جهاد عقل
(Jhad Akel)
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 22:43
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
مقدمة
يصدر قريبًا للباحث وجدي جميل حسن كتابه الجديد "سامي طه.. نقيب العمال الأول، هل قُتل مظلومًا؟"، الذي يتناول جانبًا مهمًا من تاريخ الحركة النقابية والعمالية العربية الفلسطينية من خلال سيرة إحدى أبرز شخصياتها النقابية، سامي طه، وما أحاط بمسيرته ونهايته من أحداث وأسئلة تاريخية.
وكان قد أرفق الباحث بكتابه ملحقًا وثائقيًا يتضمن وثيقة تستحق التوقف عندها لما تحمله من أهمية في تأريخ إحدى المراحل المبكرة للتنظيم العمالي الفلسطيني. إنها الوثيقة الصادرة عن دار الحكومة في حيفا بتاريخ 8 آب/أغسطس 1925، والتي تؤكد التسجيل الرسمي لـجمعية العمال العرب الفلسطينية لدى سلطات الانتداب البريطاني.
لأهمية هذه الوثيقة، وما تفتحه من باب لإعادة قراءة مرحلة تأسيسية من تاريخ الحركة النقابية العربية الفلسطينية، تأتي هذه المقالة/الدراسة احتفاءً بقرب صدور الكتاب، وتقديرًا للجهد الذي بذله الباحث في إضاءة جانب من تاريخ الحركة النقابية الفلسطينية واستحضار وثائقها وشخصياتها.
غير أن وثيقة 8 آب 1925، على أهميتها، لا تمثل بداية النشاط النقابي العربي الفلسطيني، ولا يمكن قراءتها بمعزل عن المسار الذي سبقها. فالتسجيل القانوني محطة في تاريخ التنظيم، وليس تاريخ ولادة الحركة العمالية التي أنتجته.
ومن هنا يبرز السؤال الذي نحاول مقاربته: كيف انتقلت الحركة العمالية العربية الفلسطينية خلال عشرينيات القرن الماضي من النشاط العمالي والنقابي، بما فيه النشاط السري، ومن المبادرات التنظيمية لعمال السكك الحديدية العرب في حيفا، إلى بناء أطر عمالية علنية وقانونية، وصولًا إلى مؤتمر 11 كانون ثاني/يناير 1930؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تضع وثيقة 8 آب 1925 في موقعها التاريخي الصحيح: ليست شهادة ميلاد للحركة النقابية العربية الفلسطينية، وإنما وثيقة رسمية مهمة في مسيرة تنظيمية ونضالية بدأت قبلها بسنوات واستمرت بعدها وتطورت.
البدايات أوسع من تاريخ التسجيل
ليست كتابة تاريخ الحركة النقابية الفلسطينية مجرد استعادة لأسماء النقابيين والنقابات والمؤتمرات وتواريخ تأسيسها، بل هي محاولة لفهم الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نشأ فيها التنظيم العمالي، والقوى التي أسهمت في بنائه، والتداخل بين النضال الاجتماعي والوطني والسياسي في ظل الانتداب البريطاني.
للدقة التاريخية، ينبغي التمييز بين بدايات النشاط النقابي العربي الفلسطيني وبين تاريخ ظهور جمعية العمال العرب الفلسطينية بوصفها تنظيمًا علنيًا معترفًا به قانونيًا وهذا ما أشار اليه الباحث بشكل ما.
فخلال عشرينيات القرن الماضي، كان يتبلور نشاط عمالي ونقابي عربي فلسطيني شارك فيه، إلى جانب عمال ونشطاء من اتجاهات مختلفة، عمال ونقابيون شيوعيون عرب خاصة في مدن يافا، القدس وحيفا . وكان جانب من نشاط الشيوعيين يجري سرًا بسبب حظر سلطات الانتداب البريطاني للتنظيم الشيوعي وملاحقة أعضائه ونشاطه.
من هنا كان هناك مساران متداخلان: نشاط سياسي وتنظيمي يجري بعضه في السر، ومحاولات عمالية لبناء أطر علنية تستطيع ممارسة نشاطها بصورة قانونية.
لذلك فإن البحث عن يوم واحد بوصفه "بداية" الحركة النقابية الفلسطينية يقود إلى قراءة ناقصة للتاريخ. فالحركات الاجتماعية لا تولد بختم إداري، وإنما تتكون عبر تراكم التجارب والصراعات والوعي ومحاولات التنظيم.
عمال السكك الحديدية… نواة تنظيمية مبكرة
في هذه البيئة برز عمال السكك الحديدية العرب في حيفا بوصفهم إحدى النوى الأساسية للتنظيم العمالي الفلسطيني.
فمنذ عام 1920 بدأ هؤلاء العمال نشاطًا تنظيميًا، ثم افتتحوا عام 1923 "نادي عمال سكة الحديد"، في خطوة عكست انتقال النشاط من المبادرات الأولية إلى محاولة بناء إطار عمالي أكثر انتظامًا وعلنية.لم يكتف العمال بإنشاء النادي، بل تقدموا إلى سلطات الانتداب بطلب لتسجيل تنظيمهم والحصول على التصريح القانوني لممارسة نشاطهم وفق قانون الجمعيات.
لكن الرد لم يكن سريعًا،فقد انتظر العمال نحو سنة ونصف السنة حتى وصلت الإجابة في 21 آذار/مارس 1925، وهو التاريخ الذي اعتمدته الجمعية لاحقًا يومًا لتأسيسها، هناك من يعتقد من الباحثين بأن سبب التأخير هو محاولات صهيونية ممثلة بنقابتهم “الهستدروت”، في محاولة منها لمنع تشكيل تنظيم نقابي عربي فلسطيني من أجل الإدعاء بأنهم هم من يمثلون العمال في فلسطين وعرض ذلك في المحافل الدولية .
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاث محطات كثيرًا ما يمكن أن تختلط عند قراءة التاريخ: بداية النشاط التنظيمي، وتاريخ التأسيس الذي اعتمدته الجمعية، وتاريخ تسجيلها الرسمي لدى السلطات.
8 آب 1925… الوثيقة التي تثبت التسجيل الرسمي
هنا تأتي الوثيقة التي نشرها الباحث وجدي جميل حسن في ملحق كتابه لتضيف حلقة توثيقية بالغة الأهمية.
ففي رسالة صادرة عن دار الحكومة في حيفا بتاريخ 8 آب/أغسطس 1925، يشير مفوض اللواء إلى مراسلة مؤرخة في 18 تموز/يوليو 1925 بشأن الجمعية، ويبلغ المعنيين بأن جمعية العمال العرب الفلسطينية (Palestine Arab Workmen Society) قد سُجلت رسميًا. لا تقتصر أهمية الوثيقة على إثبات التسجيل وتاريخه، بل تكشف أيضًا عن صلة الجمعية المباشرة بعمال السكك الحديدية؛ فالرسالة موجهة إلى: عيد سليم، سكرتير جمعية العمال العرب الفلسطينية، لدى قسم العربات في سكك حديد فلسطين – حيفا.
وهذا العنوان ليس مجرد تفصيل إداري. إنه يعيدنا إلى البيئة العمالية التي خرجت منها إحدى القوى الأساسية للتنظيم: عمال السكك الحديدية العرب في حيفا.
وتطلب السلطات في الرسالة كذلك إبلاغها بأي تغيير يطرأ على أنظمة الجمعية أو لجنتها فور حدوثه.
كما تكشف هذه الإشارة عن وجه آخر للاعتراف القانوني؛ فالتسجيل أتاح للجمعية العمل بصورة علنية، لكنه وضعها في الوقت نفسه ضمن دائرة المتابعة والرقابة الإدارية لسلطة الانتداب.
بين العمل العلني والنشاط السري
لكن تاريخ الحركة النقابية الفلسطينية لا يمكن قراءته فقط من خلال الملفات التي وافقت سلطات الانتداب على تسجيلها، فإلى جانب الجمعيات والأندية العمالية العلنية، كان هناك نشاط لا تظهر تفاصيله دائمًا بالصورة نفسها في الوثائق الرسمية، ومنه نشاط العمال والنقابيين الشيوعيين العرب.
إن سبب حظر التنظيم الشيوعي وملاحقته، اضطر أعضاؤه وناشطوه إلى ممارسة جانب من نشاطهم في ظروف سرية، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على حضورهم داخل الأوساط العمالية والنقابية وعلى الطريقة التي ظهروا بها، أو لم يظهروا بها، في الوثائق والسجلات العلنية.
هنا تبرز إحدى الخصائص المهمة لتلك المرحلة: قد يكون العامل ناشطًا نقابيًا بصورة علنية، وفي الوقت نفسه منخرطًا في نشاط سياسي وتنظيمي لا يستطيع الإفصاح عنه أمام سلطات الانتداب، وهذه الحقيقة مهمة لفهم ما سيظهر بصورة أوضح مع تطور الحركة العمالية في نهاية العقد.
11 كانون ثاني/ يناير1930… حصيلة عقد من التراكم
يشكل المؤتمر التأسيسي للجمعية في 11 كانون ثاني/يناير 1930 محطة نوعية في هذا المسار.
فالمؤتمر لم يبدأ من فراغ، بل جاء بعد نحو عقد من التجارب العمالية والتنظيمية: نشاط عمال السكك الحديدية منذ 1920، وافتتاح نادي العمال، ومحاولات الحصول على الاعتراف القانوني، ثم التسجيل الرسمي للجمعية، بالتوازي مع نشاط نقابي وسياسي آخر كان بعضه يتحرك في ظروف السرية والملاحقة، وفي هذا السياق يمكن فهم حضور عدد بارز من العمال والنقابيين الشيوعيين في المؤتمر.
ولأن إعلان الهوية التنظيمية الحزبية كان محفوفًا بالملاحقة في ظل موقف سلطات الانتداب من التنظيم الشيوعي، فإن هؤلاء لم يكونوا بالضرورة قادرين على الإفصاح عن انتمائهم الحزبي في إطار نشاطهم النقابي العلني، هنا تبرز قاعدة منهجية مهمة عند قراءة التاريخ: غياب الصفة الحزبية عن السجل أو الوثيقة العلنية لا يعني بالضرورة غياب صاحبها عن النشاط السياسي والتنظيمي السري،لهذا لا تكفي الوثائق الإدارية وحدها لإعادة بناء الصورة الكاملة الأمر الذي تنبه له الباحث في كتابه.
إبراز دور الشيوعيين دون اختزال التاريخ
إن إبراز دور الشيوعيين العرب في هذه المرحلة لا يعني اختزال نشأة الحركة النقابية الفلسطينية في تيار سياسي واحد،فالحركة العمالية الفلسطينية نشأت في ظروف اقتصادية واجتماعية ووطنية معقدة، وأسهم في بنائها عمال وقيادات واتجاهات متعددة،لكن الإنصاف التاريخي يقتضي، في الوقت نفسه، عدم إسقاط دور العمال والنقابيين الشيوعيين العرب من الرواية التاريخية، ولا سيما أن طبيعة نشاطهم السري وملاحقتهم جعلت جانبًا من حضورهم أقل ظهورًا في الوثائق الرسمية.
ولهذا فإن إعادة بناء تلك المرحلة تتطلب الجمع بين الوثيقة الرسمية والصحافة العمالية والسياسية والمذكرات والشهادات ومحاضر الاجتماعات والمؤتمرات والسير الشخصية للمناضلين، ومقارنة هذه المصادر بعضها ببعض.
فالتاريخ الذي كتبته الإدارة الاستعمارية في ملفاتها ليس بالضرورة التاريخ الكامل للحركة التي كانت تراقبها،من 1920 إلى 1930… محطات في مسار واحد،يمكن، في ضوء ذلك، رسم خط زمني يساعد على فهم المرحلة:
1920: بداية نشاط تنظيمي بين عمال السكك الحديدية العرب في حيفا وفي يافا أيضاً.
1923: افتتاح «نادي عمال سكة الحديد» والتقدم بطلب التسجيل والتصريح القانوني.
21 آذار/مارس 1925: وصول الرد بعد نحو سنة ونصف السنة، وهو التاريخ الذي اعتمدته الجمعية يومًا لتأسيسها.
8 آب/أغسطس 1925: الوثيقة التي تثبت التسجيل الرسمي لجمعية العمال العرب الفلسطينية.
11 كانون ثاني/يناير 1930: انعقاد المؤتمر التأسيسي الذي مثّل محطة متقدمة في مسيرة التنظيم والتراكم النقابي.
هذه ليست تواريخ منفصلة، وإنما محطات متتابعة في عملية تاريخية واحدة، لكل منها معناها وموقعها.
تاريخ كتبته أيدي العمال
تكمن القيمة الكبرى لوثيقة 8 آب 1925 في أنها لا تخبرنا فقط بأن سلطات الانتداب وافقت على تسجيل جمعية عمالية عربية، بل تقودنا إلى قصة أوسع بكثير من مضمون الرسالة الإدارية نفسها.
إنها قصة عمال بدأوا تنظيم أنفسهم قبل الاعتراف الرسمي بهم؛ وعمال سكك حديد جعلوا من بيئة العمل مساحة لبناء التنظيم؛ ونقابيين ومناضلين اضطر بعضهم إلى الجمع بين النشاط النقابي العلني والعمل السياسي السري؛ وتجارب تراكمت حتى أخذت الحركة العمالية العربية الفلسطينية أشكالًا تنظيمية أكثر اتساعًا ونضجًا،لذلك، عندما نكتب تاريخ الحركة النقابية العربية الفلسطينية، ينبغي ألا نبدأ من ختم الموظف البريطاني على ورقة التسجيل،فالتسجيل الرسمي وثّق وجود التنظيم، لكنه لم يصنعه.
وراء الوثيقة كانت هناك سنوات من التنظيم والوعي والنضال العمالي، وكانت هناك اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة تنشط في ظروف صعبة، ومن بينها الشيوعيون العرب الذين كان لهم حضور في الأوساط العمالية والنقابية، رغم اضطرارهم إلى ممارسة جانب من نشاطهم في السر.
ومن هنا يمكن قراءة السنوات 1920–1930 بوصفها عقدًا تأسيسيًا مهمًا في تاريخ الحركة النقابية العربية الفلسطينية؛ عقدًا شهد انتقالًا تدريجيًا من المبادرات العمالية الأولى والنشاط السري والأندية العمالية إلى الأطر النقابية العلنية والمؤتمرات المنظمة.
وهكذا، فإن الوثيقة التي أعاد الباحث وجدي جميل حسن إظهارها في ملحق كتابه عن سامي طه لا تستعيد أمامنا تاريخ تسجيل جمعية فحسب، بل تدعونا إلى إعادة فتح صفحة كاملة من تاريخ العمال الفلسطينيين.
إنها، في النهاية، ليست قصة تأسيس جمعية فقط.
إنها فصل من قصة تشكّل الطبقة العاملة العربية الفلسطينية قوةً اجتماعية منظمة، تسعى إلى الدفاع عن حقوقها، وبناء صوتها المستقل، وأخذ مكانها في الحياة الوطنية الفلسطينية.
#جهاد_عقل (هاشتاغ)
Jhad_Akel#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟