|
|
الممرات التجارية: كيف تتحول كوردستان من منطقة عبور إلى عقدة إقليمية؟
مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 10:08
المحور:
القضية الكردية
مقدمة: حين تتحول الجغرافيا إلى قوة
تنطوي الجغرافيا الكوردية على واحدة من أكثر المفارقات الاستراتيجية تعقيداً في الشرق الأوسط. فالمناطق ذات الغالبية الكوردية موزّعة اليوم بين أربع دول بشكل رئيسي هي تركيا والعراق وإيران وسوريا، من دون أن يجمعها إطار سياسي أو مؤسساتي واحد. غير أن هذا التوزّع الجغرافي نفسه يضع أجزاءً واسعة من المجال الكوردي على خطوط تماسّ بين الخليج والعراق وتركيا وإيران وشرق المتوسط، وعلى مقربة من طرق محتملة لنقل الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.
من هذا التناقض تنبثق فرضية هذا البحث: الجغرافيا التي بدت لعقود سبباً في التجزئة السياسية يمكن، إن أُحسن توظيفها، أن تتحول إلى أحد مصادر القوة الاقتصادية. غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة؛ فوجود طريق تجاري لا يعني امتلاك التجارة، ووجود الطاقة لا يعني امتلاك سوقها، ووقوع منطقة على ممر استراتيجي لا يمنح سكانها بالضرورة التحكم في اتجاهه أو عوائده.
القوة الحقيقية تتولد حين تتحول الجغرافيا إلى بنية تحتية، والبنية التحتية إلى تجارة وطاقة واستثمار، والتجارة إلى مصالح متبادلة، والمصالح المتبادلة إلى اعتماد متبادل، ثم يتحول هذا الاعتماد إلى نفوذ تفاوضي. من هنا ينبثق السؤال المركزي لهذه الدراسة: هل يستطيع الكورد الانتقال من موقع السكان الذين تعبر أرضهم الممرات الإقليمية، إلى موقع الطرف الذي لا يمكن تصميم هذه الممرات من دونه؟
أولاً: كوردستان ليست كياناً سياسياً واحداً
من الأخطاء المتكررة في التفكير الاستراتيجي الكوردي التعامل مع كوردستان كوحدة سياسية قائمة، ثم بناء التصورات على افتراض لا يطابق الواقع القانوني والجيوسياسي. فالحقيقة أن هناك أربع بيئات سياسية واقتصادية وقانونية متمايزة: كوردستان باشور (العراق) تتمتع بإطار دستوري ومؤسساتي خاص داخل الدولة العراقية، ولها تجربة متراكمة في الطاقة والتجارة والاستثمار والانفتاح الاقتصادي الخارجي. أما المناطق الكوردية في باكور (تركيا) فتقع داخل أكبر اقتصاد إقليمي، متصلة بشبكات الطرق والموانئ التركية وبالأسواق الأوروبية. وتشكّل المناطق الكوردية في روج هلات (إيران)، المتاخمة للعراق وتركيا، جزءاً من منظومة اقتصادية إيرانية ترتبط بدورها بآسيا الوسطى والخليج والعراق. أما المناطق الكوردية في روج آفا (سوريا)، فتحتل موقعاً جغرافياً حساساً بين العراق وتركيا ووسط سوريا، بما يؤهلها لتكون جزءاً محتملاً من شبكة اتصال مستقبلية بين هذه الأطراف وشرق المتوسط.
الاستراتيجية الواقعية، والحال هذه، لا تنطلق من محاولة تجاوز هذه الحقائق، بل من إدارة المصالح داخلها. فالمطلوب ليس إزالة الحدود السياسية القائمة، بل الحدّ من قدرتها على تعطيل التعاون الاقتصادي المشروع. وتلك هي الفكرة الناظمة لهذا البحث: لا يمكن توحيد الجغرافيا السياسية بيسر، لكن يمكن ربط المصالح الاقتصادية تدريجياً.
ثانياً: من منطقة عبور إلى عقدة إقليمية
ثمة فارق استراتيجي جوهري بين منطقة العبور والعقدة الإقليمية. فمنطقة العبور تتيح لغيرها استخدام موقعها من دون أن تملك أدوات التأثير في حركة العبور أو عوائدها، بينما تمتلك العقدة الإقليمية من البنية التحتية والخدمات والموارد ما يجعل الأطراف الأخرى مرتبطة بها فعلياً. فمرور الطريق بأرضك لا يمنحك بالضرورة قوة؛ أما امتلاك مراكز التخزين وشبكات النقل وخطوط الطاقة ومرافق التوزيع والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والأسواق والموانئ البرية وأنظمة العبور والمؤسسات الاقتصادية المستقرة، فهو ما يحوّل الموقع من ممر عابر إلى عقدة فاعلة. والفارق بين الحالتين هو الفارق بين أن تكون الجغرافيا أداة يستخدمها الآخرون، وأن تصبح أصلاً اقتصادياً يُنشئ لدى الآخرين مصلحة في استقرارها. وهذه النقلة تحديداً ينبغي أن تكون غاية التفكير الاقتصادي الكوردي.
ثالثاً: الجغرافيا الكوردية بين أربعة أسواق
تكمن الميزة الجيو-اقتصادية الأساسية للمجال الكوردي في أنه لا يقع في فراغ، بل يتوسط بدرجات متفاوتة أربع بيئات اقتصادية وسياسية كبرى: تركيا بوصفها بوابة إلى أوروبا وشبكة موانئها وأسواقها؛ والعراق بوصفه مجالاً اقتصادياً وثيق الصلة بالخليج والطاقة وإعادة الإعمار؛ وإيران بوصفها اقتصاداً إقليمياً كبيراً مرتبطاً بالعراق وتركيا وآسيا الوسطى؛ وسوريا بوصفها مساحة قابلة لإعادة صياغة بنيتها الاقتصادية في مرحلة إعادة الإعمار وإعادة الربط الإقليمي.
غير أن هذا التقاطع الجغرافي لا يتحول تلقائياً إلى مكسب. فالجغرافيا تمنح الاحتمال، لكنها لا تنتج النتيجة؛ والنتيجة تحتاج إلى بنية تحتية ومؤسسات ورؤوس أموال وتشريعات وأمن وشبكات نقل قادرة على تحويل الموقع إلى قيمة اقتصادية فعلية.
رابعاً: الطاقة أوسع من النفط
حين يُطرح موضوع القوة الاقتصادية الكوردية، ينحصر النقاش غالباً في النفط، وهو اختزال مخلّ. فالطاقة الاستراتيجية تشمل، إلى جانب النفط والغاز، شبكات نقل الطاقة والكهرباء ومشاريع الربط الكهربائي والتخزين والتكرير ومراكز التوزيع. والقوة لا تنبع من امتلاك المورد وحده، بل من الموقع الذي يشغله هذا المورد داخل سلسلة القيمة. فبيع المورد الخام يوفّر دخلاً آنياً، أما بناء منظومة متكاملة من الإنتاج والنقل والتخزين والتوزيع والصناعات المرتبطة، فيخلق اقتصاداً أعمق وأكثر قدرة على الاستدامة، والأهم أنه يُشرك أطرافاً متعددة تصبح مصالحها مرتبطة باستقرار المنطقة. وهنا تنتقل الطاقة من كونها مورداً اقتصادياً إلى كونها أداة غير مباشرة للاستقرار السياسي.
خامساً: لا مقايضة للجغرافيا
ربما تكون هذه أهم نقطة في هذه الرؤية. فالمقايضة السياسية قصيرة الأجل بطبيعتها، أما الشراكة الاقتصادية فطويلة الأجل. فحين تُستخدم منطقةٌ ما طريقاً تجارياً أو مورداً طاقوياً كورقة ضغط لانتزاع تنازل سياسي محدد، فإنها تحصل على مقابل مؤقت تنتهي معه العلاقة بانتهاء الصفقة. أما حين يقوم طريق تجاري دائم، وتُنشأ شركات واستثمارات ومراكز توزيع وفرص عمل وأسواق وعوائد متبادلة، فإن العلاقة تتجاوز حدود الصفقة إلى مصلحة مستمرة. من هنا تُستمدّ القاعدة الاستراتيجية الناظمة: لا تُقايض الجغرافيا بمكسب سياسي مؤقت، بل حوّلها إلى شراكة مصالح طويلة الأمد.
فإذا غدت تركيا مستفيدة من استقرار طريق تجاري يعبر منطقة كوردية، وغدا العراق مستفيداً من شبكة نقل مماثلة، وأصبحت إيران وسوريا معنيّتين بالحركة التجارية عبر هذا الفضاء، فإن الاستقرار الكوردي نفسه يكتسب قيمة اقتصادية لدى هذه الأطراف كافة. عندئذ يتحول السؤال من "ماذا سنعطيكم مقابل ماذا؟" إلى "كيف نبني مشروعاً يستفيد منه الجميع؟"، وهذا هو الفارق الجوهري بين منطق المقايضة ومنطق الاعتماد المتبادل.
سادساً: الشراكة أفضل من الصفقة
المقايضة تمنح نفوذاً لحظة التفاوض فحسب، أما الاعتماد المتبادل فيمنح نفوذاً ممتداً بامتداد المصالح ذاتها. وهذا ما ينبغي أن تسعى إليه السياسة الاقتصادية الكوردية: ليس أن يصبح الآخر محتاجاً إلى الكورد في كل شيء، بل أن يصبح استقرار المناطق الكوردية جزءاً من مصلحته الذاتية. وهذا النمط من العلاقة أكثر استدامة من أي ضمان سياسي مؤقت، ذلك أن الضمانات السياسية تتغير بتغيّر الحكومات والقيادات، في حين تُنتج المصالح الاقتصادية العميقة قوى ومؤسسات وشركات داخل الدول نفسها تدافع عن استمرارها. وهنا تتحول التنمية الاقتصادية إلى أحد أشكال القوة الناعمة الاستراتيجية.
سابعاً: من الممر إلى شبكة الممرات
لا ينبغي للكورد أن يراهنوا على طريق واحد أو مشروع واحد أو دولة واحدة، وهذه الفكرة امتداد مباشر لما خلصت إليه الحلقة السابقة من هذه السلسلة بشأن مخاطر الاعتماد على حليف واحد. فكما يخلق الاعتماد السياسي على قوة واحدة هشاشة استراتيجية، كذلك يخلق الاعتماد الاقتصادي على ممر واحد أو سوق واحدة هشاشة مماثلة. لذا ينبغي التفكير في شبكة من خطوط الاتصال المتعددة تربط العراق بتركيا، والعراق بسوريا، وتركيا والعراق بالخليج، وإيران بالعراق وسوريا، وسواها من المسارات التي قد تفرضها التطورات الإقليمية. فكلما تعددت الخيارات، تراجعت قدرة أي طرف منفرد على توظيف التجارة أداةَ ضغط، ويغدو تنويع الممرات بذلك ركناً من أركان الأمن القومي الاقتصادي.
ثامناً: التكامل الوظيفي بديلاً عن الوحدة السياسية
ينبغي هنا تجنّب وهم بناء اقتصاد كوردي موحّد، فالظروف القانونية والسياسية لا تسمح بذلك في المدى المنظور، وليس بالضرورة أن يكون ذلك هو الهدف أصلاً. البديل الأكثر واقعية هو ما يمكن تسميته "التكامل الوظيفي من دون الوحدة السياسية": أن يعمل كل جزء ضمن الإطار القانوني للدولة التي يقع فيها، بينما تتطور المصالح المشتركة في مجالات محددة كالتجارة الحدودية والنقل والطاقة والسياحة والزراعة والمياه والبيئة والتعليم والتدريب والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والاستثمار والدراسات الاقتصادية. وبهذه الصيغة لا يتحول التعاون الاقتصادي إلى مشروع سياسي عابر للحدود، بل يبقى شبكة مصالح مشروعة بين مجتمعات متجاورة، وهو نهج أكثر واقعية وأقل استدعاءً للصدام.
تاسعاً: نحو مؤسسة جامعة للمصالح
أي شبكة مصالح بهذا الاتساع تحتاج إلى عقل مؤسساتي يديرها، وهنا تُطرح إحدى أهم أفكار هذه السلسلة: الحزب ليس دولة، ولذلك لا ينبغي أن تظل المصالح الاستراتيجية المشتركة رهينة حساباته. يمكن التفكير، بدلاً من ذلك، في إنشاء مؤسسة كوردية عابرة للأجزاء، غير حزبية وغير حكومية، تختص بالتنسيق والبحث وإبداء الرأي، من دون أن تكون حكومة أو قيادة سياسية عليا أو أن تتدخل في الشأن السيادي الداخلي لأي جزء.
ويمكن تصورها بوصفها "مجلساً للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة"، يضم خبراء الاقتصاد والطاقة والنقل والقانون والعلاقات الدولية، إلى جانب أكاديميين ورجال أعمال وممثلين عن مختلف القوى والمجتمعات. وتتمثل مهمته في جمع المعلومات، ودراسة المشاريع، وتقييم المخاطر، وإعداد الدراسات الاستراتيجية، واقتراح السياسات، وتنسيق المصالح، وبناء قواعد بيانات مشتركة، وإبداء الرأي في المشاريع التي تتقاطع آثارها بين الأجزاء المختلفة. ولا تكون قراراته ملزمة لأي جزء، بل وظيفته توفير المعرفة والتنسيق والرؤية بعيدة المدى - وميزته الأساسية أنه قادر على الاستمرار حتى مع تبدّل الأحزاب والحكومات.
عاشراً: عمل جماعي لا يُلغي التعدد
ليس المطلوب أن يتفق الكورد في أجزائهم الأربعة على كل شيء، بل إن السعي إلى فرض مثل هذا الاتفاق قد يكون في حدّ ذاته غير واقعي. المطلوب هو الاتفاق على مساحة محددة من المصالح المشتركة، بصرف النظر عن الخلافات الحزبية أو تباين الأولويات بين منطقة وأخرى. فمن الممكن أن يتوافق الجميع على أن تحسين التجارة وتطوير النقل واستقرار الطاقة وحماية الموارد المائية وتشجيع الاستثمار أمور نافعة بذاتها، وبذلك يصبح العمل الجماعي وسيلة لجمع الكورد من دون مطالبتهم بالتخلي عن خصوصياتهم السياسية. وهذا يختلف جذرياً عن طبيعة العمل الحزبي القائم على المنافسة على النفوذ والتمثيل والسلطة، بينما تُعنى المؤسسة المشتركة بإدارة مصلحة تتجاوز حدود الحزب الواحد.
حادي عشر: حين تصبح الحدود جسوراً
يمكن النظر إلى الحدود الكوردية الراهنة من زاوية مختلفة. فهي حقيقة سياسية وقانونية لا سبيل إلى تجاهلها، لكنها ليست بالضرورة جدراناً اقتصادية. ويمكن أن تتحول إلى نقاط اتصال تجاري ولوجستي عبر تطوير المعابر والأسواق الحدودية والمناطق الحرة ومراكز التخزين والطرق والسكك الحديدية وشبكات الطاقة. وهنا تنقلب المفارقة إلى فرصة: ما يبدو في السياسة سبباً للتجزئة قد يغدو في الاقتصاد سبباً للترابط، من دون أن يعني ذلك إلغاء الحدود، بل جعلها أكثر إنتاجية وأقل عزلة.
ثاني عشر: تركيا بين الأمن والاقتصاد
لعله لا توجد دولة تحتاج إلى استيعاب هذه المعادلة أكثر من تركيا، التي تنظر إلى المسألة الكوردية من زاوية أمنية شديدة الحساسية، وهي في الوقت ذاته قوة تجارية وإقليمية بحاجة إلى الطرق والأسواق والطاقة والاستقرار الحدودي. وهذا يفرز مفارقة استراتيجية: كلما ازداد المجال الكوردي مصدراً للاستقرار الاقتصادي الإقليمي، اتسعت مساحة المصالح المشتركة التي يمكن أن تتجاوز بعض الخلافات السياسية. لكن هذا لا يعني أن الاقتصاد يُلغي الخلافات الأمنية والسياسية، بل يعني أن بناء المصالح الاقتصادية قد يفتح مساحة إضافية لإدارة الخلاف: فالاقتصاد لا يحل المشكلة السياسية، لكنه قد يُخفّض كلفة الصراع ويرفع قيمة التعاون.
ثالث عشر: المصالح لا الشعارات
إذا كان الهدف بناء قوة جيو-اقتصادية، فإن التعامل مع دول الجوار ينبغي أن يقوم على قاعدة واحدة: لا صداقة دائمة ولا خصومة دائمة، بل مصالح دائمة تستوجب الإدارة. فقد تختلف القوى الكوردية مع بغداد في قضايا دستورية أو مالية، ومع أنقرة في قضايا أمنية وسياسية، ومع دمشق في طبيعة الدولة والإدارة والحقوق، وقد تكون علاقتها بطهران شديدة التعقيد. غير أن هذه الخلافات لا ينبغي أن تحول دون البحث عن المصالح الاقتصادية الممكنة، بل ربما كانت التجارة والطاقة والنقل من الوسائل القليلة القادرة على خلق مساحات اتصال حتى في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب. فالهدف ليس تحويل الاقتصاد إلى بديل عن السياسة، بل استخدامه لتوسيع هامشها.
رابع عشر: تحذير من منطق المحاور
ثمة خطر ينبغي الحذر منه بجدية: فإذا تحول المشروع الاقتصادي الكوردي إلى جزء من محور إقليمي في مواجهة محور آخر، فسيفقد جزءاً كبيراً من قيمته. المطلوب هو انفتاح اقتصادي متوازن، لا يقتصر على تركيا وحدها، ولا على إيران وحدها، ولا على العراق أو الغرب أو الصين منفردين، بل يقوم على شبكة مصالح متعددة قدر الإمكان. وهنا تتكرر قاعدة الحلقة السابقة: لا تجعل مستقبلك الاقتصادي رهينة جهة واحدة، كما لا تجعل أمنك السياسي رهينة حليف واحد. فالتنوع الاقتصادي ليس مجرد خيار تجاري، بل أداة للاستقلالية الاستراتيجية.
خامس عشر: التنمية أداة لإنتاج الأمن
حين تكون المناطق الكوردية فقيرة ومعزولة اقتصادياً، تصبح أكثر عرضة للتدخل الخارجي والتهريب والهجرة والتطرف والصراعات المحلية. أما حين تتطور فيها التجارة والاستثمار والخدمات وفرص العمل، فإن الاستقرار يكتسب مردوداً اقتصادياً مباشراً. وبذلك تصبح التنمية جزءاً من الأمن ذاته، لا نتيجة له فحسب؛ فبدلاً من أن يكون الأمن شرطاً سابقاً للتنمية وحسب، تغدو التنمية نفسها إحدى أدوات إنتاج الأمن، في علاقة دائرية يولّد فيها الاستقرار الاستثمار، ويولّد الاستثمار فرص العمل، وتعزز فرص العمل الاستقرار من جديد، فيغدو الاستقرار نفسه أكثر جاذبية للمستثمرين والتجار والدول.
سادس عشر: من الجغرافيا إلى النفوذ
في نهاية المطاف، لا تكمن القيمة الحقيقية في وقوع كوردستان على طريق تجاري، بل في أن تصبح ضرورية لاستمرار هذا الطريق أو تطويره. ويمكن تصوّر هذا المسار عبر أربع مراحل متعاقبة: تبدأ بمرور الممر عبر المنطقة، ثم تنتقل إلى استفادة المنطقة اقتصادياً منه، فتطوير خدمات وبنية تحتية مرتبطة به، لتصل أخيراً إلى المرحلة التي تصبح فيها مصالح دول وشركات عدة مرتبطة باستقرار المنطقة واستمرارها. وعند هذه المرحلة الأخيرة فقط تبدأ الجغرافيا بالتحول إلى قوة تفاوضية حقيقية - وهنا يصبح الفارق جوهرياً بين أن تكون كوردستان على الطريق، وأن تصبح جزءاً لا يُستغنى عنه من الطريق.
سابع عشر: مخاطر يجب الإقرار بها
لا تكتمل هذه الأطروحة من دون الإقرار بحدودها. فتحويل الجغرافيا إلى شبكة مصالح ليس مساراً خطياً مضموناً، بل مشروع محفوف بمخاطر حقيقية تستحق النظر بجدية لا أقل من فرصه.
أول هذه المخاطر أن أي بنية تحتية عابرة للحدود تصبح، بحكم موقعها، هدفاً محتملاً في أي تصعيد أمني أو عسكري، بمعنى أن الرافعة الاقتصادية نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا ساءت العلاقات السياسية بدل أن تتحسن. وثانيها أن الدول المضيفة الأربع قد ترى في تعاظم الدور الاقتصادي لمناطقها الكوردية تهديداً محتملاً لسيطرتها المركزية، فتبادر إلى تقييد هذا التطور بدل احتضانه، خصوصاً إذا قُرئ كخطوة نحو استقلال اقتصادي يمهّد لاستقلال سياسي. وثالثها أن غياب مؤسسة التنسيق المقترحة، أو ضعف بنائها المؤسسي، قد يُبقي المكاسب الاقتصادية حكراً على نخب محلية أو حزبية، فتتحول من أداة جمع إلى مصدر جديد للتنافس الداخلي. ورابعها أن الرهان على التوازن بين عدة شركاء إقليميين ودوليين يتطلب قدرة تفاوضية ومؤسساتية عالية قد لا تتوفر بالكامل في المدى القريب، ما يجعل بعض الأجزاء الكوردية أكثر عرضة لأن تُستوعب داخل مدار طرف واحد بدل أن تحافظ على استقلالية قرارها الاقتصادي.
هذه المخاطر لا تُبطل الأطروحة، لكنها تضعها في سياقها الصحيح: مشروع تراكمي طويل الأمد، يتقدم بقدر ما تُدار مخاطره بوعي، لا وعدٌ مضمون النتائج.
ثامن عشر: ماذا يعني ذلك للقضية الكوردية؟
إذا نجحت هذه الرؤية، فلن تعود القضية الكوردية معلّقة فقط بالسؤال السياسي التقليدي: من يعترف بحقوق الكورد؟ بل سيُضاف إليه سؤال آخر لا يقل أهمية: من يستطيع تجاهل المصالح الاقتصادية المرتبطة بالمناطق الكوردية؟ وهذا تحوّل بالغ الدلالة، ذلك أن القوة السياسية تستطيع أن تطالب، أما القوة الاقتصادية فترفع كلفة تجاهل تلك المطالبة، وتجعل التعامل معها جزءاً من حسابات الآخرين. بحساب كلفة تجاهل تلك المطالبة. وهكذا لا يعود الاقتصاد تابعاً للسياسة، بل يغدو أحد مصادر القوة السياسية ذاتها.
خاتمة: من منطقة يتنافس عليها الآخرون إلى منطقة يتنافسون على التعاون معها
لا يكمن التحدي أمام الكورد في امتلاك الجغرافيا، فهم يملكونها بحكم التاريخ والوجود، بل في تحويلها إلى قيمة. ولا يتحقق ذلك بمحاولة إزالة الحدود السياسية القائمة، ولا بالمجازفة في مشاريع تتجاوز قدرة الواقع الإقليمي، ولا باستخدام الممرات التجارية أوراقَ مقايضة سياسية قصيرة الأجل، بل ببناء شبكة طويلة الأمد من المصالح تقوم على التجارة والطاقة والنقل والاستثمار والبنية التحتية والمؤسسات والمعرفة، وقبل ذلك كله على تنويع الشراكات وإدارة المخاطر بوعي. فالمقايضة قد تمنح مكسباً في صفقة عابرة، أما الشراكة فتصنع مصلحة تدوم بعد انتهاء الصفقة.
من هنا تُستخلص القاعدة الاستراتيجية الجامعة التي ينبغي أن تحكم التفكير الاقتصادي الكوردي: لا تُقايض موقعك، بل استثمره. لا تجعل طريقك ورقة ضغط، بل مصلحة مشتركة. لا تبحث عن دولة تحمي اقتصادك، بل ابنِ اقتصاداً يجعل استقراره مصلحة لعدة دول. عندئذ فقط يمكن الانتقال من منطقة عبور إلى مركز اقتصادي، فإلى عقدة إقليمية، فإلى قوة تفاوضية فعلية.
فالهدف النهائي ليس أن تصبح كوردستان دولة فوق الدول الأربع، ولا أن تتحول إلى محور في مواجهة محور آخر، بل أن تصبح المناطق الكوردية، كلٌّ داخل إطارها السياسي والقانوني، جزءاً لا يمكن تجاوزه من شبكة المصالح الاقتصادية الإقليمية. وحين تصبح مصالح الآخرين مرتبطة باستقرارك، يغدو استقرارك نفسه جزءاً من مصالحهم. وهنا، وهنا فقط، تتحول الجغرافيا من قدرٍ مفروض إلى أداة قوة.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحزب ليس دولة: لماذا تحتاج القضية الكوردية إلى مأسسة القوة؟
-
قسد بين صناعة القوة وإدارة الانكفاء مقاربة استراتيجية في عقد
...
-
لماذا يخسر الكورد حين يراهنون على حليف واحد؟ قراءة استراتيجي
...
-
تغيير الخرائط لا يصنع الدول: سوريا والكورد بين حق تقرير المص
...
-
من حراسة الحدود إلى صناعة الأمن الإقليمي كوردستان بين حماية
...
-
الطاقة الكوردية: الموارد وشبكات النقل - أين تكمن القيمة الحق
...
-
موسى عنتر... حين حاول الرصاص إسكات القلم
-
الجغرافيا الكوردية: من الموقع الجغرافي إلى الأصل الاستراتيجي
...
-
ماذا يملك الكورد؟ ولماذا لا يتحول ما يملكونه إلى قوة؟ في فجو
...
-
بين قنديل ودمشق الدلالات الاستراتيجية لتصريح جميل بايق بشأن
...
-
الكورد والقوة التي لا تُرى من -الحاجة إليهم- إلى -الحاجة إلى
...
-
القضية الكوردية: من حق تقرير المصير إلى صناعة القدرة على تقر
...
-
من تفكيك القوة إلى تفكيك الموقف قراءة استراتيجية في مسار ما
...
-
من التهجير إلى تثبيت الواقع هل توقّف التغيير الديموغرافي في
...
-
نحن لا نخاف من الحرب؛ نحن نعرف ثمنها
-
من اغتيال سيپان إلى استهداف الاستقرار: مقاربة تحليلية لفرضية
...
-
من توحيد البيشمركة إلى بناء منظومة الأمن القومي الكوردي توحي
...
-
اغتيال سيپان شيخموس كورمي: هل تستهدف الجريمة شخصاً أم مشروعا
...
-
بين الاستقلال وإعادة تعريف العلاقة مع المركز ماذا تقول التجا
...
-
من يمثل الكورد؟ ومن يملك حق صياغة سوريا الجديدة؟ اتفاقات الق
...
المزيد.....
-
سلسلة غارات إسرائيلية تستهدف النازحين في غزة وسقوط ضحايا في
...
-
خطابٌ ملكيٌ في الأمم المتحدة
-
ثلاثة خطابات في الأمم المتحدة.. فلسطين والأردن في مواجهة روا
...
-
-أمن الخليج من أمن العالم-..السعودية تدعو أمام الأمم المتحدة
...
-
قضايا الشرق الأوسط وأزمة هرمز تتصدر خطابات اليوم الخامس من ا
...
-
وزير خارجية جيبوتي: تدفق النازحين من اليمن يفوق قدرتنا على ت
...
-
زاخاروفا: تقرير بوتشا أثار اهتماما كبيرا على هامش الجمعية ال
...
-
سكرتير أول اشتراكي جبل حبشي يتفقد أوضاع النازحين ويدعو إلى ت
...
-
أزمة السجال الدولي: أردوغان يطالب بنقل نتنياهو من منبر الأمم
...
-
مواجهة دبلوماسية مفاجئة بين ألمانيا وروسيا في أروقة الأمم ال
...
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|