جهاد عقل
(Jhad Akel)
الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 00:48
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
عقد المنتدى السياسي الرفيع المستوى لعام 2026 للأمم المتحدة في نيويورك أيام 7-15 تموز الجاري* ، كان موضوع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والمنتدى السياسي الرفيع المستوى لعام 2026 هو: "إجراءات تحويلية وعادلة ومبتكرة ومنسقة من أجل خطة عام 2030 وأهداف التنمية المستدامة التابعة لها، تحقيقاً لمستقبل مستدام للجميع". والأهداف التي ستخضع لاستعراض متعمق هي: الهدف 6 (المياه النظيفة والنظافة الصحية)، والهدف 7 (طاقة نظيفة وبأسعار معقولة)، والهدف 9 (الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية)، والهدف 11 (مدن ومجتمعات محلية مستدامة)، والهدف 17 (عقد الشراكات لتحقيق الأهداف).
قراءة تحليلية في وثيقة الاتحاد الدولي للنقابات المقدمة إلى المنتدى السياسي الرفيع المستوى للأمم المتحدة (HLPF 2026)
مجموعة العمال والنقابات العمالية الرئيسية: ورقة موقف قطاعية للمنتدى السياسي رفيع المستوى 2025.
-لم تعد الحركة النقابية الدولية تنظر إلى أهداف التنمية المستدامة باعتبارها مجرد برنامج أممي للتنمية الاقتصادية أو حماية البيئة، بل أصبحت ترى فيها معركة سياسية واجتماعية تتعلق بمستقبل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال. ومن هذا المنطلق جاءت وثيقة “العمل اللائق والديمقراطية في صميم أهداف التنمية المستدامة” ، التي أعدتها مجموعة العمال والنقابات العمالية،بقيادة "الاتحاد الدولي للنقابات العمالية" ومقره مدينة بروكسل، لتكون واحدة من أهم الوثائق النقابية الدولية لعام 2026، إذ تقدم رؤية متكاملة لإنقاذ أجندة الأمم المتحدة 2030 من خلال إعادة الاعتبار للعمل اللائق والعدالة الاجتماعية.
-العالم يبتعد عن أهداف 2030
تنطلق الوثيقة من تشخيص شديد الوضوح، فبعد مرور أكثر من نصف المدة الزمنية لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة، تشير معظم المؤشرات إلى أن العالم يسير في الاتجاه المعاكس.
فالحروب، وتصاعد النزعات السلطوية، واتساع نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، والتراجع التاريخي في المساعدات الإنمائية، وتفاقم أزمة المناخ، جميعها عوامل أدت إلى تعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء وإضعاف قدرة الدول عامة، وتتعاظم تلك الفجوة بشكل خاص لدى الدول النامية، على تنفيذ التزاماتها الاجتماعية والتنموية. كما تحذر الوثيقة من أن الديمقراطية نفسها أصبحت مهددة، وأن الهجوم على المؤسسات متعددة الأطراف، بما فيها الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية، ينعكس مباشرة على حقوق العمال ومستقبل التنمية.
ومن هنا تؤكد الحركة النقابية أن أزمة التنمية ليست أزمة تمويل فقط، وإنما أزمة نموذج اقتصادي عالمي يضع الأرباح قبل الإنسان.
- العمل اللائق… مفتاح جميع أهداف التنمية
الرسالة الأبرز في الوثيقة تتمثل في أن الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة (العمل اللائق والنمو الاقتصادي) ليس مجرد هدف من بين سبعة عشر هدفاً، بل هو المحرك الذي تتوقف عليه إمكانية تحقيق بقية الأهداف.
فلا يمكن الحديث عن القضاء على الفقر، أو تحقيق المساواة، أو بناء مدن مستدامة، أو مواجهة تغير المناخ، بينما يعيش ملايين العمال في وظائف هشة، أو بدون حماية اجتماعية، أو محرومين من حق التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.
وتقترح الوثيقة ما تسميه “العقد الاجتماعي الجديد”، والذي يقوم على عدة ركائز أساسية:
خلق وظائف لائقة وصديقة للبيئة.
احترام الحقوق الأساسية في العمل.
ضمان أجور معيشية عادلة.
توسيع الحماية الاجتماعية الشاملة.
القضاء على جميع أشكال التمييز.
إشراك العمال والنقابات في رسم السياسات عبر الحوار الاجتماعي.
الدفاع عن الخدمات العامة
ومن أهم الرسائل التي تهم الحركة النقابية موقف الوثيقة الواضح من الخدمات العامة.
فعند تناولها للهدف السادس المتعلق بالمياه والصرف الصحي، تؤكد أن المياه ليست سلعة تجارية، وإنما حق إنساني وخدمة عامة يجب أن تبقى تحت مسؤولية الدولة، مع رفض خصخصتها وإخضاعها لمنطق السوق.
كما تربط الوثيقة بين تحسين خدمات المياه والصرف الصحي وبين تحسين ظروف العمل للعاملين في هذا القطاع، وتدعو إلى الاستثمار في وظائف لائقة وآمنة، وضمان الحوار الاجتماعي، وحماية العمال في الاقتصاد غير المنظم الذين يعملون في ظروف بالغة الخطورة.
وهذه الرسالة تتجاوز قطاع المياه، لتؤكد مبدأً نقابياً أساسياً: لا تنمية مستدامة من دون خدمات عامة قوية وعمال يتمتعون بحقوقهم.
-الانتقال العادل… وليس التحول على حساب العمال
في ملف الطاقة والمناخ، ترفض الوثيقة أن تتحول سياسات الانتقال إلى الطاقة النظيفة إلى وسيلة للتخلص من العمال أو تحميلهم كلفة التحول البيئي.
فالانتقال نحو الاقتصاد الأخضر يجب أن يكون “انتقالاً عادلاً”، أي انتقالاً يضمن إعادة تدريب العمال، وخلق فرص عمل جديدة، وتعويض المتضررين، ومشاركة النقابات في صنع القرار.
كما تنتقد استمرار الدعم الحكومي الضخم للوقود الأحفوري، وتطالب بتوجيه هذه الأموال نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة وخلق وظائف خضراء لائقة.
وتعرض الوثيقة نماذج ملهمة من السنغال وجنوب أفريقيا والبرازيل وإندونيسيا، حيث لعبت النقابات دوراً رئيسياً في رسم سياسات الانتقال العادل بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل.
-الذكاء الاصطناعي… فرصة أم تهديد؟
من أكثر أجزاء الوثيقة حداثة تناولها للتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
فالوثيقة لا تعارض التكنولوجيا، لكنها تحذر من استخدامها لتقويض حقوق العمال.
وتشير إلى أن الذكاء الاصطناعي واقتصاد المنصات الرقمية يؤديان إلى اتساع العمل الهش، وارتفاع مخاطر فقدان الوظائف، خاصة بين النساء والشباب، إذا لم تُسن تشريعات تضمن الحماية الاجتماعية والحقوق النقابية.
ولهذا تطالب الحكومات بوضع تشريعات تنظم عمل المنصات الرقمية، واعتماد معايير دولية للعمل اللائق في الاقتصاد الرقمي، مع الاستثمار في التدريب وإعادة التأهيل الرقمي للعمال.
-الصناعة يجب أن تخلق وظائف… لا أرباحاً فقط
تسجل الوثيقة ملاحظة بالغة الأهمية؛ فالإنتاج الصناعي العالمي يواصل النمو، لكن فرص العمل لا تنمو بالمعدل نفسه بسبب الاعتماد المتزايد على الأتمتة والتكنولوجيا.
ومن هنا تدعو إلى سياسات صناعية جديدة تجعل خلق فرص العمل اللائق هدفاً أساسياً للاستثمار، وليس مجرد زيادة الإنتاجية أو الأرباح.
كما تطالب بإلزام الشركات متعددة الجنسيات باحترام حقوق الإنسان والعمال عبر سلاسل التوريد العالمية، وتعزيز التفتيش العمالي، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإدماج الاقتصاد غير المنظم في الاقتصاد الرسمي.
-المدن المستدامة تبدأ من العامل
وعند تناول المدن المستدامة، لا تركز الوثيقة على المباني والطرق فقط، وإنما على الإنسان الذي يعيش ويعمل داخل المدينة.
فأزمة السكن، وارتفاع الإيجارات، وضعف النقل العام، والعمل غير المنظم، كلها قضايا عمالية بامتياز.
ولهذا تدعو إلى الاستثمار في الإسكان العام، والنقل الجماعي، والخدمات البلدية، والمساحات الخضراء، مع توفير وظائف مستقرة في هذه القطاعات، وضمان مشاركة النقابات في التخطيط الحضري.
-إصلاح النظام الاقتصادي العالمي
ولا تكتفي الوثيقة بالمطالب القطاعية، بل تطرح رؤية سياسية واقتصادية أشمل.
فهي ترى أن استمرار النظام المالي العالمي بصورته الحالية يعمق الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، ويقوض قدرة الحكومات على الاستثمار في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
ولهذا تطالب بإصلاح المؤسسات المالية الدولية، وزيادة العدالة الضريبية، وإلزام الشركات الكبرى بدفع حصتها العادلة من الضرائب، وتعزيز التمويل التنموي للدول النامية، باعتبار ذلك شرطاً لإنجاح الشراكة العالمية من أجل التنمية المستدامة.
-الرسالة التي يجب أن تسمعها الحكومات
لا تقدم هذه الوثيقة برنامجاً نقابياً تقليدياً للدفاع عن الأجور وتحسين شروط العمل فحسب، بل تقدم رؤية سياسية متكاملة لمستقبل التنمية في العالم.
وتقول الحكومات بوضوح إن الاستثمار في العمال ليس عبئاً اقتصادياً، بل هو الشرط الأول لتحقيق التنمية المستدامة.
فالعمل اللائق ليس نتيجة للتنمية، بل هو أحد أهم أسبابها. والديمقراطية ليست قضية سياسية منفصلة عن الاقتصاد، بل هي الضمانة الأساسية لحماية الحقوق الاجتماعية. والحوار الاجتماعي ليس ترفاً مؤسسياً، بل هو الوسيلة الأكثر فعالية لصنع سياسات تنموية عادلة ومستدامة.
-خاتمة
تكشف ورقة الاتحاد الدولي للنقابات العمالية أن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما الاستمرار في نموذج اقتصادي يزيد التفاوت الاجتماعي ويضعف الديمقراطية ويهمش العمال، وإما بناء عقد اجتماعي جديد يجعل الإنسان محور التنمية، ويعيد الاعتبار للعمل اللائق، والحماية الاجتماعية، والعدالة الضريبية، والحوار الاجتماعي.
ومن منظور الحركة النقابية، فإن نجاح أجندة الأمم المتحدة 2030 لن يقاس بعدد الخطط أو المؤتمرات الدولية، وإنما بقدرة الحكومات على ضمان أن تكون حقوق العمال، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية النقابية، هي الأساس الذي تُبنى عليه التنمية المستدامة في جميع دول العالم.
هامش
*المنتدى السياسي الرفيع المستوى لعام 2026
عُقد المنتدى السياسي الرفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة (HLPF) في الفترة من الثلاثاء 7 يوليو/تموز إلى الأربعاء 15 يوليو/تموز 2026، تحت رعاية المجلس الاقتصادي والاجتماعي (ECOSOC). وشمل ذلك الشق الوزاري للمنتدى الذي استمر ثلاثة أيام، من الاثنين 13 يوليو/تموز إلى الأربعاء 15 يوليو/تموز 2026، وذلك في إطار الشق الرفيع المستوى للمجلس الاقتصادي والاجتماعي. وقد عُقد اليوم الأخير من الشق الرفيع المستوى للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في 16 يوليو/تموز.
تمحور موضوع المنتدى السياسي الرفيع المستوى لعام 2026 حول "إجراءات تحويلية وعادلة ومبتكرة ومنسقة من أجل خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وأهدافها للتنمية المستدامة، سعياً لتحقيق مستقبل مستدام للجميع". ومع التقدير الكامل للطبيعة المتكاملة وغير القابلة للتجزئة والمترابطة لأهداف التنمية المستدامة، أجرى المنتدى استعراضات متعمقة للأهداف التالية: الهدف 6 (ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها إدارة مستدامة)؛ والهدف 7 (ضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة والموثوقة والمستدامة)؛ والهدف 9 (إقامة بنية تحتية قادرة على الصمود، وتعزيز التصنيع الشامل والمستدام، وتشجيع الابتكار)؛ والهدف 11 (جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة)؛ والهدف 17 (تعزيز وسائل التنفيذ وتنشيط الشراكة العالمية من أجل التنمية المستدامة).
وقد عرضت 36 دولة استعراضاتها الوطنية الطوعية (VNRs) خلال المنتدى السياسي الرفيع المستوى لعام 2026، وهي: ألبانيا، والجزائر، والبحرين، والبرازيل، وبوركينا فاسو، وبوروندي، والرأس الأخضر، والكاميرون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومصر، وإستونيا، والغابون، وغينيا، وغينيا بيساو، وإيطاليا، وجامايكا، والأردن، وكيريباتي، وليبيريا، وملاوي، وجزر مارشال، وموزمبيق، والنرويج، وجمهورية مولدوفا، ورواندا، وسانت كيتس ونيفيس، والمملكة العربية السعودية، والسنغال، والصومال، وسويسرا، وتوغو، وتونغا، وتونس، والإمارات العربية المتحدة، وجمهورية تنزانيا المتحدة، وأوروغواي.
#جهاد_عقل (هاشتاغ)
Jhad_Akel#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟