أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - التعليم الإيراني رهينة الفقر وسياسات النظام















المزيد.....

التعليم الإيراني رهينة الفقر وسياسات النظام


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 20:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين تقرع أجراس المدارس في بداية عام دراسي جديد، يفترض أن تكون الرسالة واضحة: جيل جديد يدخل الفصول ليكتسب المعرفة، ويصنع مستقبله، ويهيئ بلاده لمستقبل أفضل. لكن المشهد في إيران يبدو مختلفا بصورة مؤلمة. فبالنسبة إلى أعداد متزايدة من الأطفال، لم تعد المدرسة بوابة للخروج من الفقر، بل أصبحت كلفتها نفسها سببا في السقوط فيه.
ومع بداية العام الدراسي في سبتمبر/أيلول 2026، تضع أزمة التعليم في إيران أمام العالم سؤالا يتجاوز عدد المدارس والكتب والحقائب: ماذا يحدث لبلد يحرم فيه نحو مليون طفل، وفق المعطيات الواردة في التقرير، من مقاعد الدراسة؟
إنها ليست مجرد أزمة تعليم.
إنها أزمة مستقبل.
التقرير يشير إلى أن أعداد الأطفال خارج المدرسة ارتفعت من نحو 777 ألفا في منتصف العقد الماضي إلى أكثر من مليون حاليا. وهذه الأرقام تحتاج إلى التحقق المستقل والدقيق، لكن الاتجاه الذي تعكسه يتقاطع مع صورة اقتصادية شديدة الصعوبة يعيشها الإيرانيون. فقد أدت الحرب والعقوبات والتضخم وانهيار قيمة العملة إلى ضغط هائل على الأسر، بينما أشارت تقارير حديثة إلى أن التضخم الغذائي في إيران بلغ مستويات شديدة الارتفاع، وأن الأجور فقدت جزءا كبيرا من قدرتها الشرائية.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
فالطفل لا يخرج من المدرسة فجأة.
يبدأ الأمر بحقيبة لم يعد الأب قادرا على شرائها، ودفاتر وملابس مدرسية أصبحت عبئا، ومواصلات تستنزف دخلا بالكاد يكفي الطعام، ثم تأتي "المساهمات" والرسوم والمصروفات المختلفة لتدفع الأسرة الفقيرة إلى السؤال القاسي: هل نستطيع فعلا أن نرسل أبناءنا إلى المدرسة؟
وهكذا يتحول التعليم، الذي يفترض أن يكون حقا عاما وأداة للعدالة الاجتماعية، إلى امتياز مرتبط بقدرة الأسرة على الدفع.
حتى اليونيسف تشير، في سياق إيران، إلى أن رسوما مرتبطة بإجراءات الفحص الصحي المدرسي، رغم صغرها، يمكن أن تثني بعض الأسر منخفضة الدخل عن تسجيل أطفالها.
فكيف يكون الحال عندما تتراكم هذه الكلفة الصغيرة مع عشرات الأعباء الأخرى؟
هنا تتحول المدرسة من سلم اجتماعي إلى مرآة للفقر.
الأكثر خطورة أن المسألة لا تتوقف عند الأطفال الذين يغادرون المدرسة. فحتى من يبقى داخلها قد يواجه تعليما متفاوت الجودة، وفجوة متزايدة بين مدارس الأسر القادرة على الإنفاق والمدارس الحكومية التي تتحمل أعباء اقتصادية وبشرية متزايدة.
وبذلك لا يعود السؤال: من سيدخل الجامعة؟
بل يصبح: من يملك أصلا فرصة الوصول إليها؟
وهذه هي أخطر نتائج تسليع التعليم. فالطبقة الميسورة تستطيع شراء الدروس الخصوصية، والبيئة التعليمية الأفضل، والأجهزة الرقمية، والمدارس ذات الموارد الأكبر. أما الطفل الفقير، فيبدأ السباق متأخرا، ثم يطلب منه أن ينافس الآخرين وكأن الجميع انطلقوا من خط البداية نفسه.
لكنهم لم يفعلوا.
إنها وصفة مثالية لإعادة إنتاج الفقر جيلا بعد جيل.
والنتيجة ليست اجتماعية فقط؛ إنها اقتصادية واستراتيجية أيضا. فالدول لا تبني قوتها بالنفط والغاز وحدهما. الثروة الحقيقية لأي بلد تكمن في الإنسان: في الطبيب والمهندس والمعلم والباحث والمبرمج والحرفي ورجل الأعمال والعامل الماهر.
عندما يحرم مليون طفل من التعليم، فإن الخسارة ليست مليون مقعد دراسي فقط.
إنها خسارة محتملة لمليون مسار بشري.
ومع كل عام يمر من دون معالجة جذرية، تتسع الفجوة بين ما تحتاجه إيران من مهارات وكفاءات وبين ما يستطيع نظامها التعليمي إنتاجه.
والأخطر أن إيران تواجه في الوقت نفسه ظاهرة هجرة الكفاءات والشباب، فيما تزداد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على من بقوا داخل البلاد. وقد أصبحت مسألة هجرة أصحاب المهارات جزءا من النقاش العام الإيراني، بينما تعكس تقارير حديثة أيضا انخفاضا حادا في مستويات المعيشة والأجور مقارنة بكلفة الحياة.
وهكذا تتشكل حلقة مدمرة:
فقر يؤدي إلى التسرب، وتسرب يؤدي إلى ضعف المهارات، وضعف المهارات يحد من فرص العمل، وضعف فرص العمل يعمق الفقر.
أما الدولة التي يفترض أن تكسر هذه الحلقة بالتعليم المجاني الجيد، فتجد نفسها أمام نظام يزداد انقساما بين تعليم يستطيع الأغنياء الوصول إليه وتعليم تتراجع قدرته على إنقاذ الفقراء.
وهنا لا بد من النظر إلى القضية من زاوية أوسع.
التعليم ليس بندا يمكن التضحية به عندما تضيق الميزانية.
إنه الاستثمار الذي يحدد قدرة الدولة على البقاء والتطور لعقود.
وكل دولار لا يستثمر في تعليم طفل اليوم قد يتحول غدا إلى تكلفة اجتماعية واقتصادية أكبر: بطالة، فقر، عمل غير رسمي، ضعف إنتاجية، هجرة، وتراجع في القدرة على الابتكار.
لهذا فإن أخطر ما يحدث في التعليم الإيراني ليس فقط ما يظهر داخل الفصل الدراسي، وإنما ما سيظهر بعد عشر سنوات في سوق العمل والمجتمع والجامعات ومؤسسات الدولة.
إنك تستطيع أن تخفي مدرسة متداعية عن الكاميرات، لكنك لا تستطيع إخفاء جيلا كاملا حين يكبر بلا تعليم كاف.
ومن هنا يصبح الحديث عن "مستقبل إيران" ناقصا إذا لم يبدأ من الطفل.
لا يمكن بناء اقتصاد قوي بأجيال محرومة من التعليم.
ولا يمكن الحديث عن مجتمع حديث فيما تتحول المدرسة إلى امتياز طبقي.
ولا يمكن لدولة أن تواجه تحديات القرن الحادي والعشرين بعقلية ترى في الإنفاق على الإنسان ترفا، فيما تتسع الهوة بين الأغنياء والفقراء ويترك الأطفال الأكثر هشاشة خارج الصفوف.
إن الجرس الذي يقرع في المدارس الإيرانية هذا الخريف لا يعلن بداية عام دراسي فقط.
إنه يدق أيضا جرس إنذار.
فكل طفل يدفع خارج المدرسة اليوم هو جزء من مستقبل ينتزع من إيران غدا.
وإذا استمر هذا المسار، فلن تكون الخسارة في عدد التلاميذ الذين غادروا مقاعدهم، بل في عدد الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين ورواد الأعمال الذين لم تتح لهم فرصة أن يصبحوا ما كان يمكن أن يكونوا عليه.
وهنا تكمن المفارقة الأقسى:
بلد يمتلك موارد بشرية هائلة، وتاريخا علميا وثقافيا عريقا، وجيلا شابا واسعا، يمكن أن يجد نفسه أمام مستقبل أفقر لا بسبب غياب العقول، وإنما بسبب إفقار الطريق الذي يقود إليها.
إن سرقة المستقبل لا تبدأ دائما بإغلاق المدارس.
أحيانا تبدأ بجعل التعليم باهظ الكلفة على الفقراء.
ثم يأتي التسرب.
ثم يأتي العمل المبكر.
ثم تضيع المهارات.
ثم تكبر الفجوة.
وعندما يكتشف المجتمع حجم الخسارة، يكون جيل كامل قد دفع الثمن.
لهذا فإن معركة التعليم في إيران ليست معركة دفاتر وحقائب ومدارس؛ إنها معركة على الإنسان الإيراني نفسه، وعلى شكل إيران التي ستظهر بعد عقد أو عقدين.
ومن يفرط في تعليم الأطفال اليوم، يفرط عمليا في قدرة بلاده على امتلاك الغد.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين فائض التهديد وعجز المناورة: هل يستطيع النظام الإيراني فت ...
- من ساحة الإعدام إلى ذاكرة 1988: هل يعيد النظام إنتاج سياسة ا ...
- إيران أمام أزمات متزامنة
- حين تهدم الملالي السجون خوفا من أن تتكلم الجدران
- إيران على حافة الغليان: حين يعجز القمع عن إطعام الجائعين
- المشانق في مواجهة السجون: 138 أسبوعا من -ثلاثاء لا للإعدام-
- البقاء ليس إنتصارا
- من الاحتقان الى التغيير
- فتاوى الموت لا تزال حية
- حين يبدأ النظام نفسه بإشعال بركان الغضب الإيراني
- ملف حقوق الإنسان... القنبلة التي يخشاها النظام الإيراني
- من النووي إلى الخلافة: كيف يفجر الضغط الخارجي حرب الأجنحة في ...
- إيران بين اللاحرب واللاسلم: حين تضيق حقول المناورة
- حين ينقلب سلاح هرمز على صاحبه: الساعة الرملية لطهران
- من زنزانة الولاية إلى مقعد القيادة
- شنغهاي تكشف أزمة النظام الإيراني وصراع أجنحته
- المرأة أولا… ثم المجتمع: الوجه الحقيقي لسياسة القمع الإيراني
- حبل المشنقة الذي يخنق النظام: لماذا تتحول الإعدامات في إيران ...
- إيجئي يهدد... والشارع يغلي: نظام الملالي أمام ساعة الحقيقة
- حين يصبح طلب العمل تهمة تستوجب الرصاص


المزيد.....




- بعد محاولات عديدة.. دخول مراسلي CNN وMS NOW وPolitico إلى ال ...
- أبو مازن: نريد دولة فلسطينية غير مسلحة إلى جانب إسرائيل.. هل ...
- رئيس وزراء لبنان يلتقي بزشكيان ويؤكد: نتطلّع لبناء علاقة سلي ...
- علاء الدينوف لـ RT: أوكرانيا ينتظرها شتاء قاس
- أكثر من 60 عاما تحت الأرض.. اكتشاف دبابة ألمانية في قازان ال ...
- شاهد.. القاذفة الشبحية بي-2 تحلق فوق البيت الأبيض مع استقبا ...
- ترامب يستقبل شي في البيت الأبيض باستعراض عسكري
- تهديد إيراني غير مسبوق لواشنطن: الحرب قد تمتدّ -حتى المحيط ا ...
- إنذارات في مناطق سعودية بينها مدينة مكة.. و-التحالف- يعلن اع ...
- دخلوا بصفة -طلاب-.. روسيا تستعين بآلاف الكوريين الشماليين في ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - التعليم الإيراني رهينة الفقر وسياسات النظام