أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - خطوط الصدع في شرق المتوسط: تحليل بنيوي للتناقضات السياسية والعسكرية— إسرائيل، لبنان، سورية، قبرص (اليونانية/التركية)، اليونان، تركيا















المزيد.....

خطوط الصدع في شرق المتوسط: تحليل بنيوي للتناقضات السياسية والعسكرية— إسرائيل، لبنان، سورية، قبرص (اليونانية/التركية)، اليونان، تركيا


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 10:33
المحور: قضايا ثقافية
    


خطوط الصدع في شرق المتوسط: تحليل بنيوي للتناقضات السياسية والعسكرية— إسرائيل، لبنان، سورية، قبرص (اليونانية/التركية)، اليونان، تركيا

الملخص
أصبحت منطقة شرق المتوسط واحدة من أكثر خطوط الصدع الجيوسياسية انفجاراً في العالم. يتخذ هذا البحث من إسرائيل ولبنان وسورية وقبرص (اليونانية والتركية) واليونان وتركيا ستة أطراف للتحليل، ويدرس الجذور البنيوية لتناقضاتها السياسية والعسكرية. يرى البحث أن صراعات المنطقة ليست تراكماً لأحداث منعزلة، بل هي تقاطع وتردد ثلاث مجموعات من التناقضات البنيوية: الأولى، النزاع القانوني حول الحدود البحرية والسيادة على الطاقة (تركيا—اليونان—قبرص)؛ الثانية، المواجهة العسكرية عبر حروب الوكالة وتوازن الردع (إسرائيل—حزب الله—إيران—سورية)؛ الثالثة، الجمود السياسي الناتج عن سياسات الهوية وانعدام الاعتراف (انقسام قبرص، المسألة الكردية، النظام الطائفي اللبناني). وتتفاعل هذه المجموعات الثلاث عبر آليات مثل عقيدة "الوطن الأزرق" ومنتدى غاز شرق المتوسط والمواجهة الإيرانية—الإسرائيلية، مما يضع المنطقة في حالة توتر دائم تُوصف بأنها "ردع بلا سلام، ومواجهة بلا حرب".
أولاً: طرح الإشكالية
ظلّت منطقة شرق المتوسط على هامش السياسة الدولية طوال حقبة ما بعد الحرب الباردة، لكنها قفزت خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة لتصبح ساحة مركزية للصراع بين القوى الكبرى والمواجهات الإقليمية. فمع اكتشاف حقول الغاز الإسرائيلية "تامار" و"ليفياثان"، وحقل "أفروديت" القبرصي، وحقل "ظهر" المصري في حدود عام 2010، تحولت المنطقة من "فراغ جيوسياسي" إلى "جبهة للجيوسياسة الطاقوية". وتُقدَّر احتياطيات الغاز المتبقية في شرق المتوسط بنحو 80 تريليون قدم مكعب، إضافة إلى نحو 286.2 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي التقليدي غير المكتشف. وقد أدى إعادة تقييم الثروة الطاقوية إلى تنشيط سلسلة من النزاعات التاريخية المجمدة: ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة البحرية، وملكية الجرف القاري، وما إذا كانت الجزر تتمتع بحقوق بحرية، ومسألة تمثيل الدول المنقسمة.
وفي الوقت نفسه، تصاعدت المواجهة العسكرية بين جنوب لبنان وإسرائيل بشكل حاد بعد عام 2023، وانزلقت الحرب بين حزب الله وإسرائيل من "توازن الردع" إلى "استنزاف شامل". كما أدى انهيار نظام الأسد في سورية إلى تغيير قنوات الإسقاط الإقليمي للقوة، وقطع "الجسر" البري الذي كانت إيران تستخدمه لإمداد حزب الله. أما تركيا فقد رفعت عقيدة "الوطن الأزرق" (Mavi Vatan) من وضع الموقف الدبلوماسي إلى وضع التشريع الوطني.
ويشكّل تفاعل الأطراف الستة مصفوفة صراع معقدة: اليونان وتركيا حليفتان في الناتو لكنهما تتبادلان دور العدو المفترض؛ وإسرائيل وتركيا كانتا شريكتين استراتيجيتين لكنهما تباعدتا تدريجياً؛ وجمهورية قبرص عضو في الاتحاد الأوروبي لكن تركيا لا تعترف بها؛ وحزب الله اللبناني قوة وكيلة لإيران وفاعل رئيسي في السياسة الداخلية اللبنانية؛ وسورية تحولت من مصدّر للصراع إلى مستقبِل له. ويتطلب فهم هذه المصفوفة تجاوز المنظور الثنائي والبحث عن نقاط التقاطع بين التناقضات البنيوية.
ثانياً: المجموعة الأولى — الحدود البحرية والسيادة الطاقوية وتقنين "الوطن الأزرق"
2.1 النزاع على الترسيم في بحر إيجه وشرق المتوسط
تتجذر النزاعات البحرية بين تركيا واليونان في خلافين قانونيين جوهريين. الأول، عرض المياه الإقليمية: تطالب اليونان بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) بتوسيع مياهها الإقليمية من 6 أميال بحرية حالياً إلى 12 ميلاً. وترى تركيا أنه نظراً لتكدس جزر بحر إيجه، فإن المياه الإقليمية البالغة 12 ميلاً ستمنح اليونان السيطرة على أكثر من 70% من بحر إيجه، ولذلك أقرّ البرلمان التركي عام 1995 قراراً يعتبر التوسيع الأحادي اليوناني للمياه الإقليمية "سبباً للحرب" (casus belli). الثاني، الحقوق البحرية للجزر: تصرّ اليونان على أن جزرها — بما فيها جزيرة كاستيلوريزو القريبة من الساحل التركي — تتمتع بحقوق مياه إقليمية وجرف قاري مستقلة عن البر الرئيسي. أما تركيا فتطالب بـ"ترسيم عادل"، وترى أن الجزر الصغيرة لا ينبغي أن تولّد مناطق اقتصادية خالصة تلقائياً، وأن الحدود ينبغي أن تتبع خط الوسط في بحر إيجه تقريباً.
وقد تفاقم هذا الخلاف بشكل حاسم عام 2019 حين وقّعت تركيا مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية. وتتجاهل هذه الاتفاقية وجود جزيرة كريت، وترسم ممراً للمنطقة الاقتصادية الخالصة بين الساحل التركي الجنوبي وشمال شرق ليبيا، يخترق مباشرة المياه التي تطالب بها اليونان وقبرص. وقد أدانت اليونان وقبرص ومصر والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة هذه الاتفاقية ووصفتها بأنها "غير قانونية" أو "غير مقبولة".
2.2 التحول القانوني لعقيدة "الوطن الأزرق"
أصبحت عقيدة "الوطن الأزرق" منذ عام 2006 الإطار المحوري للاستراتيجية البحرية التركية، ومفادها أن تركيا لا ينبغي أن تُعتبر "دولة ذات شريط ساحلي ضيق"، بل قوة بحرية تمتد عبر البحر الأسود وبحر مرمرة وبحر إيجه وشرق المتوسط، وأن جرفها القاري ومنطقتها الاقتصادية الخالصة ينبغي أن يُرسَما على أساس "مبدأ العدالة" لا على أساس الحقوق "غير العادلة" للجزر.
وقد شهدت هذه العقيدة تحولاً نوعياً عام 2026، إذ صاغ حزب العدالة والتنمية الحاكم مسودة قانون بحري يهدف إلى إدراج مبادئ "الوطن الأزرق" رسمياً في القانون. وتنص المسودة على أن المياه الإقليمية التركية في البحر الأسود والبحر المتوسط تبلغ 12 ميلاً بحرياً، وفي بحر إيجه تبقى 6 أميال؛ ويُفوَّض الرئيس بإعلان منطقة اقتصادية خالصة تمتد من الساحل التركي إلى 200 ميل بحري؛ وتتطلب أي أنشطة اقتصادية أو علمية أو بيئية في المياه البحرية التي تحددها تركيا إذناً تركياً.
ويكمن مغزى هذا التشريع في أنه يقلّص المساحة السياسية للتنازل. فحين تتحول المطالب البحرية من سياسة خارجية إلى قانون داخلي، يواجه أي تراجع تكلفة سياسية داخلية. وكما تشير التحليلات، "فإن مثل هذه المطالب متى قُنّنت، يصبح التراجع عنها مكلفاً سياسياً على الصعيد الداخلي وصعباً استراتيجياً على الصعيد الدولي". وهكذا تُرسّخ تركيا التحريفية القانونية عبر التشريع، محوّلة "الوطن الأزرق" من ورقة تفاوضية إلى هدف وطني.
ثالثاً: المجموعة الثانية — حروب الوكالة وتوازن الردع وجبهة لبنان—سورية
3.1 إسرائيل—حزب الله: من الردع إلى الاستنزاف
بدأت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني مع الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. وقد نشأ حزب الله كقوة مقاومة مدعومة من إيران في ثمانينيات القرن الماضي، وأجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، وهو ما اعتبره مؤيدوه "أول انتصار عربي على إسرائيل". وانتهت حرب عام 2006 بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي دعا إلى "نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان"، لكن هذا الهدف لم يتحقق قط.
وبعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، بدأ حزب الله في اليوم التالي بإطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل "تضامناً مع فلسطين". وفي سبتمبر 2024، اغتالت إسرائيل عبر تفجيرات البيجر والغارات الجوية الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله وقيادته، ثم توصلت إلى اتفاق وقف إطلاق نار هش في نوفمبر. غير أن إسرائيل واصلت ضرباتها اليومية تقريباً في لبنان، بينما التزم حزب الله بضبط النفس إلى حد كبير.
وجاءت نقطة التحول الحقيقية في نهاية فبراير 2026: إذ اغتالت إسرائيل وأمريكا المرشد الأعلى الإيراني خامنئي في غارة مشتركة. ورداً على ذلك، أطلق حزب الله صواريخ على شمال إسرائيل في 2 مارس، فشنّت إسرائيل حملة جوية وهجوماً برياً واسع النطاق. وحتى لحظة التحليل، أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان عن أكثر من 1000 قتيل، ونزوح نحو مليون شخص (قرابة خُمس سكان لبنان). وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي خططاً لإنشاء "منطقة أمنية" جنوب نهر الليطاني، مؤكداً أن "مئات الآلاف من السكان الشيعة لن يعودوا قبل ضمان أمن شمال إسرائيل".
3.2 تحوّل دور سورية
يشهد دور سورية في شبكة الصراع هذه تحولاً جذرياً. ففي عهد نظام الأسد، كانت سورية نقطة عبور محورية في "الجسر البري" الذي تُنقل عبره الأسلحة والإمدادات من إيران إلى حزب الله. وقد تدخّل حزب الله في الحرب الأهلية السورية بين 2015 و2018، ولعب دوراً حاسماً في بقاء نظام الأسد. غير أن انهيار نظام الأسد (يُشار في النص إلى "أبو محمد الجولاني" وشنّ هجوم من إدلب للسيطرة على دمشق) يعني انقطاع هذا الجسر البري. ويشكّل هذا ضربة قاسية لقدرة حزب الله على الإمداد اللوجستي، لكنه قد يجعله في الوقت نفسه أكثر تشتتاً تنظيرياً ومرونة في حرب العصابات.
وتجدر الإشارة إلى تقارير تفيد بأن تركيا تخطط لتوقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع سورية مماثلة لتلك الموقعة مع ليبيا عام 2019. وإذا تحقق ذلك، فسيغيّر بشكل أكبر خريطة الحقوق البحرية في شرق المتوسط، ويمنح المطالب التركية المزيد من الدعم على محور ليبيا—سورية.
3.3 الهشاشة البنيوية الداخلية اللبنانية
يجعل النظام السياسي الطائفي في لبنان منه "ساحة معركة طبيعية" للصراعات الخارجية. فكل طائفة تسعى تقليدياً إلى حامٍ خارجي: الموارنة يتجهون إلى فرنسا والغرب، والسنة إلى السعودية والعالم العربي، والشيعة إلى إيران وسورية، والدروز يتأرجحون بين الأطراف. وحزب الله ليس مجرد تنظيم مسلح، بل "دولة موازية" تقدم خدمات اجتماعية وتعليماً ورعاية صحية ووظائف في المجتمع الشيعي. وهذا يضع جهود نزع سلاحه أمام مأزق جوهري: النزع بالقوة سيؤدي إلى حرب أهلية، والنزع السياسي شبه مستحيل في ظل نظام تقاسم السلطة الطائفي.
وفي عام 2025، تشكّلت الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس نواف سلام والرئيس جوزيف عون، الأخير كان قائد الجيش اللبناني. وحاولت الحكومة الجديدة إعلان "احتكار" الدولة للسلاح، ونشر الجيش جنوب نهر الليطاني، وحظر الجناح العسكري لحزب الله. لكن حزب الله رفض نزع سلاحه شمال النهر، محتفظاً بترسانة أقوى من الجيش اللبناني. وقد جعلت حرب مارس 2026 لبنان أمام "تهديد وجودي"، كما أن مشكلة إيواء أكثر من مليون نازح تزيد من التوترات الطائفية، ووصفها بعض المحللين بأنها "قنبلة موقوتة".
رابعاً: المجموعة الثالثة — الاعتراف والهوية وسياسة الانقسام
4.1 قضية قبرص: انقسام مُدَوَّم
تعيش قبرص منذ عام 1974 انقساماً واقعياً: جمهورية قبرص المعترف بها دولياً (ذات الغالبية اليونانية، وعضو الاتحاد الأوروبي) تسيطر على نحو 60% من الجزيرة جنوباً؛ و"جمهورية شمال قبرص التركية" المعترف بها من تركيا وحدها تسيطر على نحو 36% شمالاً؛ ويفصل بينهما منطقة عازلة تابعة للأمم المتحدة. ويعود جذر انقسام 1974 إلى انقلاب دعمته الحكومة العسكرية اليونانية، تلاه تدخل عسكري تركي بصفة تركيا "دولة ضامنة".
ولا تعترف تركيا بجمهورية قبرص، وهو ما يضعها أمام عقبة جوهرية في أي مفاوضات تتعلق بطاقة شرق المتوسط. وكما تشير التحليلات، "إذا قبلت تركيا مشاركة جمهورية قبرص في المنتديات المتعددة الأطراف لشرق المتوسط، فسيكون ذلك علامة تحول واضح في موقفها التفاوضي"، لكن "من الصعب جداً في هذه اللحظة تصور كيف يمكن أن يحدث ذلك". وتعتبر حكومة قبرص المطالب البحرية التركية انتهاكاً لسيادتها، بينما ترى تركيا أن التعاون الطاقوي والدفاعي بين قبرص واليونان وإسرائيل جزء من "جهد أوسع لاستبعاد تركيا من ترتيبات الطاقة والأمن في شرق المتوسط".
4.2 المسألة الكردية والترابط الداخلي—الدولي التركي
على الرغم من أن نتائج البحث لا تتناول المسألة الكردية مباشرة، فإن ثمة ترابطاً عميقاً بين عقيدة "الوطن الأزرق" والسياسة القومية الداخلية التركية. فقد أُدرجت "الوطن الأزرق" في المناهج التعليمية التركية، حيث يُعلَّم الطلاب أن تركيا "تناضل من أجل حقوقها البحرية المشروعة في مواجهة مطالب غير عادلة". وهذا تقنين أيديولوجي يعني أن النزاع البحري يُصاغ كـ"نضال تحرري وطني"، وأن الدبلوماسية تُعتبر ضعفاً، وأن التحريفية الإقليمية تُعتبر واجباً وطنياً. ويقيّد هذا الوضع السياسي الداخلي هامش أي حكومة تركية للتنازل في أي نزاع بحري، ويوفر في الوقت نفسه شرعية داخلية مستمرة للموقف العسكري.
خامساً: تقاطع التناقضات وترددها — لماذا "التوتر الدائم" لا "الحرب الشاملة"؟
لا توجد تناقضات الأطراف الستة بمعزل عن بعضها، بل تتعزز عبر آليات عدة:
الآلية الأولى: التداخل العدائي لشبكات التحالف. يشكّل التعاون الطاقوي والأمني بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر (منتدى غاز شرق المتوسط، 2020) محوراً يقابله محور تركيا—ليبيا (حكومة طرابلس)—قطر—حماس. وترى تركيا في الأول محاولة "لاستبعادها"، بينما ترى اليونان في الثاني تحدياً "غير قانوني" لحقوقها البحرية.
الآلية الثانية: ربط المصالح الطاقوية بالمصالح الأمنية. يربط أعضاء منتدى غاز شرق المتوسط التعاون الطاقوي بالتنسيق الأمني، بينما تنافس تركيا على المياه نفسها عبر الانتشار البحري وسفن المسح الزلزالي والحماية العسكرية. وقد كاد دخول سفينة الأبحاث التركية "أوروتش رئيس" المياه المتنازع عليها عام 2020 أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية بين اليونان وتركيا، وهما حليفتان في الناتو.
الآلية الثالثة: ترابط "العامل الإيراني" في جبهة لبنان—سورية مع النزاع البحري. لا تقتصر المواجهة الإيرانية—الإسرائيلية على تحديد الوضع العسكري في جنوب لبنان، بل تؤثر بشكل غير مباشر عبر العلاقة المعقدة بين إيران وتركيا (تنافس وتعاون) على آفاق حل النزاع البحري. وإيران طرف أساسي في اتفاق وقف إطلاق النار اللبناني، ونجاح أو فشل المفاوضات الأمريكية—الإيرانية يؤثر مباشرة على مسار الحرب في لبنان.
وتنتج هذه الآليات مجتمعة نتيجة مفارقة: المنطقة في حالة توتر عالٍ مستمر، لكن تكلفة الحرب الشاملة يُدركها جميع الأطراف بأنها غير محتملة. فاليونان وتركيا عضوان في الناتو، والمواجهة العسكرية المباشرة بينهما ستمزق التحالف. والحرب بين إسرائيل وحزب الله، رغم قسوتها، يتجنب فيها الطرفان عبور "الخطوط الحمراء" المؤدية إلى غزو شامل. والمطالب البحرية التركية، رغم تطرفها، لا تزال عملياتها البحرية تعتمد استراتيجية "المنطقة الرمادية" — مرافقة سفن المسح، وإشعارات NAVTEX، والمناورات البحرية — لا فتح النار المباشر.
سادساً: الخاتمة
تشكّل التناقضات السياسية والعسكرية في شرق المتوسط نظام صراع متعدد الطبقات ومتداخلاً. السطح الأكثر ظهوراً هو النزاعات الثنائية: الترسيم البحري اليوناني—التركي، والمواجهة العسكرية الإسرائيلية—حزب الله، وانقسام قبرص. والطبقة الوسطى هي المواجهة بين التحالفات: التنافس الطاقوي—الأمني بين منتدى غاز شرق المتوسط ومحور تركيا—ليبيا. والطبقة العميقة هي صراع الهويات البنيوي: حرب قانونية بين عقيدة بحرية تحريفية وحافظي الوضع الراهن، وتوتر بين نموذج حروب الوكالة ونظام الدول ذات السيادة، وعدم توافق بين النظام السياسي الطائفي وبناء الدولة الوطنية.
وسيستمر أربعة متغيرات في تشكيل形态 الصراع في المنطقة في المستقبل المنظور: تقدّم مشروع القانون البحري التركي لعام 2026، والوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، وإعادة تموضع حزب الله الاستراتيجي بعد استهداف القيادة الإيرانية، وأثر تغيير النظام السوري على الإسقاط الإقليمي للقوة. وأي حل لقضية واحدة (كتسوية النزاع البحري اليوناني—التركي) لن يُذيب التوتر الكلي، لأن العلاقات التبادلية بين التناقضات تجعل التهدئة الجزئية عرضة للإلغاء بتصعيد في بُعد آخر. وحالة "التوتر الدائم" في شرق المتوسط هي في جوهرها نتاج بنيوي لإعادة تنشيط مجموعات من التناقضات التاريخية غير المحلولة في العصر الطاقوي.
المراجع
1. المونيتور. "مسودة قانون بحري تركي جديد تغذي التوترات في شرق المتوسط مع اليونان وقبرص." 2026-05-11.
2. جريدة عمان. "لبنان في مفترق طرق!!" 2026-09-07.
3. المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS). "الطاقة والسيادة في النزاعات البحرية بشرق المتوسط." 2025-09.
4. سي إن إن. "لماذا يوجد قتال في لبنان؟" 2026-06-19.
5. جريدة عمان. "الحرب بين حزب الله وإسرائيل تفاقم الانقسامات في لبنان." 2026-03-27.
6. المجلة. "مشروع القانون البحري التركي المقترح يخاطر بإشعال التنافسات القديمة." 2026-05-31.
7. المونيتور (بالصينية). "مسودة القانون البحري التركي الجديد تزيد التوترات في شرق المتوسط مع اليونان وقبرص." 2026-05-11.
8. مجموعة الأزمات الدولية. "حرب إسرائيل وحزب الله: إلى أين؟" 2026-03-19.
9. منتدى الشرق الأوسط. "هل سيواجه الناتو وقاحة عقيدة الوطن الأزرق التركية؟" 2025-10-30.
10. ذا هندو. "لماذا تهاجم إسرائيل لبنان؟ | شرح." 2026-03-21.
11. جريدة الدستور. "خبير عسكري: انقسام في لبنان حول توصيف الحرب وتعقيدات النظام الطائفي." 2026-03-27.
12. يوراكتيف. "توضيح: هل يمكن إصلاح الفوضى في المتوسط؟" 2025-10-30.
13. تشاتام هاوس. "أي احتلال إسرائيلي لجنوب لبنان سيعمل لصالح حزب الله." 2026-03-24.
14. مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. "استراتيجية تركيا البحرية ترفع خطر أزمة جديدة في شرق المتوسط." 2026-05-12.
15. إي-آي آر. "تركيا وشرق المتوسط: فرصة للتعاون أم إنذار بالصراع؟" 2026-08-07.
16. الجزيرة. "في لبنان، تغيّر كل شيء ولم يتغير شيء منذ 2000." 2026-05-24.
17. جريدة زمان التركية. "تحرك تركي مرتقب ضد اليونان." 2026-05-08.



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تطبيق نموذج غريماس على الخطاب الدبلوماسي
- الأحكام المسبقة للنموذج الدبلوماسي العابر للوطنية
- الأمم المتحدة في عصر -قانون الغاب-: القيمة والرهانات ، محمد ...
- قراءة في كتاب -الثورة السورية: من قبضة البعث إلى الحرية- الص ...
- خصوصية الخطاب الدبلوماسي ، محمد عبد الكريم يوسف
- تاريخ الدعابة السياسية والدبلوماسية، محمد عبد الكريم يوسف
- تركيا وعقيدة -الوطن الأزرق-: دراسة في الجذور الفكرية والأبعا ...
- الواقعية والمثالية في العمل الدبلوماسي، محمد عبد الكريم يوسف
- الدبلوماسيون والمخابرات: من يقود من؟ محمد عبد الكريم يوسف
- طرائف فارس الخوري في البرلمان السوري ، محمد عبد الكريم يوسف
- طرائف نبيه بري في البرلمان اللبناني، محمد عبد الكريم يوسف
- الدبلوماسية السورية من عصر الأسد الأب إلى الرئيس الشرع محمد ...
- استراتيجيات الدبلوماسية السورية في عهد الرئيس الشرع، محمد عب ...
- ‏التاريخ إن حكى بلسان المؤرخ اللبناني بدر الحاج ،‏ ‏محمد عبد ...
- ‏المنطوق وغير المنطوق في زيارة رئيس المخابرات المركزية إلى م ...
- نبيه بري: السياسي اللبناني الذي يتقن كل الفنون، محمد عبد الك ...
- استراتيجيات التخاطب اللغوية ودورها في تطوير العمل الدبلوماسي ...
- وزن النور: من الإمام جعفر الصادق إلى عصر الذكاء الاصطناعي، م ...
- حتمية الصدام التركي الإسرائيلي – فرص النجاح والإخفاق حين تفش ...
- ملخص كتاب: القطيعة النظيفة : استراتيجية جديدة لتأمين المملكة


المزيد.....




- عراقجي يكشف خطط الرئيس الإيراني خلال زيارته إلى نيويورك
- حصريا: انطلاق العام الدراسي في إيران مع ارتفاع الرسوم 3 أضعا ...
- المغرب: استثمارات ومشاريع كبرى فهل يجد الشباب نصيبه من ثماره ...
- فوائد لا تتوقعها .. لماذا ينصح الخبراء بالحبوب الكاملة؟
- العلاقات الروسية الجزائرية.. من إزالة 1.5 مليون لغم فرنسي إل ...
- اختطاف أسير محرر في قطاع غزة
- هجوم مكثف على أهداف في أوكرانيا
- مجموعات كبيرة من المستوطنين تهاجم بلدة سلواد شرق رام الله
- دراسة يابانية: مستخلص الكركم يحسّن مؤشرات الذاكرة والانتباه ...
- إيران تبدأ -الهندسة العكسية- لغواصة أمريكية مسيرة انتشلتها ف ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - خطوط الصدع في شرق المتوسط: تحليل بنيوي للتناقضات السياسية والعسكرية— إسرائيل، لبنان، سورية، قبرص (اليونانية/التركية)، اليونان، تركيا