أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - أقنعة الأمم المتحدة: عندما تُسقط -استعراضات الغضب- مصداقية المنظمة وسلطتها الأخلاقية















المزيد.....

أقنعة الأمم المتحدة: عندما تُسقط -استعراضات الغضب- مصداقية المنظمة وسلطتها الأخلاقية


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 00:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن مشاهد انسحاب المندوبين والغضب المتصاعد في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد تعبير عن موقف سياسي، بل كانت تجسيداً صارخاً لحالة "الانتقائية الأخلاقية" و"المعايير المزدوجة" التي تحكم المنظومة الدولية.
تناولت الصحافة الغربية —ومنها مقال صحيفة الإندبندنت البريطانية— مشهد "الأفول السياسي" لنتنياهو والاحتجاجات التي رافقته أمام المبنى الأممي، باعتبار ذلك صحوة مفاجئة للضمير العالمي. غير أن هذه التغطيات الموجهة تسقط عمداً في فخ التغاضي عن تساؤل إنساني وأخلاقي أكثر عمقاً: أين كان هذا "الضمير العالمي" الشريف عندما كانت تُرتكب ولا تزال أفظع المجازر وحملات الإبادة والتغيير الديموغرافي بحق شعوب كاملة في الشرق الأوسط؟
عدالة شاملة لا تُجزّأ
إن الوقوف مع الشعب الفلسطيني —كباقي شعوب العالم المسلوبة إرادتها وحقوقها المشروعة— والدفاع عن حقوقه والتصدّي لكافة الممارسات غير الإنسانية الموجهة ضد المدنيين والأبرياء هو واجب أخلاقي وإنساني أصيل لا جدال فيه. غير أن المحك الحقيقي لنزاهة هذه المنظمة الدولية وأمينها العام والوفود المشاركة في مؤتمراتها يكمن في مدى قدرتها على الدفاع عن الشعوب المظلومة الأخرى في العالم بالاندفاع والحماس نفسهما.
إن الازدواجية في رفع الصوت دفاعاً عن قضية واحدة بينما يُصمّ الأذان ويُفرض الصمت عن مظالم القوميات والمكونات الأصيلة يضع مكانة المنظمة العالمية ومصداقية قيادتها في دائرة الشك المباشر وفقدان الشرعية الأخلاقية.
ذاكرة مثقوبة وصمت مريب
إن استحضار التاريخ القريب يكشف هشاشة الادعاءات الإنسانية التي تتصدر المنصات الدولية. فأين كانت وفود هذه الدول المتباكية على حقوق الإنسان، وأين كان هؤلاء الكتاب والسياسيون، عندما صمتت أروقة الأمم المتحدة أمام عمليات الإبادة الممنهجة وحملات الأنفال والسلاح الكيماوي في حلبجة ضد الشعب الكردي على يد نظام البعث العراقي؟
وأين كان هذا الغضب الدبلوماسي عندما صُمّت الآذان عن الأوامر العسكرية لتهجير الكرد في شمال سوريا ودك قراهم ومدنهم كعفرين ورأس العين وتدمير مجتمعاتهم؟ وأين هذا الضمير الجمعي مما تعرضت له المكونات والأقليات الأصيلة في المنطقة —من دروز وعلويين وإيزيديين ومسيحيين— على يد جماعات إرهابية ومتطرفة حظيت بالدعم والتمويل الإقليمي برعاية واضحة، ودون أن يحرك هذا العالم ساكناً يتعدى حدود "الإدانة اللفظية" والحبر على الورق؟
"نادي الدول" وغياب الصوت الأخلاقي
قد يبرر البعض عجز المنظمة الدولية بالقيود الإجرائية وسلاح "الفيتو" المحصور في مجلس الأمن، غير أن اجتماعات الجمعية العامة السنوية —التي لا يُمارس فيها الفيتو وتجتمع فيها كل دول العالم— تفضح حقيقة أخرى؛ وهي أن الأمم المتحدة تحولت هيكلياً إلى مجرد "منتدى مغلق للدول والحكام"، خاوٍ من الصوت الأخلاقي المستقل.
إن غياب التمثيل المباشر للشعوب والقوميات التي لا تملك دولاً رسمية (وفي مقدمتها الشعب الكردي) جعل من هذه الاجتماعات مسرحاً استعراضياً تقايض فيه الأنظمة أصواتها ومواقفها. تحرص الدول والأنظمة المستبدة على إغلاق الباب أمام مناقشة اضطهاد الأقليات والقوميات تحت ذريعة "عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، لتبسط غطاءً من الصمت المشترك على جرائمها المتواصلة.
السقوط الأخلاقي للأمانة العامة
تتحمل الأمانة العامة للأمم المتحدة وشخص الأمين العام مسؤولية مضاعفة عن هذا التراجع. فالأمانة العامة لا تحتاج إلى قرارات ملزمة لكي تنطق بالحقيقة؛ بل إن "الإدانة الصريحة والمباشرة" وتسمية الأمور بأسمائها هي الأداة الأساسية التي تُوثّق الجرائم تاريخياً، وتنزع الشرعية الأخلاقية عن الجلاد، وتمنح الزخم لنضال الشعوب المسلوبة.
لكن الأمين العام والمسؤولين الأمميين آثروا المقايضة السياسية والتراجع إلى مربع الصياغات الرمادية الفضفاضة من قبيل "دعوة كل الأطراف لضبط النفس". إن هذا الهروب الدبلوماسي والخوف من إغضاب القوى الإقليمية أو الدول ذات الثقل النفطي والعسكري يُعد مساواة خطيرة بين القاتل والضحية، وسقوطاً أخلاقياً يُفقد المنظمة هيبتها ومبرر وجودها في وجدان الشعوب المظلومة.
هندسة الإرهاب والمساومات الجيوسياسية
يتجلى النفاق الدولي في أوضح صورة عندما نرى القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الغربية، تُمارس لعبة "إعادة تدوير الإرهاب" وتكييف اللوائح الدولية بحسب بوصلة المصالح؛ حيث نرى هذه الدول تضع تنظيمات وشخصيات على قوائم "الإرهاب العالمي"، ثم تعود لتفتح معها قنوات التواصل وتدعمها وتجهزها عسكرياً وسياسياً وإعلامياً للوصول إلى السلطة والسيطرة، كما حدث في أفغانستان وسوريا.
وهنا يبرز السؤال الأكثر مرارة: أين كانت الأمم المتحدة وأين كان أمينها العام عندما كانت واشنطن وحلفاؤها الغربيون يُعدّون ويسهّلون طريق هؤلاء المطلوبين دولياً لاقتعاد أريكة الحكم؟ إن صمت المنظمة الدولية عن هذا التلاعب الفاضح يُثبت أن شعارات "مكافحة الإرهاب" و"حماية حقوق الشعوب" ليست سوى أدوات وظيفية مرنة تُفعَّل أو تُطوى وفقاً للتوازنات الأمنية وعقود التسليح، حتى لو كان الثمن تسليم رقاب الشعوب والمكونات المظلومة لهذه الجماعات الحاكمة بصفقات تسوية مشبوهة.
المال السياسي وتجارة المصالح
تتكامل هذه الهندسة مع "دبلوماسية المال" وثروات النفط والغاز التي تُضخ بمليارات الدولارات لشراء النفوذ وصياغة الأجندات. لقد تحولت الماكينات الإعلامية الغربية ومراكز الفكر إلى مساحات مُدارة برؤوس الأموال؛ تُسلط الضوء بكثافة على قضية ما عندما تخدم مصالح تلك القوى، بينما تُفرض سياسة التعمية والتجاهل الشامل عندما تتضارب الحقائق مع مصالح حلفائها.
تتحمل العواصم الغربية —من واشنطن ولندن إلى باريس— المسئولية الأخلاقية الأكبر في هذا التواطؤ. فالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان يُستدعى فقط كـ "أداة ضغط سياسي" ضد الخصوم، وتُطوى هذه الشعارات البراقة فوراً عندما تتعارض مع التدفقات الاستثمارية الآتية من أنظمة استبدادية تفتقر لأبسط مقومات الشرعية الديمقراطية والانتخابات الحرة.
ختـاماً
إن المصداقية والوزن الحقيقي للأمم المتحدة وأمانتها العامة لا يُبنيان بمراعاة مشاعر الأنظمة الملكية الغنية أو الدول القوية عسكرياً، بل بالوقوف الصلب والمبدئي مع العدالة الإنسانية ومع الشعوب القومية والوطنية التي سُلبت حقوقها وحُرمت من صوتها.
إن الصحافة الحقيقية والقلم الأكاديمي الشريف لا يجوز أن يقتصر دورهما على مسايرة "الموضة الإعلامية" والتركيز حصراً على زاوية واحدة من الصراع، بل يتوجب عليهما الغوص في تعقيدات الجذور الهيكلية للاستبداد والبطش الذي تعرضت له كافة شعوب الشرق الأوسط وفي مقدمتها الشعب الكردي. وطالما بقيت المنظومة الدولية تُدار بعقلية الصفقات وتستبدل الواجب الأخلاقي بالصمت المشتراة ذمته، ستظل الجمعية العامة مجرد مسرح لاستعراض الأقنعة البلاغية، وسيبقى الضمير العالمي مرهوناً لحسابات النفط والسلاح والسياسة.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأنفال وتسييس الدين: صمت العالم وتواطؤ المصالح في إبادة الك ...
- الهجرة والدولة المدنية: بين الاندماج المستدام ومخاطر الهندسة ...
- توحيد البيشمركة.. بين الاستحقاق القومي والفرصة الأخيرة
- المعادلة المثلثة: واشنطن والرياض وتل أبيب في مواجهة خطر الحو ...
- عندما يتقاطع اليسار السويدي مع الإسلام السياسي
- الكرد بين تآكل المؤسسات الداخلية وتحولات المعادلة الدولية
- الأمازيغ والشعوب المغلوبة وحقيقة الحضارة: قراءة نقدية في الق ...
- بغداد والمحكمة الاتحادية: لعبة سياسية أم خنجر مسموم في ظهر ك ...
- الاستفتاء للدولة الكردية: عندما غلّبت المصالح الشخصية على ال ...
- حلف مكة الدفاعي: هندسة الجيوسياسة الإقليمية في زمن ما بعد ال ...
- من العقيدة إلى الأيديولوجيا: كيف اختطفت السياسةُ الدينَ وقاد ...
- كيف تحول حلم الدولة الكردية إلى رهينة للسلطة والمصلحة الحزبي ...
- كردستان أمام عاصفة الانسحاب الأمريكي


المزيد.....




- وزير داخلية سكسونيا يفتح ملف حق اللجوء ويشعل الجدل في ألماني ...
- بعد لقائه لافروف.. فاديفول: الخلافات قائمة لكن الحوار مع موس ...
- الجيش الروسي يشل حركة الشحن العسكري بأوديسا
- السعودية.. قائد القوات المشتركة يلتقي عضو مجلس القيادة الرئا ...
- ليبيا تستأنف ضخ النفط الخام عبر خط الأنابيب الشرارة-الزاوية ...
- لافروف يكشف تفاصيل لقائه مع نظيره الألماني ويوجه انتقادات حا ...
- لافروف: لا داعي للتشكيك في صدق الشركاء الأتراك
- بعد 45 عاما.. اعتراف جديد يعيد موضوع اغتيال السادات إلى الوا ...
- لافروف يقارن بين اللغتين الكردية والروسية
- خطة الـ7 أيام.. ترامب يرفض شروط طهران


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - أقنعة الأمم المتحدة: عندما تُسقط -استعراضات الغضب- مصداقية المنظمة وسلطتها الأخلاقية