أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: تأملات في رواية آشور.. شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد سوسن يحيى قاسم (الجزء الثاني)















المزيد.....

بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: تأملات في رواية آشور.. شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد سوسن يحيى قاسم (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 09:38
المحور: الادب والفن
    


هنا يظهر الحب بين الوفاء والامتلاك، إذ تبلغ الرواية ذروةً أخرى في المشهد الحلمي الذي يرى فيه خلف المرأة إلى جانب رجب، يدها في يده، بينما يعجز عن الاقتراب منها، وقد أصبحت قدماه مغلولتين في الطين. المشهد شديد الدلالة من الناحية التأملية، فالطين ليس مجرد عنصر من عناصر الحلم؛ إنه صورة للقيد. وخلف لا تمنعه مسافة، ولا جدار، ولا باب مغلق، وإنما تمنعه قدماه. إنه يريد الحركة لكنه لا يستطيع، يرى ما يؤلمه لكنه عاجز عن تغييره. وفي لحظة الذروة تأتي العبارة:
"لقد تزوجتها يا خلف... كان عليك أن تعرف أن الحياة لا تتوقف عند أحد"
وهنا تتجاوز الرواية غيرة العاشق إلى سؤال أكثر قسوة: هل يستطيع الإنسان أن يحب دون أن يمتلك؟ فإذا كان الحب قائماً على حق الآخر في الاختيار، فإن خسارة المحبوب لا تلغي قيمة الحب، وإنما تختبر صدقه. أما إذا كان الحب لا يقبل إلا امتلاك الآخر، فإنه يتحول من علاقة إنسانية إلى سلطة. ومن هنا يمكن قراءة الحلم باعتباره امتحاناً داخلياً لخلف؛ فهو لا يواجه رجب فقط، بل يواجه حقيقة أن الحياة لا تُدار دائماً وفق رغبة الإنسان. الحب، إذن، لا يمنح صاحبه دائماً ما يريد، أحياناً يمنحه معرفةً مؤلمة بما لا يستطيع امتلاكه.
لكن حين يتحول الحب إلى قناع، الأخطر من فقدان الحب هو أن يستخدم الإنسان الحب نفسه غطاءً لأفعال تناقض جوهره. وهذا ما تكشفه الرواية في موضع آخر حين تتحدث عن إمكان أن يصبح الانتماء قناعاً، وأن تتحول الشعارات إلى وسيلة لتبرير ما يناقضها. ويزداد هذا المعنى وضوحاً في المشهد الذي يتوقف فيه خلف عند عبارة "تولستوي" المتعلقة بحب الوطن، حيث يرد المعنى:
"أن تقول إنك تحب وطنك بينما تسحق أحلام الآخرين باسم هذا الحب، فهذه هي الخيانة العظمى"
وهذه الفكرة توسع دائرة المقال من الحب الشخصي إلى الحب بوصفه قيمة أخلاقية. فليست المشكلة في أن يقول الإنسان "أحب"، وإنما في أن يكون فعله متناقضاً مع ما يقوله. قد يحب الإنسان الأرض ويؤذي أهلها، وقد يتحدث عن الوفاء ويمارس الانتهازية، وقد يرفع راية الانتماء بينما يفرغ الانتماء من معناه، وقد يتحدث عن الحب بينما لا يرى في المحبوب سوى امتداد لرغباته. وعند هذه النقطة يصبح القناع أخطر من الكذب؛ لأن الكذب قد ينكشف، أما القناع فيستطيع أن يعيش طويلاً لأنه يستمد شرعيته من الكلمات الجميلة.
وهنا يقع خلف بين القلب والاختيار، ليس خلف شخصية تبحث عن الحرية في معناها السهل؛ فهو ممزق بين ما يريد وما يعتقد أنه يجب أن يفعله، إنه يريد الحب، لكنه يريد أيضاً أن يكون وفياً لما يؤمن به. يريد أن يتبع من يحب، لكنه يخشى أن يكون ذلك خيانة لما يمنحه وجوده معنى. وهنا تبرز إحدى أهم خصائص الرواية: أنها لا تقدم الحرية باعتبارها طريقاً بلا ثمن. فالاختيار الحقيقي له كلفة، ومن يختار عليه أن يتحمل نتيجة اختياره. ولذلك فإن خلف لا يخرج من صراعه منتصراً بالمعنى التقليدي، وإنما يخرج منه أكثر وعياً بتعقيد الإنسان. إنه يكتشف أن الحرية ليست أن يفعل ما يشاء، وإنما أن يعرف لماذا يفعل ما يفعل. وهذا يفسر أهمية العبارة: "لا، لن أكون صدى لغيري بعد الآن" فالصوت المستقل لا يعني الصوت الذي يرفض الجميع، وإنما الصوت الذي يستطيع أن يميز بين ما يؤمن به حقاً وما لقنته له الظروف.
على أن الحرية لا تعني غياب الألم، قد يتوهم الإنسان أن الحرية ستقوده إلى الطمأنينة، لكن الرواية تقترح شيئاً آخر: ربما تقوده الحرية أولاً إلى الألم. فحين تسقط الأقنعة تظهر الحقيقة، والحقيقة ليست دائماً مريحة، وحين يختار الإنسان نفسه، قد يخسر شيئاً اعتاد أن يستمد منه الأمان. وحين يرفض أن يكون صدى لغيره، قد يجد نفسه وحيداً. وحين يرفض تحويل الحب إلى امتلاك، قد يضطر إلى تقبل الفقد. ولهذا فإن الحرية ليست وعداً بالسعادة بقدر ما هي قبول بمسؤولية الاختيار. والإنسان الذي لا يريد أن يدفع ثمن حريته قد يفضل القناع؛ لأن القناع يمنحه أحياناً راحةً مؤقتة، بينما الحقيقة تطالبه بمواجهة نفسه.
لذا فبين خلف ورجب سؤالان للإنسان الواحد، من الممكن قراءة خلف ورجب بوصفهما شخصيتين، لكن القراءة التأملية تتيح النظر إليهما بوصفهما وجهين متصارعين داخل الإنسان نفسه. خلف يمثل الرغبة في أن يبقى الإنسان وفياً لمعنى يعتقده، حتى عندما يصبح الوفاء مكلفاً. ورجب يمثل الوجه الذي يتعلم كيف يتكيف مع الواقع، وكيف يعيد تشكيل مواقفه وفق الظروف. ولا تبدو المسألة بهذه البساطة الأخلاقية المباشرة؛ لأن الإنسان الواقعي ليس بالضرورة شريراً، والإنسان المتمسك بالقيمة ليس بالضرورة خالياً من الضعف. لكن الرواية تسألنا: متى يصبح التكيف تنازلاً عن الذات؟ ومتى يصبح الوفاء عبئاً يمنع الإنسان من رؤية الحياة؟
وهنا تتداخل الحرية والحب والقناع مرة أخرى. فالحب قد يدفع الإنسان إلى التنازل، والانتماء قد يدفعه إلى الثبات، والخوف قد يدفعه إلى ارتداء القناع، بينما الحرية تطالبه بأن يسأل نفسه: أي هذه الأصوات هو صوتي؟
ربما تكون القيمة الأعمق في ثنائية الحرية والقناع أن الإنسان لا يستطيع أن يبدأ حريته قبل أن يرى وجهه الحقيقي. فالذي لا يرى قناعه يعتقد أنه وجهه، والذي يخلط بين الحب والامتلاك يعتقد أنه عاشق، والذي يخلط بين الانتماء والمصلحة يعتقد أنه وفي، والذي يكرر صوت الآخرين يعتقد أنه صاحب رأي. من هنا يصبح كشف القناع فعلاً معرفياً قبل أن يكون فعلاً أخلاقياً.
ولعل الرواية تلمح إلى ذلك منذ لحظة "بدأ يكشف المختفي وراء الأقنعة"؛ فالمسألة ليست فقط كشف الآخرين، وإنما كشف ما يختبئ في الداخل أيضاً. وهذا هو الامتحان الأصعب، أن يكتشف الإنسان أن بعض ما كان يدافع عنه لم يكن دائماً نابعاً من قناعته، وأن بعض ما كان يسميه حباً ربما كان خوفاً من الفقد، وأن بعض ما كان يسميه انتماءً ربما كان خوفاً من الاختلاف، عندها تصبح الحرية مواجهةً مع الذات قبل أن تكون مواجهةً مع العالم.
في نهاية المطاف، لا تقدم الرواية الحب باعتباره خلاصاً سحرياً، ولا الحرية باعتبارها باباً مفتوحاً على الطمأنينة الدائمة، كلاهما امتحان. الحب يمتحن قدرة الإنسان على احترام الآخر، والحرية تمتحن قدرته على احترام ذاته، والقناع يكشف اللحظة التي يفشل فيها في احترام أحدهما. فإذا أحب الإنسان دون أن يمتلك، اقترب من معنى الحب. وإذا انتمى دون أن يلغي عقله، اقترب من معنى الانتماء. وإذا اختار دون أن يكون صدى لغيره، اقترب من معنى الحرية. أما إذا جعل الحب ذريعة للامتلاك، والانتماء ذريعة للمصلحة، والحرية مجرد تبديل لقناع بآخر، فإنه لا يكون قد تحرر، بل يكون قد انتقل من قيد إلى قيد.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن أن نستشفه من مسار خلف: أن الإنسان لا يتحرر حين يجد الطريق الأسهل، وإنما حين يمتلك شجاعة مواجهة الطريق الذي اختاره، بما فيه من خسارات وأسئلة وقلق.
أما حين يسقط القناع ويبقى الإنسان، إذ تضعنا رواية "آشور.. شواهد وقبور" أمام ثلاث كلمات تبدو متباعدة: الحرية، والحب، والقناع، لكنها في عمقها ثلاث صور لسؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يكون هو نفسه؟ فالحرية هي أن يمتلك الإنسان حق اختيار صوته، والحب هو أن يرى الآخر دون أن يحوله إلى ملكية، والقناع هو اللحظة التي يعجز فيها الإنسان عن مواجهة الحقيقة، فيختار أن يرى نفسه بالصورة التي يريدها الآخرون، أو بالصورة التي تحميه من مواجهة ضعفه.
ومن هنا يصبح الحب امتحاناً للحرية؛ لأن من يحب حقاً لا يملك الآخر، ومن يكون حراً حقاً لا يجعل حريته ذريعة لإلغاء الآخرين. ويبقى القناع حاضراً ما دام الإنسان خائفاً من وجهه الحقيقي، لكن لحظة أن يجرؤ على النظر إلى ذلك الوجه، يبدأ شيء آخر بالحدوث: يسقط القناع، لا لأن العالم أصبح أكثر رحمة، بل لأن الإنسان أصبح أكثر صدقاً مع نفسه.
وربما لهذا تبدو عبارة خلف: "لا، لن أكون صدى لغيري بعد الآن" أقرب إلى خلاصة داخلية لمسار الرواية كله؛ فهي ليست إعلاناً عن انتصار، وإنما بداية طريق. فقد لا يستطيع الإنسان أن يختار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار كيف يقف أمام ما يحدث. وقد لا يستطيع أن يمنع الحب من أن يجرحه، لكنه يستطيع ألا يحوله إلى قيد. وقد لا يستطيع أن يعيش بلا أقنعة في عالم يمتلئ بها، لكنه يستطيع أن يعرف متى يرتديها، ولماذا، ومتى يكون عليه أن ينزعها.
وهنا ربما تبدأ الحرية الحقيقية: أن يصل الإنسان إلى اللحظة التي لا يعود فيها بحاجة إلى أن يثبت للآخرين أنه شيء غير الذي هو عليه. عندها فقط لا يصبح الحب قناعاً، ولا يصبح الانتماء ذريعة، ولا تصبح الحرية مجرد انتقال من قيد إلى آخر. عندها يبقى الوجه وحده، الوجه الذي لا يحتاج إلى قناع.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- قصة قصيرة: نافذة الغجر
- نص نثري: بين نسختين
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق ...
- نص نثري: المظاهر
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان


المزيد.....




- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون ...
- فرنسا.. الذكاء الاصطناعي يطيح برواية من جائزة أدبية مرموقة
- بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو ...
- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: تأملات في رواية آشور.. شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد سوسن يحيى قاسم (الجزء الثاني)