أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - قراءة في كتاب عودة الوعي للأديب المصري توفيق الحكيم.















المزيد.....

قراءة في كتاب عودة الوعي للأديب المصري توفيق الحكيم.


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 00:47
المحور: قضايا ثقافية
    


قراءة في كتاب عودة الوعي للأديب المصري توفيق الحكيم

ملخص الكتاب
كتاب "عودة الوعي" للأديب المصري توفيق الحكيم (1898-1987)، صدر عام 1974 عن دار مصر للطباعة في 140 صفحة. يضم الكتاب عدداً من المقالات السياسية التي دوّنها الحكيم ليشرح ويعلق على فترة هامة من تاريخ مصر، تمتد من 23 يوليو 1952 إلى 23 يوليو 1972.
يبدأ الحكيم كتابه بإيضاح أنه لم يكن في نيته النشر أصلاً، بل كتب هذه الصفحات كمذكرات شخصية في ذكرى مرور عشرين عاماً على ثورة يوليو، ليحاسب نفسه من خلال محاسبتها. لكن المخطوطة تسربت من بين يديه بعد أن أطلع عليها صديقاً مقرباً، ثم انتشرت في الخفاء وترجمت ونُسبت إليه، مما اضطره إلى الإذن بنشرها. ويؤكد في مقدمته أن هذه السطور "ليست تاريخاً، إنما هي مشاهد ومشاعر، استُرِجعت من الذاكرة، ولا تستند إلى أي مرجع آخر".

الرؤية: نقد الحكم المطلق والدعوة لاسترداد الوعي
1. من "عودة الروح" إلى "عودة الوعي"
يحمل عنوان الكتاب دلالة عميقة، إذ يشير إلى رواية الحكيم الشهيرة "عودة الروح" (1933) التي تأثر بها جمال عبد الناصر في شبابه، واعتبره بمثابة "الأب الروحي" للثورة. ففي "عودة الروح" دعا الحكيم إلى نهضة الأمة وبعث روحها، أما في "عودة الوعي" فيرى أن ما تحتاجه مصر بعد عشرين عاماً من الثورة ليس "عودة الروح" بل "عودة الوعي"؛ أي استرداد القدرة على التفكير النقدي المستقل.
2. نقد الحكم الفردي المطلق
يرى الحكيم أن الثورة تحولت من حركة إصلاحية إلى نظام دكتاتوري؛ إذ انتقلت من حكم جماعي إلى تفرد جمال عبد الناصر بالسلطة المطلقة. ويصف هذه الفترة بأنها المرة الأولى في تاريخ مصر الحديث التي يظهر فيها "معبود أراد أن تكون لإرادته من القداسة والعظمة والسلطة ما لم يكن يملكه الأنبياء والرسل".
3. غياب الديمقراطية وخنق الحريات
يعدد الحكيم مظاهر غياب الوعي الجمعي:
• غياب النقد والمناقشة: لم يجرؤ أحد على مخالفة رأي الزعيم، وأصبح التصفيق والهتاف منظمين ومُعدّين سلفاً.
• الرقابة المشددة والاعتقالات: منع تكوين رأي عام حر، وتعذيب المعارضين بأساليب بلغت فظاعتها مبلغ الأساطير.
• تزييف الوعي: طُمست الحقائق، وصُورت الهزائم انتصارات، وعُبِّدت الجماهير بالشعارات والأوهام.
4. مقارنة بين ثورتين
يقدم الحكيم مقارنة صريحة بين ثورة 1919 وثورة 1952:
• ثورة 1919 أيقظت مصر وجعلتها تبحث عن شخصيتها بنفسها، فكانت مصر من صنع مصر، حيث ازدهرت الحرية الفكرية والثقافية.
• أما ثورة 1952 فجعلت مصر من صنع الدولة، حيث إرادة الحاكم المطلقة توجه كل شيء حتى مجرد الفكر.
5. نقد السياسة الخارجية والمغامرات العسكرية
يتناول الحكيم حرب اليمن التي وصفها بأنها أهدرت أرواحاً تقدر بعشرات الآلاف من الجنود، وأضاعت غطاء الذهب المصري بالكامل. وينتقد قرار الانسحاب في حرب 1967 معتبراً إياه "مجزرة بشرية رهيبة"؛ إذ كان الانسحاب السريع لجيش كبير تحت وابل نيران العدو قراراً أهوج من مسئول فقد أعصابه.

التجربة الشخصية: الحب الذي حجب الرؤية
1. ارتباطه الروحي بالثورة
يعترف الحكيم بحبه للثورة واستبشاره بها، إذ كانت تحقق كثيراً من مطالبه التي نادى بها منذ ثلاثينيات القرن الماضي: تحديد الملكية الزراعية، إلغاء الألقاب والطرابيش، وتحقيق العدالة الاجتماعية�†L44-L46】. وقد تنبأ بقيام "ثورة مباركة" في كتابه "شجرة الحكم" (1945) قبل سبع سنوات من وقوعها.
2. علاقته بعبد الناصر
كانت علاقة الحكيم بعبد الناصر علاقة حب ومودة عن بُعد؛ إذ لم يجلسا معاً طويلاً قط. ومع ذلك، كان عبد الناصر يُقدره ويعتبره أباً روحياً للثورة. وقد دافع عنه الحكيم في مواقف عدة، مثلما حدث حين أراد وزير المعارف فصله من دار الكتب، فتدخل عبد الناصر وأبقاه في منصبه.
3. فقدان الوعي: الاعتراف بالخطأ
يعترف الحكيم بصراحة قاسية: "لقد أعمتني العاطفة المحبة للثورة عن الرؤية، ففقدت الوعي بما يحدث حولي". يصف حالته بأنها كانت "حالة غريبة من التخدير"، حيث كانت الثقة شلت التفكير، ولم تتفقح عيناه إلا يوم فشل الابن في الامتحان (يقصد هزيمة 1967).
4. محاولات التنبيه
يذكر الحكيم أنه حاول التنبيه من خلال كتاباته التلميحية، مثل "السلطان الحائر" و"بنك القلق"، لكن هذه الكتابات إما لم تُنشر أو لم تؤخذ بها. ويقرّ بأن الصوت الفردي قليل الجدوى، وأن القضية الحقيقية هي غياب الصوت الجماعي الممثل بالهيئات السياسية والعلمية والثقافية.

تقييم التجربة: بين النقد والدفاع
1. ردود الفعل العنيفة
أثار الكتاب عاصفة من الانتقادات، خاصة من الناصريين الذين اعتبروه طعناً في قداسة عبد الناصر. اتهم البعض الحكيم بأنه كان "شبحاً خائفاً" سكت عشرين عاماً ثم تكلم بعد موت الزعيم.
2. دفاع الحكيم عن نفسه
رد الحكيم على هذه الاتهامات قائلاً:
• السكوت لم يكن جبانة، بل كان نتيجة جو من الفزع والرعب من التعذيب والمعتقلات.
• من حقه أن يخاف، كما خاف آلاف الناس في ظل الأنظمة القمعية.
• الأهم من توقيت النقد هو جوهر القضية: هل وقعت الجرائم أم لم تقع؟.
• من يحب عبد الناصر حقاً هو من يطالب بفتح ملفه ليطمئن قلبه.
3. موقف المثقفين: نقد الذات
يوجه الحكيم نقداً لاذعاً للمثقفين أنفسهم، معترفاً بمسؤوليتهم الجماعية:
"هنا تكمن مسئوليتنا جميعاً نحن المثقفين أمام التاريخ. لا بد من محاكمة لنا جميعاً ... من فتح ملف الثورة بأكمله".
ويستغرب سكوت الجامعات والمجالس الثقافية عن التعذيب والانتهاكات، معتبراً ذلك "لطخة سوداء في جبين الثورة لا يمكن الدفاع عنها أمام التاريخ".
4. نقد اليسار
في رسالة موجهة إلى اليسار المصري، ينتقد الحكيم خوف اليسار من استثمار الرجعية لنقد إنجازات عبد الناصر، معتبراً أن هذا الخوف يكاد يوقعه في موقف رجعي. ويؤكد أن القول بأن الناصرية هي الاشتراكية الحقيقية هو تزييف للواقع والتاريخ.

الخاتمة
دروس مستفادة
1. الحب لا يبرر التغاضي عن الخطأ: يعترف الحكيم أن حبه لعبد الناصر والثورة حجب عنه الرؤية، وهو درس في ضرورة الفصل بين المشاعر الشخصية والمواقف الوطنية.
2. غياب النقد يؤدي إلى الكوارث: يخلص الحكيم إلى أن غياب الصوت الناقد والمؤسسات المستقلة هو ما أدى إلى سلسلة الهزائم التي أنهكت مصر.
3. الوعي مسؤولية الجميع: "عودة الوعي" ليست مهمة فرد، بل هي عملية استرداد جماعية للقدرة على الحكم على الأشياء بنفسك.
4. فتح الملفات ضرورة: يطالب الحكيم بفتح ملف ثورة 1952 بأكمله، ليس للمحاكمة والعقاب، بل لنعرف أخطاءنا ونتجنبها، ولنفحص المكاسب المزعومة حقيقة.
الكلمة الأخيرة
ينهي الحكيم كتابه بتأكيد أن "معنى عودة الوعي لمصر هو استرداد حريتها في الحكم بنفسها على الأشياء". وهو يترك للقارئ سؤالاً مفتوحاً: هل استعدنا وعينا فعلاً، أم أننا ما زلنا نعيش في دائرة التقديس والتزيف التي حذر منها؟
"إن المهمة الكبرى لحامل القلم والفكر هي الكشف عن وجه الحقيقة."

المرجع
كتاب عودة الوعي ، توفيق الحكيم ، مؤسسة هنداوي 2020



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التغيير السياسي في العالم الثالث يُغيّر الجينات التنظيمية لل ...
- قضايا التناص بين فرانز كافكا وجبرا إبراهيم جبرا
- قراءة في كتاب -أبي الذي أكره- لعماد رشاد عثمان : تأملات حول ...
- قراءة في كتاب -الجلاد تحت جلدي- لعماد رشاد عثمان : تأملات حو ...
- تطور -الجينات التنظيمية- في السياسة الأمريكية خلال ولايتي ال ...
- دراسة نقدية في أدب عماد رشاد عثمان
- الاغتراب عند الشخصيات القصصية في أدب زكريا تامر
- الجينات التنظيمية للثورات عبر العصور: بحث أكاديمي في علم الا ...
- المسكوت عنه في قصص زكريا تامر: دراسة تحليلية مع الشواهد
- فريق الألة البشرية - الحلقة السادسة
- فريق الألة البشرية - الحلقة السابعة والأخيرة
- طرق وأساليب عصرية لزراعة جينات تنظيمية في مؤسسات منهارة: بحث ...
- فريق الآلة البشرية - الجزء الخامس
- الجينات التنظيمية: مفهومها وأنواعها وتطورها في بعض مؤسسات ال ...
- الجينات التنظيمية ودورها في بناء نموذج مؤسساتي متطور :بحث أك ...
- الجينات التنظيمية وتطورها في دول العالم المتقدم :بحث أكاديمي
- فريق الألة البشرية – الحلقة الثالثة .
- فريق الألة البشرية – الحلقة الرابعة .
- فريق الألة البشرية في حلقات ( الحلقة الأولى – كلمة – المقدمة ...
- فريق الألة البشرية في حلقات (الحلقة الثانية – البشر أم الآلا ...


المزيد.....




- -اشترى السلاح من الدارك ويب-.. النيابة المصرية تعلن قرارها ب ...
- ترامب يعتزم إعلان -مضيق هرمز ضمن الأراضي الأمريكية-.. ويحدد ...
- ترامب يقول: -بعد هزيمة إيران سأُعلن قريبا مضيق هرمز أرضا أمر ...
- الهدنة الأميركية الإيرانية على شفا الانهيار
- لا مفاوضات حتى الآن.. عراقجي يكشف موقف إيران بشأن استئناف ال ...
- تونس تمدد إعلان منطقة عازلة في الجنوب منذ 2013 لعام إضافي
- روسيا تضع الجنرال الأوكراني أناتولي بارغيلفيتش على قائمة الم ...
- ليس اللحم.. دراسة تكشف ما غذّى نمو الدماغ البشري قبل اكتشاف ...
- الذكاء الاصطناعي يزيد وظائفنا صعوبة.. موظفون سابقون في كبرى ...
- الخليج وإيران.. اختبار جديد لسياسة حسن الجوار


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - قراءة في كتاب عودة الوعي للأديب المصري توفيق الحكيم.