإعادة تنشيط العمل في عدد من القطاعات، وفي مطلع 2026 تسلم تقجوت تقرير لجنة داخل الاتحاد اقترحت تعديلات واسعة على القانون 23-02 المتعلق بممارسة الحق النقابي.[6]
ينبغي تسجيل هذه التطورات وعدم التعامل معها مسبقًا باعتبارها مجرد تغييرات شكلية. لكنها تضعنا في الوقت نفسه أمام السؤال الأصعب:هل تجديد الهياكل يعني بالضرورة تجديد العمل النقابي؟

- الانتخابات ليست وحدها ديمقراطية نقابية
يمكن لمنظمة أن تعقد المؤتمرات، وتجدد الاتحادات والفدراليات، وتنتخب أمناء جدداً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها أنجزت تحولًا ديمقراطيًا عميقًا. فالمعيار الحقيقي للديمقراطية النقابية يبدأ من مكان العمل:
هل يستطيع العامل اختيار ممثله بحرية؟ وهل تستطيع القاعدة محاسبة المسؤول النقابي؟ وهل توجد منافسة حقيقية وشفافة على المسؤوليات؟ وهل يعرف الأعضاء كيف تتخذ القرارات وكيف تدار أموال منظمتهم؟
والأهم: هل تنتقل المطالب من العمال إلى القيادة، أم تنتقل القرارات من أعلى الهرم إلى القاعدة؟
وهل تستطيع المنظمة اتخاذ موقف مخالف للحكومة عندما ترى أن سياسة اقتصادية أو اجتماعية معينة تضر بمصالح العمال؟
هذه الأسئلة، لا عدد المؤتمرات والانتخابات وحده، هي التي تحدد مضمون التجديد.

- القانون 23-02 وإعادة تنظيم المشهد النقابي
في 25 نيسان/أبريل 2023 صدر القانون رقم 23-02 المتعلق بممارسة الحق النقابي، ونشر في الجريدة الرسمية رقم 29 بتاريخ 2 أيار/مايو 2023، وألغى القانون 90-14 الذي كان ينظم المجال منذ عام 1990.[7]
ونظم القانون الجديد تأسيس المنظمات النقابية والفدراليات والكونفدراليات والتمثيلية النقابية وعمل الهياكل النقابية وعلاقاتها بالمستخدمين والسلطات. ومن بين التطورات المهمة التي تضمنها إتاحة المجال أمام المنظمات النقابية للعمال والمستخدمين المؤسسة قانونًا للتجمع في فدراليات وكونفدراليات.[7]
ثم صدر القانون رقم 23-08 في 21 حزيران/يونيو 2023، المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية للعمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب.[8]
وهذان القانونان يشكلان اليوم جزءًا أساسيًا من الإطار القانوني الذي تتحرك داخله الحركة النقابية الجزائرية.
لكن صدور التشريع لا يحسم وحده مسألة الحرية النقابية؛ فالعبرة تبقى في مضمون النصوص وفي كيفية تطبيقها على أرض الواقع.

- منظمة العمل الدولية: تقدم تشريعي وملاحظات مستمرة
تكشف متابعة منظمة العمل الدولية للتشريعات والممارسة في الجزائر عن صورة أكثر تعقيدًا من اختزالها في حكم واحد، سواء باعتبارها تقدمًا كاملًا أو تراجعًا كاملًا.

فخلال مناقشة تطبيق اتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98، اعتُبر صدور القانونين 23-02 و23-08 جزءًا من عملية إصلاح واسعة للتشريع النقابي، لكن أجهزة منظمة العمل الدولية واصلت في الوقت نفسه إثارة قضايا تتعلق بالحماية من التمييز المناهض للنقابات وإجراءات التسجيل والتمثيلية واستقلال المنظمات النقابية وعدم التدخل في شؤونها.[9]
وفي أحدث ملاحظاتها، المعتمدة عام 2025 والمنشورة في إطار دورة مؤتمر العمل الدولي لعام 2026، سجلت لجنة الخبراء ورود ملاحظات وشكاوى من الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP) والنقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية (SNAPAP) بشأن تطبيق الاتفاقية رقم 98.[10]
ولا يعني تسجيل هذه الشكاوى أن كل ما ورد فيها أصبح حقيقة قضائية مثبتة؛ لكنه يؤكد استمرار وجود خلافات جدية حول ممارسة الحقوق النقابية تستوجب المعالجة.وهنا يصبح التمييز ضروريًا:
وجود عدة نقابات لا يكفي وحده للقول إن التعددية أصبحت مكتملة؛ المعيار هو قدرة هذه النقابات على العمل والتنظيم والتفاوض بحرية، وفي إطار قواعد واضحة وعادلة.
مفارقة مهمة: الاتحاد العام للعمال الجزائريين (UGTA) نفسه يطالب بتعديل التشريعات
من التطورات اللافتة أن الانتقادات لبعض جوانب التشريع الجديد لم تأتِ فقط من النقابات المستقلة.
ففي المناقشات التي جرت في إطار منظمة العمل الدولية، اعتبر ممثل العمال الجزائري عن الاتحاد العام للعمال الجزائريين أن القانونين 23-02 و23-08 يمثلان، من جهة، تقدمًا من حيث إتاحة إنشاء كونفدراليات تضم نقابات من قطاعات مختلفة، لكنه أشار، من جهة أخرى، إلى أن بعض أحكامهما يمكن أن تُفسر بصورة تقيّد حرية التنظيم واستقلالية النقابات والحق في الإضراب.[11] وطالب الاتحاد بفتح حوار مع الحكومة لمراجعة هذه الأحكام. والأكثر دلالة أن الاتحاد العام والكونفدرالية الجزائرية للنقابات (CSA)، التي تضم مجموعة من النقابات المستقلة، اتفقا على تشكيل إطار عمل لإعداد مقترحات مشتركة لتعديل القانونين وتقديمها للحكومة والحوار بشأنها.[11]
هذه خطوة تستحق التوقف عندها؛ لأنها تكسر الصورة التي تفترض وجود جدار دائم بين الاتحاد التاريخي والنقابات المستقلة، وتفتح إمكانية بناء عمل نقابي مشترك حول قضايا الحرية النقابية والتشريع الاجتماعي. وقد يكون تطور هذا الاتجاه أحد المعايير المهمة التي يمكن على أساسها تقييم تجربة القيادة الحالية.

- العلاقة بالسلطة: الاختبار الأصعب
تبقى العلاقة بالسلطة، في تقديري، العقدة الأساسية في مستقبل الاتحاد العام للعمال الجزائريين. فالقيادة الحالية تقدم الاتحاد باعتباره شريكًا في الحوار الاجتماعي وقوة اقتراح، وتشارك في لقاءات مع الحكومة وأصحاب العمل لمناقشة ملفات اجتماعية واقتصادية.
وهذا ليس عيبًا في ذاته. فالحوار الاجتماعي والمفاوضة مع الحكومة وأصحاب العمل من الوظائف الأساسية لأي حركة نقابية مسؤولة.لكن هناك فارقًا جوهريًا بين الحوار مع السلطة والعمل تحت مظلتها.
فالاستقلالية النقابية لا تعني معارضة الحكومة في كل شيء، ولا تعني الصدام الدائم معها. إنها تعني ببساطة أن يكون معيار الموقف هو مصلحة العمال.
يمكن للنقابة أن تؤيد زيادة في الأجور أو المعاشات أو إجراءً اجتماعيًا حكوميًا يخدم العمال، وأن تعارض في اليوم التالي سياسة أخرى ترى أنها تمس الأجور أو الحقوق أو الحريات النقابية.
وفي شباط/فبراير 2026، على سبيل المثال، ثمّن تقجوت الزيادات في الأجور ومعاشات التقاعد ومنحة البطالة وغيرها من الإجراءات الحكومية.[12] ومن حق منظمة نقابية أن تثمن أي مكسب اجتماعي تراه مفيدًا للعمال. لكن الاختبار الحقيقي لاستقلاليتها يظهر عندما يقع خلاف بين الحكومة والعمال:لمن تكون الأولوية عندئذ؟
هنا تحديدًا يظهر الفرق بين الشراكة الاجتماعية والتبعية السياسية.

-التعددية ليست تهديدًا للاتحاد
من الخطأ النظر إلى النقابات المستقلة باعتبارها مجرد منافس يهدد مكانة الاتحاد العام. فالتعددية يمكن أن تصبح عاملًا إيجابيًا في تجديد الاتحاد العام للعمال الجزائريين (UGTA) نفسه. عندما يصبح العامل قادرًا على الاختيار بين تنظيمات متعددة، تصبح كل منظمة مطالبة بإثبات جدواها في مكان العمل، لا بالاعتماد على تاريخها أو حجمها أو علاقتها بالمؤسسات الرسمية.
وعندئذ تستمد الشرعية من القدرة على التنظيم والمفاوضة والدفاع عن الحقوق وتحقيق المكاسب.
التعددية الحقيقية تدفع النقابات إلى العودة إلى قواعدها، وتحسين خدماتها، وتطوير التكوين النقابي، وتجديد خطابها، والوصول إلى فئات جديدة من العمال. وبهذا المعنى، فإن وجود نقابات مستقلة قوية لا ينبغي أن يكون سببًا في إضعاف الاتحاد العام؛ بل يمكن أن يكون أحد العوامل التي تدفعه إلى استعادة دوره العمالي.

- العمال تغيروا أيضًا
هناك جانب لا ينبغي أن يضيع وسط النقاش حول القيادات والقوانين: الطبقة العاملة الجزائرية نفسها تغيرت.
فالاتحاد الذي تأسس عام 1956 لا يعمل اليوم في عالم 1956، ولا حتى في اقتصاد السبعينيات والثمانينيات.
هناك قطاع خاص، وعمال بعقود غير مستقرة، وبطالة بين الشباب، واقتصاد غير رسمي، وتحولات تكنولوجية ورقمنة وأتمتة، وضغوط على القدرة الشرائية، وتغير مستمر في أشكال التشغيل.

وهذا يطرح أسئلة تتجاوز المنافسة بين الاتحاد العام للعمال الجزائريين والنقابات المستقلة:
من ينظم العمال غير المنظمين؟ وكم من العمال الشباب يرون اليوم في النقابة أداة فعلية لتغيير ظروف حياتهم؟ وما حجم الحضور النقابي الحقيقي في القطاع الخاص؟ وكيف تصل النقابات إلى العمال الهشين والمؤقتين؟ وكيف تتعامل مع الاقتصاد غير الرسمي وأشكال العمل الجديدة؟ وما موقع النساء والشباب في صناعة القرار، وليس فقط في اللجان المخصصة لهم؟
إن تجديد الهياكل القائمة مهم، لكن مستقبل النقابية الجزائرية سيتقرر أيضًا بقدرتها على التنظيم حيث لا توجد نقابة أصلًا.

- من أزمة الاتحاد العام للعمال الجزائريين إلى سؤال مستقبل الحركة النقابية
من هنا، ينبغي ألا يقتصر النقاش على سؤال: كيف نصلح الاتحاد العام للعمال الجزائريين؟
السؤال الأوسع هو:
أي حركة نقابية تحتاج إليها الجزائر في العقود المقبلة؟
هل المطلوب استعادة نموذج المركز النقابي المهيمن، أم بناء حركة نقابية تعددية تستطيع منظماتها التنافس بحرية والتعاون في الوقت نفسه عندما تتعرض الحقوق الأساسية للعمال للخطر؟
وكيف يمكن بناء حوار اجتماعي وطني يستند إلى معايير موضوعية وشفافة للتمثيلية ويضمن مشاركة التنظيمات التي تتمتع بوجود فعلي بين العمال؟
ثم كيف يمكن الانتقال من نقابية يغلب عليها رد الفعل إلى نقابية قادرة على صياغة البدائل الاقتصادية والاجتماعية وتنظيم العمال وبناء القوة التفاوضية داخل أماكن العمل؟
هذه الأسئلة تتعلق بـالاتحاد العام للعمال الجزائريين، لكنها تتعلق أيضًا بالنقابات المستقلة وبالدولة وأصحاب العمل.

- إصلاح الاتحاد: الهياكل وحدها لا تكفي
من هذه الزاوية، تبدو الدعوات إلى «إصلاح حقيقي وجذري» جديرة بالاهتمام.
فإعادة الاعتبار إلى القاعدة، وترسيخ الشفافية، واعتماد الكفاءة والنزاهة في تولي المسؤوليات، وتطوير التكوين النقابي، وتجديد أساليب التواصل، وتعزيز الرقابة والمساءلة، كلها شروط أساسية لإعادة بناء الثقة.
لكن ينبغي إضافة شرط آخر لا يقل أهمية:
الإصلاح التنظيمي من دون استقلالية نقابية سيبقى ناقصًا.
يمكن تجديد جميع الفروع والفدراليات والاتحادات الولائية، لكن إذا بقي القرار النقابي خاضعًا للحسابات السياسية، فإن المنظمة تكون قد غيرت هياكلها من دون أن تعالج جوهر أزمتها.
ويمكن إشراك الشباب والنساء، لكن المشاركة لا تصبح تجديدًا حقيقيًا إلا عندما تمنحهم قدرة فعلية على التأثير في القرار.
ويمكن تطوير التكوين النقابي، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحول النقابي المتكون إلى منظم للعمال، ومفاوض باسمهم، وقائد خاضع لمساءلتهم.

- بين إرث 1956 وتحديات 2026
بعد سبعين عامًا، يقف الاتحاد العام للعمال الجزائريين بالفعل أمام مفترق طرق.
فهو يمتلك شيئًا لا تستطيع أي منظمة جديدة أن تصنعه بسهولة: تاريخًا طويلًا، وذاكرة نضالية مرتبطة بتحرير الجزائر، وانتشارًا تنظيميًا، وخبرة متراكمة، وحضورًا داخل قطاعات مهمة.لكن التاريخ يمنح رصيدًا أخلاقيًا، ولا يمنح أي منظمة شرعية نقابية أبدية.
فالشرعية النقابية تتجدد كل يوم في المصنع والميناء والمدرسة والمستشفى والإدارة والمنجم وموقع البناء؛ عندما يشعر العامل بأن النقابة صوته، وأن ممثله مسؤول أمامه، وأن التنظيم الجماعي يمنحه قوة لا يستطيع امتلاكها منفردًا.
ومن هنا فإن التحدي الذي تواجهه القيادة الحالية أكبر من مجرد تجديد الهياكل. إنه يتعلق بإعادة تعريف علاقة الاتحاد بثلاثة أطراف أساسية:

- العامل، والسلطة، والديمقراطية الداخلية.
وفي المقابل، فإن مستقبل الحركة النقابية الجزائرية لا يتوقف على إصلاح UGTA وحده. فالتعددية النقابية تحتاج هي الأخرى إلى قواعد واضحة وعادلة، وحرية فعلية في التنظيم، وحماية من التمييز، ومساواة في ممارسة الحقوق، ومنافسة تقوم على ثقة العمال لا على الامتياز الإداري أو السياسي.
لذلك يمكن اختصار معادلة الإصلاح في مسارين متلازمين:
إصلاح الاتحاد من الداخل، وترسيخ التعددية والاستقلالية النقابية في المجتمع من الخارج.
لقد تأسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين سنة 1956 لأن العمال الجزائريين احتاجوا إلى منظمة وطنية تعبّر عن إرادتهم وتربط تحرر العامل بتحرر الوطن.
وبعد سبعين عامًا، قد يكون الوفاء الحقيقي لذلك التاريخ ليس في استعادة احتكار الماضي، وإنما في استعادة المبدأ الذي أعطى ذلك التاريخ معناه:أن يكون العمال أحرارًا في تنظيم أنفسهم، وأن تكون الكلمة الأولى والأخيرة في النقابة للعمال.

الهوامش والمصادر
[1] بن يوسف بن خدة، «الاتحاد العام للعمال الجزائريين ودور عيسات إيدير»، Le Quotidien d’Algérie، 4 أيار/مايو 2011؛ وانظر كذلك إصدار الاتحاد الخاص بالذكرى الخامسة والستين، UGTA 1956–2021.
[2] الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، القانون رقم 90-14 المؤرخ في 2 حزيران/يونيو 1990 المتعلق بكيفيات ممارسة الحق النقابي، الجريدة الرسمية رقم 23 لسنة 1990.
[3] منظمة العمل الدولية، تقارير وملاحظات لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات (CEACR) بشأن الجزائر، إلى جانب ملفات لجنة الحرية النقابية ذات الصلة بالتنظيمات النقابية المستقلة.
[4] «المحكمة العليا ترفض إعادة محاكمة سيدي السعيد»، الترا جزائر، 21 أيار/مايو 2023، نقلًا عن الشروق أونلاين.
[5] «Amar Takdjout, nouveau SG de l’UGTA»، 23 تموز/يوليو 2023، نقلًا عن وكالة الأنباء الجزائرية؛ وانظر أيضًا Inter-lignes، «UGTA: Amar Takdjout nouveau secrétaire général»، 23 تموز/يوليو 2023.

[6] «المركزية النقابية تتسلم تقرير تعديلات قانون الحق النقابي»، الحراك الإخباري، 8 كانون الثاني/يناير 2026.

[7] الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، القانون رقم 23-02 المؤرخ في 25 نيسان/أبريل 2023 المتعلق بممارسة الحق النقابي، الجريدة الرسمية، العدد 29، 2 أيار/مايو 2023.
[8] الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، القانون رقم 23-08 المؤرخ في 21 حزيران/يونيو 2023 المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية للعمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب، الجريدة الرسمية، العدد 42، 25 حزيران/يونيو 2023.
[9] منظمة العمل الدولية، لجنة تطبيق المعايير في مؤتمر العمل الدولي، مناقشة حالة الجزائر وتطبيق اتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98.
[10] منظمة العمل الدولية، لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات (CEACR)، Observation – Right to Organise and Collective Bargaining Convention, 1949 (No. 98) – Algeria، ملاحظة معتمدة عام 2025 ومنشورة للدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي، 2026.
[11] منظمة العمل الدولية، سجل مناقشات تطبيق الاتفاقية رقم 98 في الجزائر، بما في ذلك مداخلة ممثل العمال عن UGTA والإشارة إلى العمل المشترك بين الاتحاد والكونفدرالية الجزائرية للنقابات (CSA).
[12] الإذاعة الجزائرية، «تقجوت يثمن المكاسب الهامة التي حققتها الجزائر في السنوات الأخيرة»، 23 شباط/فبراير 2026.

*ملاحظة توثيقية
جرى في هذا المقال الفصل بين ثلاثة مستويات من المعلومات: الوقائع التاريخية والقانونية والقضائية الموثقة؛ ومواقف الاتحاد العام للعمال الجزائريين وقيادته؛ والملاحظات أو الشكاوى المقدمة من النقابات المستقلة وأجهزة الرقابة في منظمة العمل الدولية.
وعليه، فإن الإشارة إلى شكوى أو ادعاء قدمته منظمة نقابية لا تعني تبنيه باعتباره حقيقة قضائية ثابتة، وإنما توثيقه بوصفه جزءًا من واقع الجدل حول الحرية والتعددية النقابية في الجزائر.
كما أن تقييم علاقة الاتحاد العام للعمال الجزائريين (UGTA) بالسلطة، والتمييز بين "الحوار الاجتماعي"و"التبعية السياسية"، يمثل قراءة تحليلية للكاتب وليس واقعة قانونية منسوبة إلى مصدر بعينه.



#جهاد_عقل (هاشتاغ)       Jhad_Akel#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقافة نقابية:أمبيت يوسون.. مسيرة نقابية من الفلبين إلى قيادة ...
- من الدنمارك إلى الولايات المتحدة: عندما تصبح قوة النقابات قو ...
- 131 عامًا على الحلف التعاوني الدولي: التعاون في مواجهة فردان ...
- الديمقراطية تبدأ من مكان العمل: لماذا تشكّل قوة النقابات خط ...
- البطالة والحصار والاستيطان: اقتصاد يُدفع نحو الاختناق
- غسان صليبا.. النقابي الأممي الذي جعل التضامن جسراً بين العما ...
- الشباب وتجديد الحركة النقابية: من التمثيل إلى القيادة
- من العمل السري إلى التنظيم العلني ،جذور الحركة النقابية العر ...
- من ديترويت إلى أديلايد- مؤتمرات النقابات العالمية ترسم ملامح ...
- من الحر القاتل إلى إسكات النقابات: لماذا وضع العالم الولايات ...
- مؤتمر اتحاد عمال السيارات الأمريكي (UAW): من نقابة قطاعية إل ...
- الحرارة لم تعد ظرفاً مناخياً… بل قضية حقوق عمالية (2-2)
- الحرارة لم تعد ظرفاً مناخياً… بل قضية حقوق عمالية (1-2)
- العمل اللائق أولاً: لماذا ترى الحركة النقابية العالمية أن إن ...
- بين أرقام الأمم المتحدة وصوت العمال هل تكفي مؤشرات التنمية ا ...
- ترامب وماسك والحرب على الدولة والنقابات: هل انتهت تجربة DOGE ...
- مؤشر الحقوق العالمي 2026: حين يصبح الهجوم على النقابات هجوما ...
- اليوم العالمي للخدمة العامة: عمال الخدمات العامة بين التحديا ...
- الحركة النقابية الأمريكية تستعيد قوتها: من مينيابوليس إلى دي ...
- العمال الفلسطينيون بين الحاجة الاقتصادية والتجريم الأمني: من ...


المزيد.....




- الجامعة العمالية من 1985 الى 2026… حكاية جامعة بتتجدد
- هيئة مكتب نقابة المهندسين تبحث مع مجالس الشعب الهندسية آليات ...
- التعليم العالي:جامعة طنطا تطلق «TUI² FORUM 2026» لربط الابتك ...
- نقيب المحامين يفتتح أعمال تطوير وتجديد مقر نقابة جنوب الجيزة ...
- الملك تشارلز يحسم الجدل: هاري وميغان لا يزالان من أفراد العا ...
- طفرة وظائف الذكاء الاصطناعي تؤجل أزمة البطالة في أمريكا
- بعد وقائع انتحال المهنة.. نقابة الأطباء تتيح للمواطنين التأك ...
- “الزراعة”: تعاون بين اتحاد منتجي ومصدري الحاصلات البستانية و ...
- سويلم يتفقد المنظومة المائية بمحافظة السويس ويلتقي المزارعين ...
- القنيطرة.. وقفة احتجاجية أمام مقر -الأندوف- للمطالبة بالمعتق ...


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - جهاد عقل - الاتحاد العام للعمال الجزائريين بعد سبعين عامًا: تجديد الهياكل أم استعادة الاستقلالية النقابية؟