محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 07:22
المحور:
قضايا ثقافية
تاريخ الدعابة السياسية والدبلوماسية
ملخص
تتناول هذه الدراسة تاريخ الدعابة السياسية والدبلوماسية بوصفها ظاهرة إنسانية عريقة تجاوزت كونها مجرد ترفيه أو تسلية، لتتحول إلى أداة استراتيجية في الخطاب السياسي والعلاقات الدولية. تستعرض الورقة جذور الدعابة السياسية في التراث العربي والإسلامي، مبرزة دور النوادر والنكات السياسية في نقد السلطة والتعبير عن المكبوت الشعبي، ثم تنتقل إلى استعراض نماذج من الدعابة الدبلوماسية في السياق الغربي، بدءًا من رسائل الكاردينال مازان في القرن السابع عشر، مرورًا بالرسوم الكاريكاتورية السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وصولًا إلى توظيف الفكاهة كأداة للقوة الناعمة في الدبلوماسية العامة المعاصرة. تخلص الدراسة إلى أن الدعابة السياسية والدبلوماسية تمثلان مجالًا خصبًا للبحث الأكاديمي، يكشف عن أبعاد غير تقليدية في ممارسة السياسة وإدارة العلاقات الدولية.
الكلمات المفتاحية: الدعابة السياسية، الدعابة الدبلوماسية، الفكاهة، السخرية، القوة الناعمة، العلاقات الدولية، التراث العربي.
أولاً: الإطار المفاهيمي
تُعرف الدعابة بأنها "كل ما يبعث على الضحك أو الابتسام أو السخرية من حديث مرح، أو نادرة طريفة، أو دعابة لطيفة، أو نكتة مثيرة، أو مزاح رقيق أو تهكم مرير". وتختلف الدعابة السياسية عن سواها بأنها تتخذ من الشأن السياسي موضوعًا لها، سواء عبر النقد المباشر للسلطة أو التهكم على السياسات أو السخرية من القادة. أما الدعابة الدبلوماسية فترتبط بالعلاقات الدولية وبسلوك الدبلوماسيين والمفاوضين في سياقات رسمية، وتتخذ غالبًا طابعًا أكثر تهذيبًا ودقة.
وقد أشارت الدراسات الحديثة إلى أن الفكاهة في السياسة "لم تعد مجرد ترف، بل أداة استراتيجية قد ترفع قائدًا إلى قمة الشعبية، أو تفضحه أمام الملايين وتهوي به إلى الحضيض". ويذهب باحثون في العلاقات الدولية إلى أن الفكاهة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال القوة الناعمة، قادرة على نزع فتيل المواقف المتوترة أو خلق تحالفات.
ثانيًا: الدعابة السياسية في التراث العربي والإسلامي
الجذور التاريخية
يمتلك التراث العربي تاريخًا حافلًا بالفكاهة والضحك منذ ما قبل الإسلام. وقد شهر العرب بالفكاهة "لخفة أرواحهم، وذكاء عقولهم، وحدة عواطفهم ومشاعرهم، وكثرة تجاربهم في الحياة". ولما كثرت أعباء العمل السياسي عند القادة من الأمراء والولاة والخلفاء، اتخذوا ندماء يسرون عنهم بالفكاهة والحديث الطلي، كما خصص بعض القادة شخصًا سموه "مضحك الأمير".
أعلام الفكاهة السياسية في التراث
برز في التراث العربي شخصيات ارتبطت بالفكاهة والنكات السياسية اللاذعة. ففي صدر الخلافة العباسية طارت شهرة أشعب أميرًا للفكاهة والنكتة اللاذعة. وكان أبو نواس وأبو العيناء وأبو دلامة "يلبسون في أحيان كثيرة لباس النديم أو مضحك الأمير أو الخليفة ويروى عنهم في ذلك الكثير". كما برزت شخصية "جحا العربي" التي رويت عنها آلاف الفكاهات.
وفي العصر الأموي، نمت الفكاهة في حضن النقائض التي تعتمد على الهجاء المتبادل، فتناثرت النوادر في الأشعار والنثر. وفي العصر العباسي، برز سيبويه المصري في عهد الدولة الأخشيدية، وكان "مضحك الأمراء، مثيرًا للناس وتظاهر بالبله والجنون، ونال من الناس كافة وبخاصة كبارهم مالم يئله منهم أحد... وله الكثير من النكات السياسية اللاذعة، ولم يدع في زمانه كبيرًا أو صغيرًا إلا هجاه بفكاهاته العميقة".
النكتة السياسية كأداة نقدية
تمثل النكتة السياسية جزءًا أصيلًا من الأدب الشعبي، وهي تأتي بشكل عفوي مكثف ومختصر. وقد لعبت دورًا كبيرًا في التعبير عن رأي المقهورين في مواجهة الفشل السياسي وقلاع التغوّل اللامتناهي للسلطة. وتتميز النكتة السياسية بأنها "التعبير الهامس للمقهورين"، وقد استخدمها المصريون - على وجه الخصوص - بكثافة "لكثرة ما تعرضوا له على طول عصور التاريخ من عسف وطغيان، فاتخذوا النكتة موضع النقد السياسي، وبرعوا فيها براعة فائقة".
ويذهب بعض الباحثين إلى أن المجتمعات العربية لها "تاريخ طويل مع استخدام النكتة كأداة نقدية غير مباشرة للسلطة". وكان العديد من زعماء العالم العربي يتابعون السخرية السياسية التي يرددها الأدباء، فمنهم من كان يعتبرها استطلاع رأي لسياسته. وتجدر الإشارة إلى أن الكتابة الساخرة دخلت الثقافة العربية قديمًا، ربما منذ كتاب "البخلاء" للجاحظ، ثم من سار على دربه لاحقًا مثل أبو العتاهية والحطيئة.
ثالثًا: الدعابة الدبلوماسية في السياق الغربي
الفكاهة في المفاوضات الدبلوماسية: نموذج مازان
يُعد الكاردينال مازان، وزير الملك لويس الرابع عشر في فرنسا، من أبرز الأمثلة التاريخية على توظيف الفكاهة في العمل الدبلوماسي. ففي رسائله من جبال البرانس خلال مفاوضات معاهدة البرانس بين فرنسا وإسبانيا عام 1659، حرص مازان على تصوير نفسه كشخص ظريف، وأكدت تقاريره على دور الضحك في صياغة المعاهدة. وقد سرد مازان عدة أنماط من الفكاهة في مراسلاته: ردود بارعة على الوزير الإسباني، وضحكات ودية بين المفوضين، وعند الاستفزاز، طعنات ساخرة في مقترحات إسبانيا المزعومة.
وقد وظف مازان الفكاهة استراتيجيًا، إذ تهدف إلى إظهار تفوقه وبصيرته وحكمته لقرائه في البلاط الملكي بباريس. وبذلك "جعل الكوميديا أداة قوية لتأكيد مكانته في البلاط، وفي الوقت نفسه لتكريس نموذجه المفضل للرعية. في هذه المساعي، أصبحت الفكاهة الاستراتيجية الأكثر جدية المتاحة لرجل الدولة المخضرم". وهكذا، مكّنته الفكاهة من الاستمتاع بالسخرية السياسية مع البقاء منفصلًا عن العواطف السياسية.
الدعابة الدبلوماسية في الثقافة الشعبية
تتجلى الدعابة الدبلوماسية أيضًا في النكات المتداولة حول شخصية الدبلوماسي نفسه. فمن أشهر النكات الدبلوماسية تلك التي وردت في صحيفة Berliner Tageblatt الألمانية ونُقلت إلى الإنجليزية منذ عام 1913 على الأقل، والتي تلخص الفرق بين السيدة والدبلوماسي: "عندما يقول الدبلوماسي نعم ، فهو يعني ربما ؛ وعندما يقول ربما ، فهو يعني لا ؛ وعندما يقول لا ، فهو ليس دبلوماسيًا". تعكس هذه النكتة الصورة النمطية للدبلوماسي كشخص يتجنب التصريحات القاطعة ويمارس الغموض المقصود كجزء من مهنته.
الدعابة كسلاح سياسي في العصر الحديث
شهد القرن العشرون توظيفًا متزايدًا للفكاهة في السياقات السياسية والدبلوماسية. فالرسوم الكاريكاتورية السياسية، على سبيل المثال، لعبت دورًا بارزًا في نقد السياسيين، كما حدث مع الرسوم التي تسخر من الرئيس ويلسون في مطلع القرن العشرين لتردده في إلزام الولايات المتحدة بالمشاركة في الحرب العالمية الأولى. وقد قورنت هذه الرسوم بما تقوم به اليوم التغريدات الدبلوماسية.
وفي فترة الحرب الباردة، استُخدمت الفكاهة كأداة دبلوماسية غير تقليدية. فالسخرية استُخدمت لتقويض الخصوم بشكل غير مباشر، وظهرت بعض أفضل النكات السياسية في أوروبا الشرقية حيث أطلق عشرات الملايين من المضطهدين العنان لضغوطهم عبر الضحك. وتشير دراسة إلى أن النكتة السياسية لعبت دورًا كبيرًا في الحرب النفسية بين الدول، كما حدث في الحرب العراقية-الإيرانية.
رابعًا: الدعابة في الدبلوماسية المعاصرة
الفكاهة الاستراتيجية والدبلوماسية العامة
تشير الأبحاث المعاصرة إلى أن الفكاهة أصبحت جزءًا مألوفًا بشكل متزايد في الاتصال السياسي والدبلوماسية العامة. وتُعرِّف دراسة حول "المحاكاة الساخرة والثقافة الشعبية وسياسة إدارة الدولة" الفكاهة السياسية بأنها "اتصال فكاهي منتج بشكل احترافي في السياسة العالمية وتأثيراته على السياسة". وتظهر النتائج أن "المحاكاة الساخرة كأسلوب فكاهي محدد هي من بين أكثر أشكال الفكاهة شيوعًا التي يستخدمها الجهات الفاعلة الحكومية"، وأنها "من المرجح أن تُطبق في الأوقات التي يبدو فيها بشكل بديهي أنها الأقل ملاءمة: أثناء الأزمات الكبرى وحالات عدم اليقين أو للتعامل مع نقاط الضعف الشخصية لصانعي السياسات".
وتكشف الأبحاث أن الفكاهة تُستخدم "بشكل استراتيجي للغاية مما يظهر مركزيتها كجزء لا يتجزأ من السياسة الحديثة". ومن الآثار المهمة للفكاهة السياسية قدرتها على "توسيع لغة السياسة وجلب الترفيه واللعب إلى عالم السياسة الجاد"، مما يمكن من التحايل على المحظورات وتغيير المسؤوليات السياسية. غير أن هذا "التقديم للسياسة كعرض ترفيهي دائم" قد يؤدي إلى "لامبالاة إشكالية من جانب الجمهور تجاه القضايا السياسية الجادة".
الفكاهة في الدبلوماسية الرقمية
مع ظهور الدبلوماسية الرقمية، أصبحت الفكاهة أداة شائعة في التواصل الدبلوماسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ففي عام 2018، استخدمت السفارة الروسية في لندن تغريدات ساخرة لرفض الاتهامات المتعلقة بتسمية سالزبوري وسخرت من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. وفي عام 2022، انتشرت الميمات عن الدبابات الروسية التي تسحبها الجرارات على نطاق واسع من قبل المسؤولين الأوكرانيين. وهذه الأمثلة توضح كيف يمكن للفكاهة أن تصبح جزءًا من استراتيجيات التواصل في أوقات الأزمات.
خامسًا: خلاصة وتوصيات
تثبت هذه المراجعة التاريخية أن الدعابة السياسية والدبلوماسية ليست ظاهرة هامشية أو عابرة، بل هي جزء أصيل من الممارسة السياسية والدبلوماسية عبر العصور والحضارات. ففي التراث العربي، شكلت النكتة السياسية أداة للنقد الاجتماعي والسياسي في ظل أنظمة الحكم المغلقة، بينما في السياق الغربي، وظف الدبلوماسيون الفكاهة كأداة استراتيجية في المفاوضات وإدارة العلاقات الدولية.
وتؤكد الدراسات المعاصرة أن الفكاهة في السياسة لم تعد مجرد ترف، بل أداة استراتيجية للقوة الناعمة والتواصل الجماهيري، خاصة في عصر الدبلوماسية الرقمية. غير أن توظيف الفكاهة في السياقات السياسية ينطوي على مخاطر، إذ قد يساء فهمها أو تؤدي إلى نتائج عكسية.
توصيات البحث: توصي الدراسة بإجراء مزيد من البحوث المقارنة بين تقاليد الدعابة السياسية في الثقافات المختلفة، ودراسة أثر الفكاهة في نتائج المفاوضات الدبلوماسية، وتحليل دور الميمات والفكاهة الرقمية في تشكيل الرأي العام الدولي، فضلًا عن استكشاف الجوانب الأخلاقية لتوظيف الفكاهة في الخطاب السياسي والدبلوماسي.
قائمة المراجع
• ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم. عيون الأخبار. تحقيق: يوسف علي طويل. بيروت: دار الكتب العلمية.
• الجاحظ، عمرو بن بحر. البخلاء. تحقيق: طه الحاجري. القاهرة: دار المعارف.
• خفاجي، محمد عبد المنعم. "الفكاهة عند العرب". نداء الهند، 11 نوفمبر 2025.
• القشطيني، خالد. السخرية السياسية العربية. نقله إلى العربية كمال اليازجي. بيروت: دار الساقي، 1992.
• Beck, Daniel. Parody, Popular Culture and the Politics of Statecraft: Analysing the Intersection of International Relations and Parodic Humour. Dissertation. Magdeburg, 2024.
• Brassett, James Browning, Christopher S. Wedderburn, Alister. "Humorous States: IR, New Diplomacy and the Rise of Comedy in Global Politics". Global Society, 35(1), 2021, pp. 1-7.
• Coons, James. "I Felt Compelled to Respond, as I Did, Very Dryly: Laughter, Status, and Subjecthood in Mazarin s Letters from the Pyrenees". Journal of Western French History, Vol. 43, 2015.
• Davis, Michael. Weird Diplomacy: The Often-Overlooked Role of Humor and Unconventional Tactics in International Relations. Publifye, 2025.
• "When a Diplomat Says Yes, He Means Perhaps". Berliner Tageblatt (1913), نقلاً عن The Independent، 15 مايو 1913، ص. 1098
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟