أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - آلان م نوري - الاكثار من مضغ علكة -النيوليبرالية- -الكردية- لا ينتج سوى فقاعات الهواء*















المزيد.....


الاكثار من مضغ علكة -النيوليبرالية- -الكردية- لا ينتج سوى فقاعات الهواء*


آلان م نوري
(Alan M Noory)


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 23:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


*) العنوان مستوحى من المتعة الأساسية التي يحصل عليها الأطفال من مضغ العلكة؛ عمل فقاعات الهواء بها.

بعد ما يقرب من نصف قرن من تدهور مستمر في مستويات التعليم و الثقافة في العراق، ساد الكسل و منتجات اشباه المتعلمين في الوسط الثقافي الكردي، و في عموم العراق، لدرجة أن مستوى "ثقافة" الفرد بات يقاس بعدد المصطلحات التي يستطيع أن يحشرها -بحق أو بدون حق- في خطابه. دون أن يعني ذلك بالضرورة انه يفهم ما يقول. فالأصل من الإنخراط في الانتاج الثقافي بات ترديد العبارات النارية السائدة في المنتج الثقافي العالمي، أمام جمهور يعاني من فقر الثقافة ذاته، بهدف نهائي هو استعراض المهارات "الفكرية" لصاحب الخطاب.
و مع تكرار التوظيف الخاطئ أو غير الدقيق، تحولت المصطلاحات و التعابير، على ايدي اشباه المتعلمين، إلى تعاويذ سحرية، و اصبحت تفسيراتها السطحية المبتذلة مسلمات بديلة عن العمل الشاق الذي يتطلبه انتاج المعرفة. هذه الآفة اكتسحت فضائنا الثقافي بمختلف اطيافه و تياراته. ولم ينج منها ما يعرف باليسار عندنا.
من ابرز الامثلة على مآل هذه المصطلحات التي تحولت إلى علكة يمضغها "مثقفو" اليسار الكسول فكريا في مجتمعاتنا، هو مصطلح "النيوليبرالية". فما أن يتفوه به من يُحسب على اليسار، حتى يتحول لدى الجمهور المتلقي من اشباه المتعلمين إلى بديهة لا تقبل النقاش. بل أن مجرد نقد استخدام المصطلح، و ما بالك بنقد المصطلح نفسه، يُعد خروجا على جبل من الدراسات و المراجع الأساسية العالمية التي لم يقرأها صاحب الخطاب أو اتباعه!
مصطلح "النيوليبرالية" هو من المصطلحات الملغمة بالأيديولوجيا، حتى في بيئة انتاجه في المصادر العالمية. فمجرد القبول بالتسمية هو بداية لعمل آليات هيمنته على التفكير السائد. سأحاول شرح ما اعني هنا لاحقا.
و بمعزل عن كيفية استخدام هذا المصطلح في ادبيات اليسار العالمي، فإن اليسار شبه المتعلم في مجتمعاتنا فهم النيوليبرالية بإعتبارها منظومة متكاملة لإدارة السياسة العامة، مهيمنة و مطبقة في جميع انحاء العالم، لدرجة انها مرادفة لكلمة الرأسمالية. أي أن النيوليرالية هي الرأسمالية بعينها في عالمنا الحالي.لهذا يرى اصحاب هذا الفهم الكسول أن أي نظام محلي لإدارة السلطة السياسية في أي بقعة في العالم ما هو إلا نسخة محلية من النيوليبرالية. كما يعتقد أن فهم مكونات النوليبرالية لا يستدعي سوى الأخذ بالتعريف الذاتي لهذا التيار الفكري و نظرته إلى العالم من حوله. بعبارة اخرى، يرى اليسار الكسول أن التوصيف الذاتي الذي يقدمه هذا التيار لنفسه و ضمن عالم يتخيله، هو التوصيف الأمثل لفكر هذا التيار. و بآلية التفكير القاصرة هذه اصبحت النيوليبرالية عند اشباه متعلمينا اليساريين نظام هيمنة السوق الحر (!)، و الممارسة اليومية العادية لنظام عمل الرأسمالية، اينما سادت.

و لكن أليس الأمر كذلك حقا؟
هذه التي تسمى اليوم ب النيوليبرالية، و التي تحاول، منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، فرض هيمنتها على السياسة العامة و مسارات ادارة الدولة، و تعمل على تأطير الرأي العام في جميع انحاء العالم، هي ليست، كما يحاول صائغوها أن يوحوا، شاملة لكل اليبرالية، كما انها ليست جديدة ايضا،.
ما يربطها بالليبرالية هو مشروع ديستوبي (: نقيض اليوتوبيا) يسعى بشكل مخطط إلى تحقيق عالمها المثالي التالي:
بما أن الرأسمالية سيّدت نوعا خاصا من السوق، تختلف آليات عمله عن الاسواق التقليدية السائدة في المجتمعات ما قبل الرأسمالية، فلكي تهيمن الرأسمالية، يجب انتزاع سوقها من هيمنة المجتمع، أو استئصالها من احشاء المجتمع، و ايقاف أي تدخل مجتمعي في السوق.
و لا يقف عمل هذ الديستوبيا عند هذا الحد، بل أن خطوتها التالية هي حشر المجتمع بعلاقاته و قيمه داخل آليات عمل السوق ذاته. لتكتمل الصورة: انتزاع السوق من جوف المجتمع، و حشر المجتمع في جوف السوق.
و الديستوبيا تكمن في ارادة تحويل الطبيعة و المجتمع و الإنسان بكليته، بمجموع مشاعره الإنسانية إلى مجرد "سلع" في السوق.
و ما تاريخ أوروبا و العالم الرأسمالي المتقدم ، منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى يومنا، إلا موجات متتالية من محاولات فرض هذه الديستوبيا، في اوقات الأزمات الإقتصادية الشاملة، من جهة، ومقاومة شاملة من قبل المجتمعات ضد هذه المحاولات من جهة أخرى.
و إذ يمثل هذا المشروع الارضية المشتركة لجميع تيارات الليبرالية، إلا أن هناك فروقا كبيرة بين تيارات الفكر الليبرالي منذ اللبنات الأولي لتشكله، رغم تبنيها جميعا، كل لنسختها الخاصة من هذه الديستوبيا.

إذا أي ليبرالية هذه؟
الشرط الأساس لتحقيق مشروع الليبرالية (وهو أمر لم يغفل عنه مؤسسو هذا الفكر منذ إرهاصاته الأولى)، هو أنه لكي يعمل السوق كما ينظّر له الليبراليون، يجب حمايته من الاحتكار. وقد أدرك كبار كُتّاب الفكر الاقتصادي الليبرالي، منذ البداية، أنه إذا ترُكت آليات المنافسة في السوق تعمل دون تدخل، فإن الاحتكار الرأسمالي سيغدو ظاهرة حتمية، ولن تبقى السوق حرة.
منذ البداية، آمن تيار من الليبرالية بضرورة هيمنة "العقد الاجتماعي" على السوق، للتصدي للميل الداخلي لآلية السوق نحو الاحتكار. لذا رآى "جان جاك روسو" أنه حتى لو كانت الملكية الفردية (وهي العمود الفقري لآلية عمل السوق الرأسمالي) عائقاً أمام سيادة العقد الاجتماعي، فإن مآل هذا الشكل من الملكية يجب أن يخضع للعقد الإجتماعي . وهذا التيار الليبرالي، هو الذي وضع اللبنات الأولى للمسار الفكري الإنساني الذي استقت منه مدارس اليسار التاريخي العالمي روافدها.
في المقابل، آمن مفكرون آخرون، (بدءاً من توماس هوبز، وصولاً إلى فون هايك وميلتون فريدمان و غيرهم من منظري النسخة الشائعة للنيوليبرالية اليوم)، بأن وظيفة "العقد الاجتماعي" ونظامه السياسي الناجم عنه (أي الديمقراطية) تقتصر فقط على حماية الملكية الفردية بالقوة المفرطة لذلك الكائن الميثولوجي المرعب المسمى بـ "الدولة". أي إنهم يرون أن آلية السوق تحتاج إلى القوة القمعية والترهيبية للدولة لكي تعمل بكامل حريتها. بل انهم وصولوا إلى حد القول بأن أي تدخل باسم "سيادة المجتمع" في السوق ستكون نتيجته الحتمية هي: استعباد المجتمع نفسه بإسم سيادته!
في الفكر السياسي، وبدءاً من "فون هايك"، فصل أرباب هذا التيار من الليبرالية أنفسهم عن الحراك المجتمعي الساعي إلى الديمقراطية، وطرحوا فكرة التضاد بين الديمقراطية من جهة و الحرية و النظام الجمهوري من جهة اخرى، وذلك في مواجهة التيار الليبرالي التقليدي الآخر السابق ذكره.
وبسبب هيمنة تيار فون هايك على الثقافة الفكرية السياسية في أمريكا، يُستخدم مصطلح "الليبرالية السياسية" هناك كمرادف لـ "اليسار". أي إن الليبرالية في السياسة صار عندهم مفهوماً يخص ذلك التيار الذي يرى بسيادة العقد الاجتماعي و تقديمه على "الحرية" الإقتصادية.
اما ما يخص الحانب الإقتصادي، ونظراً للهيمنة المستمرة للفكر الليبرالي الاقتصادي بشأن آلية عمل النظام الاقتصادي، الذي هو المُنتج الأساسي لوهم "سيادة السوق الحر"، فلم يتخلى من هم على شاكلة "فون هايك" و"ميلتون فريدمان" عنه. بل اعتبروا أن من واجبهم، منذ منتصف السبعينيات، إحتكار مفهوم الليبرالية الاقتصادية لأنفسهم، لا سيما بعد أن تخلّى "الليبراليون اليساريون" عن المدرسة الليبرالية الكلاسيكية الاقتصادية في إدارة السياسة العامة عقب الحرب العالمية الأولى والأزمة الاقتصادية الكبرى التي تلتها، بين الحربين العالميتين.

الإسم الذي اختاروه لتيارهم، سرقوه!
اول استخدام لمصطلح "النيوليبرالية" ليس لأولئك الذين برزوا بعد منتصف السبعينيات كتيار سياسي مناهض لـ "احتكار نقابات العمال" و"تدخل الدولة في آلية السوق الحر"، بهدف إطلاق أيدي الشركات الإحتكارية العملاقة تحت شعار "السوق الحر".
فقبل هؤلاء بنحو أربعين عاماً، صاغ هذا المصطلح، المفكر الألماني ألكسندر روستوف، المنتمي لمدرسة (فرايبورگ) الفكرية. وبعد إثراء هذا المفهوم نظريا ،في مجالات القانون والاقتصاد وإدارة الدولة، من قبل عدد من مفكري تلك المدرسة، تحول المفهوم إلى نظام اقتصادي وقانوني متكامل، جاهز للتطبيق. ولم يمض وقت طويل، حتى تم الإعلان رسمياً عن تبنيه كسياسة عامة لألمانيا الغربية (التي كانت تخرج توّاً من تحت سلطة ادارة الاحتلال الأمريكي) على يد المستشار كونراد أديناور ووزير اقتصاده لودفيغ إيرهارد. رغم أن إسم النيوليبرالية، قد تغير حينها إلى (الأوردو-ليبرالية / Ordoliberalism)، لمجرد أن الخطوط العريضة للسياسة العامة للنيوليبرالية تلك، صِيغت ونُشرت في مجلة فكرية كان اسمها "أوردو" (ORDO)؛ أي إنها عُرِفت بـ "ليبرالية مجلة أوردو".

حسنًا، و لماذا من المهم أن نعرف أنه كانت هناك "نيوليبرالية" أخرى قبل النيوليبرالية الشائعة اليوم؟
لأن نيوليبرالية نهايات الثلاثينيات — والتي كانت المسؤولة الرئيسية بعد الحرب العالمية الثانية عما يُعرف بـ "المعجزة الاقتصادية الألمانية" و عن بناء دولة الرفاه بعد الدمار الذي خلفته الحرب، كانت تعتبر الاحتكار الرأسمالي هو التهديد الأساسي لهيمنة السوق الحر. وكان مفكروها يعتقدون أن السوق لا يكون حراً إلا إذا ضُبطت تلك الحرية بقوانين صارمة تكافح الاحتكار، و تحمي الحقوق الاقتصادية والسياسية للمنتجين.
وعليه، فإن القبول بتسمية التيار الساعي للهيمنة منذ منتصف السبعينيات بـ "النيوليبرالية" هو قبولٌ بطمس تاريخ تلك التي سبقتها، و قبول بسرقة علمية وتاريخية يُفترض بمن ينتسب لليسار أن يتجنبوا المشاركة فيها، كحد ادنى. ولهذا السبب بالذات، يطلق الكثير من الكُتّاب والمفكرين اليساريين، اسم "الليبرالية المتوحشة" (Savage Liberalism) وليس "الجديدة" على النيوليبرالية الشائعة اليوم. بينما يطلق جوزيف ستيكليتس، الليبرالي اليساري، على هذه الليبرالية اسم مذهب "اصولية السوق: Market Fundamentalism" في اشارة إلى ادعاء منظريه الرجوع إلى الأصول، بينما، كغيرهم من الحركات "الأصولية" في أي فكر كان، لا يرجعون في الحقيقة إلا إلى صورة، شوهتها مخيلتهم، لما يعتبرونه "أصلا"!

سياسات النيوليبرالية.. أم توافق واشنطن؟
بقدر تعلق الأمر بشعوبنا نحن، فإن الليبرالية بكافة أجنحتها، ومنذ بداياتها الأولى، نشأت في عالم كان الاستعمار واستعباد الشعوب جزءاً أصيلاً من حكايته. فصرخة الليبرالية الكلاسيكية الشهيرة: "دعه يعمل، دعه يمر" ما كانت تعني للشعوب المقهورة سوى "حق" شركة الهند الشرقية، مثلا، في فتح أبواب أسواق الدول الخاضعة للشركة، بالنار والبارود، و بإسم الإمبراطورية البريطانية.
و لم تكن الحرية الفردية والعقد الاجتماعي بين أفراد أحرار في صدارة أولويات ليبراليي تلك الإمبراطوريات تجاه الشعوب المستعبدة. فقد آمنوا بأن تدمير الأسواق التقليدية للشعوب الخاضعة وربط اقتصاداتها باحتياجات المركز الإمبراطوري العالمي، حتى وإن دفعت فاتورتها أجيال متعاقبة بالدم و الدموع، سيوصل تلك الشعوب في نهاية المطاف إلى اليوم الذي يسود فيه "السوق الحر"!
ونظراً لهذا التوافق بين أجنحة وتيارات الليبرالية حول فهمها لمتطلبات التنمية الاقتصادية في البلدان التي كانت مستعمرات سابقة،قام جون ويليامسون عام 1989، في مقال شهير، بصياغة قائمة موجزة لخارطة طريق تتفق عليها الاتجاهات الليبرالية المختلفة وتدعمها المؤسسات الاقتصادية العالمية العملاقة. وأطلق على هذه القائمة اسم (توافق واشنطن / Washington Consensus)، نظرا لأن المقار الرئيسية لتلك المؤسسات هي في العاصمة الأمريكية، واشنطن.
تتكون هذه القائمة من 10 نقاط، وهي بمثابة الروشتة الجاهزة التي تفرضها المؤسسات العملاقة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على أي دولة تطرق أبوابها في أوقات الأزمات. ورغم أن هذه النقاط كُتبت عام 1989، إلا أنها كانت تُطبق فعلياً منذ منتصف السبعينيات، وربما قبل ذلك.
ويمكن تلخيص هذه النقاط العشر وأهدافها فيما يلي:
* تقليص حجم الإنفاق الحكومي إلى حدّ يمنع اللجوء، تحت أي ظرف، إلى فرض ضغوط ضريبية على الأثرياء أو طباعة النقود، لزيادة الإيرادات.
* تخفيف عبء الموازنة المقلصة اصلا، عبر الغاء الدعم الحكومي للسلع والمواد الأساسية.
* توسيع القاعدة الضريبية (أي إجبار عامة الشعب على مساهمة أكبر في دفع الضرائب) لتخفيف العبء الضريبي عن الأثرياء!
* توحيد أسعار الفائدة وتحجيم ثم إلغاء التمييز في القروض (أي إلغاء القروض الميسرة للفقراء و الشباب المقدمين على بناء حياتهم).
* توحيد وتثبيت سعر صرف العملة الوطنية.
* "تحرير" التجارة الخارجية؛ وبعبارة أخرى: إلغاء الحماية الجمركية عن المنتجات المحلية.
* إزالة كافة العوائق أمام الاستثمار الأجنبي ومساواته قانوناً بالمستثمر المحلي.
* خصخصة المؤسسات الإنتاجية والخدمية التابعة للقطاع العام.
* إلغاء القيود والعوائق القانونية أمام القطاع الخاص (أي تقييد سيادة المجتمع على القطاع الخاص).
* تثبيت وحماية حقوق الملكية الفردية دون تحميلها تكاليف باهظة، والاعتراف بحقوق الملكية التقليدية خارج إطار القانون! (أي مكافأة التجاوزات العُرفية وتطبيعها قانوناً).
ورغم هذا التوافق، لا تزال هناك اختلافات عميقة بين أجنحة الليبرالية حول كيفية و توقيت تطبيق هذه النقاط. فالليبراليون المتوحشون، كلما سيطروا على المؤسسات الاقتصادية العملاقة، يدفعون الدول إلى تطبيق هذه النقاط دفعة واحدة و بطريقة الصدمة، ودون مراعاة لخطرها على السلم الأهلي؛ غير أبهين بأن سحب الخدمات الحكومية دون جاهزية القطاع الخاص يدفع فقراء تلك الدول إلى التهلكة، و أو الإكتراث بأن هذا الانتقال السريع لمصادر الثروة من القطاع العام إلى أحضان القطاع الخاص يتم لصالح عصابات الجريمة المنظمة المتشابكة مع اساطين الفساد الحكومي... إلى غير ذلك من الانتقادات التي سطرها أفضل من أي شخص آخر، الجناح الليبرالي المؤمن بسيادة العقد الاجتماعي على هذا "التوافق" و سبل تطبيقه. راجع، على سبيل المثال، مقالات جوزيف ستيگليتس، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، في هذا الشأن، و التي كتبها كليبرالي، في اطار اتفاقه مع منظري توافق واشنطون، على اولوية تعزيز آليات السوق بعيداً عن التدخل المباشر للدولة.

إذا، ما خلاصة الكلام؟
الخلاصة هي أن المفاهيم والمصطلحات تتسق في منظومات تفكير معقدة و تنتمي الى تاريخ أشد تعقيداً. فدعونا نفهم النيوليبرالية أولاً بتعقيدات بنائها النظري و تاريخها الحافل قبل أن نستخدمها كـ "علكة فكرية".. فإن لم تكن لدينا الطاقة للتعلم، فلنتواضع كمتلقين، ولا ننصب انفسنا منظرين و مرشدين.
ما دفعني إلى كتابة هذه الأسطر التي اخشى اني اطلت في المقدمة بشأنه هو اني وجدت واحدا من اسوأ الأمثلة على التنظير القائم على مضغ "علكة النيوليبرالية"، في مقالٌ لـلسيد (هيوا عمر) نائب السكرتير الأول للحزب الشيوعي الكردستاني بعنوان (النيوليبرالية الكردية واليسار الكردي) نشرتها (ريگاي كوردستان) الصحيفة الأسبوعية لحزبه ثم نشرت (طرق الشعب) الناطقة بإسم الحزب الشيوعي العراقي المقال كاملا على صفحاتها. و اجدني مندفعا لنقده بقسوة رغم اني أكنّ له، على المستوى الشخصي، كل الاحترام، لأنه من القلة القلائل في قيادة الشيوعي الكردستاني الذين يهتمون بتناول الأسئلة النظرية و يجهدون في البحث عن الإجابات. ذلك لأن موقعه في قيادة الحزب يٌلبس كل ما يكتب (خطأ، يشارك هو في صناعته) صفة التنظير القادم من "العقل الجماعي" لحزبه، فيتحول ما يكتب بفعل ذلك إلى دوغما يردده سائر الجسد الحزبي.
هيوا، بعد أن اعتبر التوصيف النيوليبرالي لـ "السوق الحر" حقيقة واقعية لا تقبل الجدل، واعتبر النيوليبرالية بمثابة المذهب الرأسمالي العالمي، ورأى واقع المجتمع "الكردي، وليس الكردستاني" (!) مجرد نسخة محلية للنيوليبرالية... أدرك فجأة أن "نيوليبراليتنا" تختلف قليلاً عن النموذج العالمي! فلخص هذا الاختلاف في خمس نقاط، هي في حد ذاتها دليل على ضحالة معرفية لا يحسد عليها.
في النقطة الأولى، يرى الكاتب أن النيوليبرالية الكردية تختلف عن النيوليبرالية العالمية في كون النيوليبرالية الكردية "احتكارية"! وهذا يعكس سوء فهم خطير؛ إذ يفترض أن المهيمن في النظام الرأسمالي العالمي اليوم هو شيء اسمه "السوق الحر"، و عليه فهو يختلف عن سوقنا الاحتكاري!
وفي النقطة الثانية، اكتشف اختلافاً آخر يزعم فيه أن النيوليبرالية الكردية تمتد إلى القطاعات "الأشد حساسية" كالصحة والتعليم والكهرباء والماء! في حين أن من مر على أدبيات النيوليبرالية، مرور الكرام، يعلم أن هذه القطاعات بالذات هي الهدف الرئيسي في هجومها على السياسة العامة لما يعرف بدولة الرخاء في البلدان الرأسمالية المتقدمة، و تطالب بكفّ يد الدولة عن سوق السلع العامة. إذن، فلا اختلاف هنا على الإطلاق!
وفي النقطة الثالثة، يتحدث عن التعامل المذل مع رواتب موظفي القطاع العام في النيوليبرالية الكردية باعتبارها تجربة فريدة أو لا مثيل لها. في حين أن الأمر لا يتطلب بحثاً عميقاً ليعلم أن التاريخ المشترك لما سمي ب "تحرير" النظام الاقتصادي بعد سقوط الإتحاد السوفيتي و دول أوروبا الشرقية كان هكذا تماماً. إذن فهذه تجربة مشتركة لغالبية الدول والكيانات التي عملت خلال الثلاثين عاماً الماضية في اطار الإستسلام لهيمنة "الليبرالية المتوحشة".
أما النقطة الرابعة فتتمثل، عنده، في أن النيوليبرالية الكردية لا تولي أهمية للصناعة والزراعة... وهذه النقطة، كسابقتها، تعكس جهلاً بحقيقة أن المصانع الكبرى في دول أوروبا الشرقية كانت تُباع بسعر وزن الحديد فيها كخردة وتُصهر حتى لا تنافس مستقبلاً منتجات أوروبا الغربية!
وجاءت النقطة الخامسة لتكون الأكثر إثارة للدهشة! فبعد أن ذكر أن النسخة العالمية من النيوليبرالية تسعى لتدمير النقابات والحركات الاجتماعية والمعارضة، "اكتشف" إن الاختلاف في حالتنا يكمن في أن نيوليبراليتنا لم تنشئ هكذا نقابات و منظمات، و حركات، و إن وجدت عندنا فهي ضعيفة! و فهمي الوحيد للمنطق الداخلي لهذه النقطة هو أنه يرى أن النيوليبرالية العالمية إذا وجدت نقابات حاربتها، وإذا لم تجدها أنشأتها!! أما النيوليبراليين الكرد، فلم ينشئوها أساساً حتى يقوموا بتدميرها(؟!)
عزيزي القارئ،بعد هذا الشرح المختصر لنموذج من البؤس الثقافي عندنا، لايسعني إلا أن اشكر صبرك معي في القراءة. سأتوقف عند هذا الحد. حاولتُ أن أعطي موضوعاً معقداً حقه المستحق، وأن أُبين حجم الضرر الذي يتسبب فيه "أنصاف المتعلمين"، لا سيما عندما يمارسون هكذا تنظير من مواقع قيادية في حزب، كان له تاريخ مختلف تماماً عما هو عليه اليوم... انه مشهد محزن حقا!



#آلان_م_نوري (هاشتاغ)       Alan_M_Noory#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كليبتوقراطية العراق ادارت انتخاباتها: باقية و تتمدد؟
- -يسار- الحركة القومية الكردية، لا يتعلم من اخطائها
- الإقطاعي المتسلط حين يدخل في التجارة الدولية، يصبح (حمارا أغ ...
- إعلام (على حس الطبل خفن يا رجلي) العربي و الإنتخابات الأمريك ...
- لا تملك حقا اخلاقيا بالحكم يوما واحدا:حكومة السوداني تريد صر ...
- ما لن يقولوه عن حيدر الشيخ علي…ويجب أن يقال
- حين يتنافس كمبرادوران*: صراع الشد و الجذب على نفط إقليم كردس ...
- عن ال 80% الصحيحة و ال 20% العليلة في عقود إقليم كردستان
- المسألة أكبر من أوكرانيا (3 - 3): عن الدول المختلقة والدول ا ...
- المسألة أكبر من أوكرانيا (2 - 3): -دمقرطة- بدون ديمقراطية
- المسألة اكبر من أوكرانيا (1 - 3): ديمقراطية -الحشد- النازي؟!
- حرب أوكرانيا و كرد -ما بين حانة و مانة-!
- إلى المعتقدين بصدق بقانون النفط والغاز في إقليم كردستان, مع ...
- أوكرانيا و معها العالم بين أمريكا السيئة و بوتين الأسوأ!
- يا لهؤلاء -العراقچيين-!
- تجربتي مع المؤسسة القضائية في إقليم كردستان
- طلاب جامعة السليمانية يكشفون عورة نظام سياسي آيل للسقوط
- مناصرو -حركة التغيير- يلقنون العراقيين درسا في الديمقراطي….أ ...
- كرد العراق في ذكرى استفتاء لم يقصد منه الاستفتاء!
- دروس أفغانستان... لمن يعتبر! (الجزء 3 من 3 )


المزيد.....




- الملك عبدالله الثاني: المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع بدل ...
- أمير قطر: لا يستقيم حديث عن نظام دولي عادل ما دامت فلسطين نق ...
- -خياران- أمام طهران.. كيف وصف ترامب اجتماع إداراته مع وفد إي ...
- ترامب: أناقش مع الرئيس بوتين شروط التسوية لاتفاق محتمل بين ر ...
- بعد مناورات مع تركيا.. مصر تبحث مع اليونان وقبرص التعاون الد ...
- استطلاع: أكثر من نصف الألمان يؤيدون استقالة المستشار ميرتس ب ...
- بن غفير يتعهد بإطلاق النار على كل فلسطيني يرمي حجرا على إسرا ...
- البرادعي يدعو العرب إلى تغيير قواعد اللعبة مع إيران.. ماذا ا ...
- رسائل الردع السعودية.. رد حاسم على الحوثي
- بعد 7 سنوات على وفاته.. أين اختفت ثروة جيفري إبستين؟


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - آلان م نوري - الاكثار من مضغ علكة -النيوليبرالية- -الكردية- لا ينتج سوى فقاعات الهواء*