أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - كيف تفكر إسرائيل؟ إسرائيل في مواجهة فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، محمد عبد الكريم يوسف















المزيد.....


كيف تفكر إسرائيل؟ إسرائيل في مواجهة فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، محمد عبد الكريم يوسف


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 22:32
المحور: قضايا ثقافية
    


كيف تفكر إسرائيل؟ إسرائيل في مواجهة فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط
الملخص
يشهد الشرق الأوسط منذ عام 2023 تحولات جيوسياسية غير مسبوقة، تضع إسرائيل أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر لإعادة رسم خريطة المنطقة. تبحث هذه الورقة في طبيعة التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي في هذه المرحلة المفصلية، مستعرضةً تطور العقيدة الأمنية الإسرائيلية من عقيدة بن غوريون الكلاسيكية إلى الاستراتيجية الهجومية الجديدة التي تبلورت بعد السابع من أكتوبر 2023. وتخلص الورقة إلى أن إسرائيل اليوم لم تعد ترضى بإضعاف خصومها، بل تسعى إلى هزيمتهم وإعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق رؤيتها، مستفيدة من انهيار محور المقاومة، وضعف سوريا ولبنان، وتغير الموازين في الخليج وشرق المتوسط وتركيا وإيران واليونان وقبرص، وذلك في سياق من التحديات الداخلية والانقسام الاستراتيجي الحاد حول طبيعة المرحلة القادمة.

أولاً: مقدمة: إسرائيل عند مفترق طرق
"إسرائيل تقف اليوم عند مفترق طرق جيوسياسي، تواجه تهديدات جديدة وفرصاً غير مسبوقة"
هذه العبارة، التي وردت في تحليل نشرته صحيفة جيروزاليم بوست في أكتوبر 2025، تلخص بإيجاز الحالة التي تعيشها إسرائيل اليوم. فما إن حلّ عام 2025 حتى وجدت إسرائيل نفسها في مشهد إقليمي مختلف جذرياً عن أي مرحلة سابقة في تاريخها: سوريا شبه منهارة وغير قادرة على فرض سيطرتها، حزب الله في لبنان منكسر عسكرياً، إيران تعاني من ضربات موجعة لمنشآتها النووية والصاروخية، "محور المقاومة" في حالة تفكك غير مسبوقة، وفي المقابل، انفتاح آفاق جديدة للتعاون مع دول الخليج، وشرق المتوسط يشهد تحالفات استراتيجية جديدة بين إسرائيل واليونان وقبرص، بينما تتصاعد التوترات مع تركيا وتتراجع الثقة بالضمانات الأمريكية.
غير أن السؤال المحوري الذي تطرحه هذه الورقة ليس "ماذا تفعل إسرائيل؟" بل "كيف تفكر إسرائيل؟" ففهم المنطق الاستراتيجي الذي يقود القرار الإسرائيلي في هذه اللحظة التاريخية أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالتغيرات التي نشهدها ليست مجرد تحولات تكتيكية، بل إعادة تشكيل جذرية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها، كما تشير إلى ذلك دراسات أكاديمية متعددة.

ثانياً: الجذور التاريخية للتفكير الاستراتيجي الإسرائيلي
2.1 عقيدة بن غوريون: الردع والإنذار والحسم
تشكلت أسس التفكير الأمني الإسرائيلي في عهد دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل ووزير دفاعها، في خمسينيات القرن العشرين. ركزت هذه العقيدة على ثلاثة عناصر جوهرية: الردع، والإنذار المبكر، والنصر الحاسم. واستندت إلى افتراضين رئيسيين: أولاً، أن إسرائيل لن تكون قادرة على فرض إنهاء مطلق للصراع مع أعدائها؛ وثانياً، أن إسرائيل لا تستطيع الاحتفاظ بجيش دائم كبير لفترات طويلة، مما يستلزم جيش احتياط وإنذار كافٍ قبل اندلاع الحرب.
هذه العقيدة، التي وُصفت بأنها "غير مكتوبة" وظلت تقليداً شفهياً متوارثاً، حكمت التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي لعقود. وقد أدرك بن غوريون نفسه أن الصراع مع العرب لا يمكن حله بالوسائل العسكرية وحدها، وهو ما منح العقيدة الإسرائيلية بعداً واقعياً، وإن كان متشائماً، يقوم على فكرة "إدارة الصراع" بدلاً من "حله".
2.2 جدار الحديد: بين الردع والهيمنة
تطورت العقيدة الأمنية الإسرائيلية من مفهوم "جدار الحديد" الذي صاغه زئيف جابوتينسكي، والذي اعتمدته إسرائيل في عقودها الأولى، إلى مبادئ الردع والإنذار والنصر الحاسم التي بلورها بن غوريون. وقد افترضت هذه الرؤية أن إسرائيل، بحكم تفوقها العسكري النوعي، قادرة على ردع أعدائها ومنعهم من شن حرب شاملة، مع الاحتفاظ بالقدرة على تحقيق نصر سريع وحاسم إذا اندلعت الحرب.
غير أن هذه العقيدة تعرضت لاختبارات عنيفة مرتين: الأولى في حرب أكتوبر 1973، والثانية في هجوم السابع من أكتوبر 2023. وفي كلتا المرتين، فشلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في تقديم إنذار مبكر كافٍ، واهتزت قدرة الردع الإسرائيلية بشدة.

ثالثاً: السابع من أكتوبر 2023: نقطة التحول الجذرية
3.1 صدمة الانهيار الأمني
"أظهر السابع من أكتوبر 2023 لإسرائيل أنه من المستحيل احتواء جماعات مثل حماس أو قبول وجودها على طول حدود إسرائيل دون المساس بسلامة البلاد"
لم يكن هجوم السابع من أكتوبر مجرد هزيمة عسكرية أو استخباراتية لإسرائيل؛ بل كان صدمة وجودية هزّت أسس التفكير الأمني الإسرائيلي برمته. فالمفاهيم التي قامت عليها عقيدة بن غوريون - الردع، والإنذار، وإدارة الصراع - انهارت جميعها في يوم واحد.
في السنتين التاليتين، تخلى صانعو القرار الإسرائيليون عن النماذج الأمنية القديمة لصالح استراتيجيات جديدة. فإذا كانت إسرائيل في السابق تسعى عموماً إلى تقييد أعمالها بالحد الأدنى اللازم لإزالة التهديدات المباشرة واستعادة الهدوء، فإنها اليوم لم تعد ترضى بإضعاف خصومها، بل تسعى إلى هزيمتهم.
3.2 قانون الأمن القومي 2025: إضفاء الطابع المؤسسي
في يونيو 2025، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً جديداً يلزم كل حكومة إسرائيلية جديدة بوضع استراتيجية رسمية للأمن القومي خلال 150 يوماً من تشكيلها. يمثل هذا القانون تحولاً مهماً في التفكير الأمني الإسرائيلي، لأنه ينقل، للمرة الأولى منذ العام 1948، مفهوم الأمن القومي من تقليد غير مكتوب تشكل منذ عهد بن غوريون إلى وثيقة دولة رسمية وملزمة.
غير أن هذا التحول أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى. فإسرائيل لا تزال تواجه صعوبة في ترجمة تفوقها العسكري وإنجازاتها الميدانية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية مستقرة. ويشير هذا التناقض إلى أزمة أعمق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي: كيف تحوّل القوة العسكرية إلى نتائج سياسية دائمة؟

رابعاً: ملامح التفكير الإسرائيلي الجديد
4.1 من التفاعل إلى المبادرة الاستراتيجية
"لم تعد إسرائيل تلتزم بخطوط حمراء اعتقد جيرانها أنها لن تتجاوزها أبداً"
السمة الأبرز في التفكير الإسرائيلي الجديد هي الانتقال من العقلية التفاعلية إلى العقلية الاستباقية. ففي الماضي، كانت إسرائيل تكتفي بالرد على التهديدات فور ظهورها، وكانت تنفذ عملياتها في الخفاء وتحاول إخفاء دورها. أما اليوم، فالقادة الإسرائيليون يتبنون هذه العمليات علناً ويعتبرونها جزءاً من استراتيجية شاملة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
تتجلى هذه الروح الجديدة في عدة مظاهر:
• ضرب إيران علناً: في يونيو 2025، شنت إسرائيل هجوماً جوياً مكثفاً على البرنامج النووي الإيراني وقواعده الصاروخية. الهجوم استهدف ثلاثة منشآت نووية رئيسية - نطنز وأصفهان وفوردو - بالإضافة إلى اغتيال علماء نوويين كبار. وهذا يمثل خرقاً واضحاً للخطوط الحمراء التي كانت تفترض إيران أنها لن تُنتهك.
• التوغل في سوريا وفرض مناطق عازلة: وسعت إسرائيل وجودها العسكري في سوريا، وفرضت منطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى سفوح جبل حرمون، وأصرت على بقاء قواتها في الأراضي السورية كمنطقة عازلة. وقد وصفت إحدى الدراسات هذه السياسة بأنها تقوم على "القوة الصلبة والسيطرة على الأراضي" بدلاً من بناء شبكة مترابطة من التحالفات الدبلوماسية.
• استهداف حزب الله في لبنان: واصلت إسرائيل استهداف قادة حزب الله حتى بعد اتفاقيات وقف إطلاق النار، مما أضعف الحزب عسكرياً واجتماعياً.
• ضرب قطر: في سبتمبر 2025، شنت إسرائيل غارة جوية على الدوحة استهدفت قيادات حماس، وهو ما اعتبرته دول الخليج "انتهاكاً خطيراً" وأثار تضامناً خليجياً غير مسبوق.
4.2 "نظام إقليمي جديد" أم "هيمنة"؟
يثير التحرك الإسرائيلي الواسع تساؤلات حول طبيعة الطموح الإسرائيلي. يرى بعض المحللين أن إسرائيل تسعى إلى الهيمنة الإقليمية، لكن كتاباً إسرائيليين بارزين مثل مئير بن شبات وآشر فريدمان ينفون ذلك. يزعمون أن إسرائيل ليست قوة مهيمنة إقليمياً - فاقتصادها لا يمثل حصة غير متناسبة من الناتج المحلي الإقليمي، ولا يمكنها تشكيل الترتيبات الاقتصادية الإقليمية من جانب واحد، كما أنها تفتقر إلى القوة الناعمة بين جيرانها.
بدلاً من ذلك، كما يوضح بن شبات وفريدمان، لا تريد إسرائيل السيطرة على النظام الإقليمي، لكنها تسعى إلى تشكيل هذا النظام بدرجة أكبر من أي وقت مضى. وهذا تمييز دقيق لكنه جوهري: إسرائيل لا تطمح إلى إمبراطورية، بل إلى ترتيب أمني إقليمي يضمن تفوقها الاستراتيجي الدائم.
4.3 مكونات الرؤية الاستراتيجية الجديدة
يمكن استخلاص المكونات الأساسية للتفكير الاستراتيجي الإسرائيلي الجديد من خلال التحليلات الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ومراكز الأبحاث الأخرى:
1. تدمير التهديدات الوجودية: لم تعد إسرائيل تقبل بوجود جماعات مسلحة معادية على حدودها، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا.
2. إضعاف "محور المقاومة" : تستهدف إسرائيل تفكيك شبكة الوكلاء الإيرانيين في المنطقة، وقد حققت تقدماً كبيراً في هذا المسار، لكن المحور لا يزال "مضعَفاً وليس مهزوماً".
3. بناء تحالفات إقليمية جديدة: تسعى إسرائيل إلى تعزيز تحالفاتها مع دول الخليج (في إطار اتفاقيات أبراهام)، ومع اليونان وقبرص في شرق المتوسط، مما يعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.
4. تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة: أدركت إسرائيل أن الدعم الأمريكي لم يعد مضموناً بالشكل الذي كان عليه، وأن واشنطن تركز اهتمامها بين آسيا والسياسة الداخلية، مما يدفع إسرائيل نحو اكتفاء ذاتي استراتيجي.

خامساً: الفرصة التاريخية: قراءة إسرائيل للمشهد الإقليمي
5.1 سوريا: انهيار الدولة وفراغ السلطة
ترى إسرائيل في سوريا اليوم فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الواقع على حدودها الشمالية الشرقية. فسوريا، كما تصفها التحليلات الإسرائيلية، "شبه منعدمة وغير محسوسة". انهيار نظام الأسد وضعف الدولة السورية خلقا فراغاً أمنياً تسعى إسرائيل لملئه من خلال:
• فرض منطقة عازلة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى الجولان
• السيطرة على مناطق إضافية في جنوب سوريا
• التدخل المباشر لدعم الطائفة الدرزية ضد القوى الموالية للنظام السوري
وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل تتوقع من الحكومة السورية الجديدة إنشاء "منطقة منزوعة السلاح من دمشق إلى قمة جبل حرمون" خالية من أي أسلحة ثقيلة أو وجود عسكري سوري.
5.2 لبنان وحزب الله: الضعف والانكشاف
كان عام 2025، كما وصفته إحدى التحليلات، "عاماً إسرائيلياً بامتياز" في لبنان. فقد تمكنت إسرائيل من:
• تعريف إيقاع الأحداث في لبنان عبر ضربات مستهدفة
• إضعاف حزب الله عسكرياً واجتماعياً
• كشف حدود قدرات حزب الله
• استمرار استهداف قادة الحزب حتى بعد وقف إطلاق النار
وترى إسرائيل في ضعف حزب الله فرصة لإعادة تشكيل المشهد اللبناني، بما في ذلك نزع سلاح الحزب، وإن كان ذلك يتطلب جهداً دبلوماسياً طويلاً.
5.3 إيران: الضربة الاستباقية
في يونيو 2025، شنت إسرائيل هجوماً جوياً على إيران استمر 12 يوماً، استهدف البرنامج النووي والقواعد الصاروخية. وأسفر الهجوم عن:
• تدمير منظومة الدفاع الجوي الإيرانية
• تدمير منشآت نووية في نطنز وأصفهان وفوردو
• اغتيال علماء نوويين كبار
• إضعاف كبير للقدرات العسكرية الإيرانية
غير أن هناك جدلاً حول ما إذا كانت هذه الضربات كافية لإنهاء البرنامج النووي الإيراني. فقد أقر نتنياهو نفسه بأن الضربة الأمريكية اللاحقة على إيران "لم تكن مصممة لتدمير المخزون النووي الإيراني"، مما يشير إلى أن المسألة الإيرانية لا تزال مفتوحة.
5.4 الخليج العربي: بين التطبيع والتوتر
تشهد علاقات إسرائيل بدول الخليج مسارين متعارضين:
مسار التطبيع: تواصل إسرائيل تعزيز علاقاتها مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان في إطار اتفاقيات أبراهام. والمملكة العربية السعودية تبدي اهتماماً بتطبيع العلاقات بشروط تشمل إصلاحات سياسية وشراء أنظمة دفاعية متقدمة.
مسار التوتر: غير أن الضربة الإسرائيلية على قطر في سبتمبر 2025 أثارت توتراً حاداً، وأثارت "شكوكاً عميقة حول مصداقية الحماية الأمريكية لحلفاء الخليج". وقد أدان مجلس التعاون الخليجي الهجوم بأشد العبارات.
هذا التناقض يعكس تعقيد الموقف الإسرائيلي في الخليج: فإسرائيل تسعى إلى تحالفات استراتيجية مع بعض الدول الخليجية، لكنها في نفس الوقت لا تتردد في ضرب أهداف في دول خليجية أخرى إذا رأت ذلك ضرورياً لمصالحها الأمنية.
5.5 شرق المتوسط: تحالف إسرائيل - اليونان - قبرص
برز في شرق المتوسط تحالف استراتيجي جديد يضم إسرائيل واليونان وقبرص، في مواجهة واضحة مع تركيا. في ديسمبر 2025، عقد قادة الدول الثلاث قمة في القدس، أكدوا خلالها التعاون السياسي والعسكري. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل واليونان وقبرص تدرس إنشاء قوة عسكرية مشتركة للاستجابة السريعة في شرق المتوسط، تشمل مكونات بحرية وجوية وبرية.
وقد اتهم الرئيس التركي أردوغان هذا التحالف بأنه موجه ضد تركيا، فيما اتهم نتنياهو تركيا بـ"التوهم" بشأن العودة إلى أيام الدولة العثمانية. هذا التصعيد يعكس تحولاً جيوسياسياً عميقاً في شرق المتوسط، حيث تتشكل تحالفات جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.
5.6 تركيا: خصم صاعد
ترى إسرائيل في تركيا اليوم قوة إقليمية صاعدة تشكل تحدياً استراتيجياً. فتركيا تعيد تأكيد نفسها كقوة إقليمية ذات نفوذ عسكري متزايد وصناعة دفاعية مستقلة. وتشير التحليلات إلى تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن تقييم الدور الإقليمي لتركيا.
غير أن هناك أيضاً آفاقاً للتعاون الاقتصادي بين إسرائيل وتركيا، رغم توتر العلاقات السياسية. وهذا يعكس واقعاً معقداً: إسرائيل تنظر إلى تركيا كمنافس استراتيجي في بعض الملفات، لكنها تدرك أيضاً أن المصالح الاقتصادية قد تخلق مساحات للتعاون.

سادساً: الانقسام الاستراتيجي الداخلي: أي طريق للمضي قدماً؟
6.1 معضلة "النصر من بين أنياب الهزيمة"
رغم التفوق العسكري الإسرائيلي الواضح، هناك انقسام استراتيجي حاد داخل إسرائيل حول المسار الأمثل للمرحلة القادمة. تصف دراسة صادرة عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي هذا الانقسام بأنه خيار غير جذاب بين استراتيجيتين، كل منهما قد تؤدي إلى "هزيمة استراتيجية من بين أنياب النصر":
الاستراتيجية الأولى: باكس إسرائيليتيكا - نشر القوة العسكرية متى وأينما تشاء إسرائيل. لكن هذه الاستراتيجية، كما تحذر الدراسة، "تعد بالنجاح إلى أن تفشل"، وقد تؤدي إلى حرب إقليمية دائمة حيث "منطقة عازلة اليوم تتطلب منطقة عازلة غداً".
الاستراتيجية الثانية: استراتيجيات دبلوماسية وسياسية تقوم على افتراضات قديمة حول الفلسطينيين والقوى الإقليمية.
وتخلص الدراسة إلى أن كلا المعسكرين لا يملك إجابات جيدة, وأن المخرج من هذا المأزق الاستراتيجي يتطلب من القادة الإسرائيليين مراعاة الحقائق السياسية والدبلوماسية الراهنة، وكذلك حدود ما يمكن للقوة العسكرية تحقيقه.
6.2 بين التفاؤل العسكري والتشاؤم السياسي
هناك أيضاً انقسام حاد بين النخب السياسية التي تسودها روح الانتصار والتفاؤل العسكري، والنخب الأمنية التي تحذر من الاستنزاف العسكري دون رؤية سياسية. فبينما يرى البعض في إسرائيل أن المنطقة أمامها لإعادة تشكيلها, يحذر آخرون من أن غياب الرؤية السياسية الواضحة قد يحول النجاحات العسكرية إلى إخفاقات استراتيجية.
هذا الانقسام يعكس أزمة أعمق في النموذج الإسرائيلي: فإسرائيل نجحت عسكرياً في إضعاف أعدائها، لكنها لم تنجح بعد في ترجمة هذا النجاح إلى نظام سياسي مستقر يعكس مكاسبها الميدانية.

سابعاً: العلاقة مع الولايات المتحدة: من تحالف استراتيجي إلى شراكة مشروطة
7.1 تراجع الثقة المتبادلة
تشير التحليلات إلى أن صيف 2025 كان لحظة فارقة في العلاقات الإسرائيلية - الأمريكية، حيث أدركت إسرائيل أن "حتى الأصدقاء يتصرفون وفق مصالحهم أولاً". فالولايات المتحدة، بتركيزها المتزايد على آسيا والسياسة الداخلية، لم تعد تُعتبر حليفاً يمكن الاعتماد عليه بالكامل.
كما أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 تذكر إسرائيل ست مرات فقط، مما يعكس تراجعاً في أولوية إسرائيل في السياسة الخارجية الأمريكية. ومع أن واشنطن تواصل تأكيد التزامها بأمن إسرائيل كـ"مصلحة أساسية"، فإن البصمة الأمريكية المخفّضة تعني أن إسرائيل قد تحتاج إلى أن تصبح أكثر اعتماداً على الذات في إدارة التهديدات الإقليمية.
7.2 تصادم السياسات
هناك تصادم متزايد بين السياسات الإسرائيلية والرؤية الأمريكية للاستقرار في المنطقة. فسياسات إسرائيل في سوريا وفلسطين قد تتصادم مع دفع الرئيس ترامب للاستقرار الإقليمي، وقد تحوّل إسرائيل من "شريك مفضل" إلى "عقبة إقليمية".
هذا التصادم يضع إسرائيل أمام معضلة استراتيجية: كم من الاستقلال عن واشنطن يمكنها تحمله؟ وإلى أي مدى يمكنها المضي قدماً في إعادة تشكيل المنطقة دون دعم أمريكي؟

ثامناً: الخلاصة: إسرائيل بين الفرصة التاريخية والمخاطر الوجودية
تقف إسرائيل اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤيتها الأمنية. فهي تمتلك القوة العسكرية الأكبر في المنطقة، وتواجه أعداءها في حالة من الضعف غير المسبوق، وتتمتع بتحالفات إقليمية جديدة مع دول الخليج واليونان وقبرص، بينما تنهار "محور المقاومة" تدريجياً.
غير أن هذه الفرصة تحمل في طياتها مخاطر وجودية:
1. خطر التمدد الاستراتيجي: قد تؤدي سياسة التوسع العسكري المستمر إلى حروب إقليمية لا نهاية لها.
2. خطر العزلة الدولية: قد تؤدي العمليات العسكرية الجريئة، مثل ضرب قطر، إلى عزلة إسرائيل حتى عن حلفائها التقليديين.
3. خطر الانهيار الداخلي: الانقسام الاستراتيجي الحاد داخل إسرائيل، وغياب رؤية سياسية واضحة، قد يحول النجاحات العسكرية إلى إخفاقات استراتيجية.
4. خطر تراجع الدعم الأمريكي: مع تراجع الاعتماد على الولايات المتحدة، قد تجد إسرائيل نفسها وحيدة في مواجهة تحديات إقليمية معقدة.
إن جوهر التفكير الإسرائيلي اليوم يكمن في التناقض بين القوة والضعف: إسرائيل أقوى عسكرياً من أي وقت مضى، لكنها في الوقت نفسه أكثر عزلة واستقطاباً داخلياً من أي وقت مضى. والسؤال الذي ستحدد إجابته مستقبل المنطقة هو: هل تستطيع إسرائيل تحويل قوتها العسكرية إلى نظام سياسي مستقر ومستدام؟ أم أن فرصتها التاريخية ستتحول، كما حذرت دراسة كارنيغي، إلى "هزيمة استراتيجية من بين أنياب النصر"؟

قائمة المراجع
المراجع العربية:
1. حباس، وليد. "قانون الأمن القومي الإسرائيلي الجديد: هل تعرف إسرائيل إلى أين تتجه؟" مركز مدار، يونيو 2025.
2. "تحولات استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر وانعكاساتها على الأمن الأردني والإقليمي." معهد السياسة والمجتمع، 12 يوليو 2026.
3. "التغيّرات في النظرية الأمنيّة الإسرائيلية وانعكاساتها الإقليمية." مركز الباحث، 1 يوليو 2025.
4. "معهد دراسات الأمن القومي.. ما الذي يخشاه عقل إسرائيل؟" الجزيرة نت، 10 أغسطس 2026.
5. "الشرق الأوسط الجديد: تحليل سياسي للتغيرات والتحديات." المركز الديمقراطي الألماني، 18 أغسطس 2025.
6. "قراءة في رؤية إسرائيل لتغيير الشرق الأوسط." مجلة جامعة بنها.
المراجع الأجنبية:
7. Ben-Shabbat, Meir, and Asher Fredman. "What Israel Wants: The Post–October 7 Security Strategy Driving Israeli Actions." Foreign Affairs, September 12, 2025.
8. "Israeli Policy Is Divided Into Two Main Camps. Neither One Offers a Realistic Path Forward." Carnegie Endowment for International Peace, September 24, 2025.
9. "From Reactive to Strategic: Israel s New Geopolitical Arena." The Jerusalem Post, October 9, 2025.
10. Rynhold, Jonathan, and Eitan Shamir. "From Battlefield to Diplomacy: Israel s Next Moves After the 12-Day War." The Jerusalem Post, September 29, 2025.
11. "Israel s Ring of Buffer Zones." Carnegie Endowment for International Peace, December 4, 2025.
12. "How Israel Defined Lebanon s 2025 and Exposed Hezbollah s-limit-s." Annahar, December 30, 2025.
13. "Fracturing the Axis: Degrading and Disrupting Iran s Proxy Network." INSS, September 11, 2025.
14. "The Courage to Stand Alone: Why Israel No Longer Trusts America." JNS, October 27, 2025.
15. "Israel s View of Trump 2.0." Konrad Adenauer Stiftung, December 18, 2025.
16. "Time to Revise Israel s Military Doctrine." JISS, March 17, 2025.
17. Freilich, Charles. "Israel: The Primacy of Security in the Absence of a Grand Strategy 1948-1973." In Grand Strategy in the Contemporary Middle East. Cambridge University Press, 2025.
18. "The Axis of Resistance in 2025: The End of an Era." Annahar, December 26, 2025.
19. "Netanyahu Uses Summit of Israel, Greece, Cyprus Leaders to Send Warning to Turkey." The Times of Israel, December 23, 2025.
20. "What Trump s National Security Strategy Means for Israel." Asia Times, December 15, 2025.
21. "Iranian Nuclear Question and Israel s Threat Perceptions." MP-IDSA, July 11, 2025.



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لقاء مع الشاعرة السورية روز على شرابة ، أجرى اللقاء محمد عبد ...
- قانون الأمن القومي الإسرائيلي الجديد والعقيدة العسكرية الإسر ...
- قراءة في ديوان -فيزياء مضادة- لخزعل الماجدي
- من قال إن أمريكا ديمقراطية؟ قراءة نقدية في البنية المؤسسية و ...
- قراءة تحليلية في كتاب -الجغرافية في القرآن الكريم- للأستاذ ع ...
- قراءة في مسرحية -هو الذي طغى- لعبد الغفار مكاوي
- قراءة في مسرحية -لزوم ما لا يلزم- لتوفيق الحكيم
- قراءة في ديوان -كلمات- للشاعرة السورية روز علي شرابة
- قراءة في مسرحية -زنوبيا ملكة تدمر- لأحمد زكي أبو شادي
- قراءة في كتاب -ممتلئ بالفراغ- لعماد رشاد عثمان
- قراءة في مسرحية -الإنسان- (اثنتا عشرة امرأة في زنزانة) لنوال ...
- قراءة في مسرحية -مجنون ليلى- لمارون عبود
- قراءة في مسرحية -غريزة المرأة- لإبراهيم عبد القادر المازني
- قراءة في رواية -الاقتحام- لعماد رشاد عثمان.
- قراءة في كتاب عودة الوعي للأديب المصري توفيق الحكيم.
- التغيير السياسي في العالم الثالث يُغيّر الجينات التنظيمية لل ...
- قضايا التناص بين فرانز كافكا وجبرا إبراهيم جبرا
- قراءة في كتاب -أبي الذي أكره- لعماد رشاد عثمان : تأملات حول ...
- قراءة في كتاب -الجلاد تحت جلدي- لعماد رشاد عثمان : تأملات حو ...
- تطور -الجينات التنظيمية- في السياسة الأمريكية خلال ولايتي ال ...


المزيد.....




- أرقام الدين الأمريكي تتضاعف خلال 10 سنوات.. فكم بلغ في 2026؟ ...
- الصين تحذّر: العقوبات الجديدة على إيران ستؤدي لـ-زيادة التوت ...
- هل حذفت مصر اسم إسرائيل من مناهجها التعليمية؟.. خارطة تثير ...
- لماذا غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران خلال الحرب العالم ...
- الولايات المتحدة تستعد لإلغاء نحو 200 ألف تأشيرة.. من المسته ...
- شاهد: إعادة صنع مرساة من عصر الفايكنغ بالمطرقة والمنفاخ في ا ...
- حصيلة ضحايا زلزالَي فنزويلا تتخطى 6500 قتيلًا.. والحكومة تسل ...
- الشرع: سوريا -تمزّق صفحة من ماضيها الأليم- بعد شطبها من قائم ...
- قاليباف: لا أحد يصدق هراءات الأمريكيين
- بوتين يعين سفيرا روسيا جديدا في العراق


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - كيف تفكر إسرائيل؟ إسرائيل في مواجهة فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، محمد عبد الكريم يوسف