محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 00:49
المحور:
قضايا ثقافية
تمهيد
مسرحية "الإنسان" (التي تحمل العنوان الفرعي "اثنتا عشرة امرأة في زنزانة") هي واحدة من أهم الأعمال المسرحية للكاتبة والطبيبة المصرية نوال السعداوي (1931-2021). صدرت المسرحية عام 1982، وتمثل خلاصة تجربة الكاتبة الشخصية في سجن النساء بعد اعتقالها في سبتمبر 1981 ضمن حملة اعتقالات واسعة أمر بها الرئيس المصري أنور السادات قبيل اغتياله بشهر.
تتخذ المسرحية من سجن النساء فضاءً درامياً، وتقدم اثنتي عشرة امرأة من خلفيات اجتماعية وفكرية ودينية متباينة، يجمعهن عنبر واحد في سجن السياسيات. يقدم العمل رؤية نقدية حادة للسلطة الذكورية، والدين المؤسساتي، والطبقات الاجتماعية، مع تأكيد على فكرة أن "الإنسان" الحقيقي هو من يمتلك الإرادة والقدرة على قول رأيه والمقاومة.
أولاً: التقنيات المسرحية
1. البنية الدرامية
تتكون المسرحية من فصلين، مع مقدمة قصيرة بعنوان "ثمن الكتابة" تسبق النص المسرحي، وإهداء. يمثل الفصلان وحدتين دراميتين متكاملتين، حيث يعرض الفصل الأول التعريف بالشخصيات وصراعاتها الأولية، بينما يتصاعد التوتر في الفصل الثاني ليبلغ ذروته مع وصول المسجونة الجديدة "علية" وما تثيره من تحدٍ للسلطة.
2. لغة الإخراج المسرحي (Didascalia)
توظف السعداوي تعليماتها الإخراجية (الإرشادات المسرحية) بتقنية عالية، حيث تصف بدقة الإضاءة، الصوت، الحركة، والديكور، مما يمنح النص بعداً بصرياً وسمعياً مكثفاً:
• الإضاءة: يفتتح النص بظلام كامل، ثم "ضوء خفيف يزحف كضوء الفجر"، وتتكرر تقنية الانتقال بين الظلام والضوء لإبراز التوتر والترقب.
• المؤثرات الصوتية: أصوات المفاتيح تدور ثلاث دورات، صرير الأبواب الحديدية، أصوات السلاسل، صوت الكروان، طلقات الرصاص في النهاية
• الحركة: تتكرر تعليمات "تجري"، "تهرول"، "تلهث" لتعكس حالة القلق الدائم في السجن.
3. الرمزية في الديكور
تتسم المسرحية باستخدام رمزية مكثفة في العناصر المسرحية:
• الصورة المعلقة لرجل "ذو ملامح صارمة ونظرة حادة قاسية لكن شفتيه مبتسمتان"، والتي ترمز إلى السلطة المستبدة. هذه الصورة من العناصر المتكررة في النص، وتشير إلى "تقليد تعليق صور الزعماء المبتسمين بشكل مريب في كل المباني الحكومية في هذه الدول الشمولية".
• القضبان الحديدية والأبواب التي تغلق وتفتح باستمرار، وتُسمع أصوات مفاتيحها ثلاث دورات في كل مشهد، لتأكيد فكرة الاحتجاز والانغلاق.
• الجرجيرة (نبات الجرجير) التي تزرعها المسجونات في الحوش، ترمز إلى الحياة والأمل والمقاومة في وجه الموت والجمود.
4. تقنية المسرح داخل المسرح
تستخدم السعداوي تقنية المونولوج الداخلي والحوار الجماعي المتداخل، حيث تتناوب الشخصيات في الكلام أحياناً وكأنهن في حالة من الفوضى الصوتية، مما يعكس التوتر النفسي والانقسامات الأيديولوجية داخل الزنزانة.
5. الشخصيات كأنماط (Allegorical Representations)
تظهر الشخصيات كـ تمثيلات رمزية وليس كشخصيات واقعية محضة. كل شخصية تمثل تياراً فكرياً أو طبقة اجتماعية أو موقفاً أيديولوجياً معيناً.
ثانياً: التيارات الفكرية في المسرحية
1. التيار النسوي الراديكالي
تمثل المسرحية بياناً فنياً للفكر النسوي الذي تتبناه السعداوي، حيث تطرح فكرة أن النساء يواجهن أشكالاً متعددة من القهر سواء في البيت أو السجن، كما يشير الإهداء: "إلى كل من عرف القهر في البيت أو في السجن". تنتقد المسرحية النظام الأبوي (Patriarchy) الذي يهيمن على المؤسسات كافة: الدولة، الدين، الأسرة.
2. التيار الماركسي والطبقي
تطرح المسرحية صراعاً طبقيّاً واضحاً بين الشخصيات: لبيبة التي تفاخر بأن لديها "تالت خدامين في البيت,وزينب الحرامية التي تسرق لأنها حُرمت من التعليم. تعكس المسرحية الظلم الطبقي كأحد أوجه القهر، حيث يدفع الفقر الناس إلى الجريمة والتسول والدعارة.
3. التيار الديني وتعددية القراءات
تقدم المسرحية تمثيلاً متنوعاً للتيارات الدينية:
• التيار المتشدد (سميرة ورشيدة ونفيسة واعتدال): يرى في تغطية الشعر والنقاب فرضاً دينياً، ويعتبر مخالفته كفراً.
• التيار الوسطي (هادية): تطرح رؤية أكثر تسامحاً.
• التيار العلماني (عزّة، بسمية، علية): يرفض التدين الشكلي ويركز على حرية الرأي.
• التيار المسيحي (نجاة): تعاني من تهمة "الكفر" بسبب معتقدها.
4. نقد الدين المؤسساتي
تتجاوز المسرحية نقد التيارات الدينية إلى نقد الدين كسلطة، كما يظهر في حوار سميرة وهادية حول من "يعرف ربنا" بشكل صحيح، وفي اتهام بعضهنّ الأخريات بـ"الشرك" بسبب استشارة الطبيب.
ثالثاً: الأبعاد الفلسفية
1. مفهوم "الإنسان"
يُشتق عنوان المسرحية من فكرة أن الإنسانية ليست مرتبطة بالجنس أو الطبقة أو الدين، بل بـ الإرادة والوعي والمقاومة. في المشهد الأخير، يسأل ضابط المباحث علية: "مصنوعة من إيه؟ من الفولاذ؟" فترد: "أقوى من الفولاذ... الإنسان". هذا الرد يختصر الرسالة الفلسفية للمسرحية: الإنسان، بإرادته وإنسانيته، أقوى من كل آلات القمع.
2. الجدل بين الجبر والحرية
تطرح المسرحية إشكالية الحرية والإرادة في مواجهة الجبر:
• هل الإنسان مسؤول عن مصيره أم أن الظروف الاجتماعية والقهر هي التي تحدد مساره؟
• تجسد زوبة هذا الجدل حين تقول إنها "باعت نفسها" بسبب الظروف، بينما ترى علية أن للإنسان إرادة يمكنه بها تغيير واقعه.
3. فلسفة المعرفة والوعي
تطرح السعداوي فكرة أن السجن قد يكون وسيلة للوعي والتنوير، كما تقول علية: "أنا في السجن نفسيتي أحسن من برّه. شايفة الأمور أوضح". السجن هنا ليس مجرد مكان للعقاب، بل فضاء للتأمل وكشف الحقائق التي تغطيها زخارف الحياة خارج الأسوار.
4. العلاقة بين الجسد والهوية
يتجلى البعد الفلسفي في العلاقة بين الجسد والهوية:
• زوبة (من عنبر الدعارة) تبيع جسدها لكنها تحتفظ بإنسانيتها.
• سميرة (المتدينة) تنكر جسدها وتعتبره "عورة" يجب إخفاؤه.
• علية ترفض الخضوع وتصر على قول رأيها حتى لو أدى ذلك إلى تعذيب جسدها.
رابعاً: الانعكاس التاريخي
1. السياق التاريخي المباشر
تعكس المسرحية أحداث سبتمبر 1981، عندما أمر الرئيس أنور السادات باعتقال آلاف المعارضين السياسيين، بما في ذلك المثقفين والكتّاب والنشطاء. استمر اعتقال السعداوي شهرين، وخلال هذه الفترة اختبرت واقع سجن النساء عن كثب، وهو ما حوّلته إلى مادة درامية في هذه المسرحية.
2. أدب السجون
تنتمي المسرحية إلى أدب السجون (Prison Literature)، وهو جنس أدبي ازدهر في مصر بعد اعتقالات 1981. تقدم المسرحية توثيقاً لتجربة النساء في السجن، والعلاقات المعقدة بين المسجونات من خلفيات مختلفة.
3. نقد الدولة السلطوية
ترسم المسرحية صورة نقدية للدولة المصرية في عهد السادات، حيث:
• الاعتقال دون سبب واضح (ساملة اعتُقلت في الشارع وهي ذاهبة لزيارة أمها).
• التنكيل بالمعتقلين واستخدام أساليب التعذيب النفسي والجسدي.
• الرقابة الصارمة على الورق والقلم، اللذين يوصفان بأنهما "أخطر من الطبنجة".
4. ديمومة النقد التاريخي
تشير إحدى الدراسات إلى أن المسرحية، رغم صدورها قبل ثلاثة عقود من الانتفاضات العربية، تظل ذات صلة بواقع المرأة في ظل الهيمنة العربية-الإسلامية. الزنزانة في المسرحية تصبح استعارة للعالم الأبوي العربي-الإسلامي بكامله.
خامساً: دراسة الشخصيات المسرحية
الشخصيات الرئيسية (الاثنتا عشرة مسجونة سياسية)
الشخصية الخلفية الموقف الأيديولوجي الدور الدرامي
علية إبراهيم شوقي مطلقة (بكسر اللام = فاعل)، أم لطفل رضيع مفكرة حرة، علمانية، رافضة للخضوع صوت المقاومة والتحدي، رمز "الإنسان"
سميرة الفيشاوي عانس، وهبت نفسها لله متدينة متشددة، تنكر جسدها تمثل التيار الديني الأصولي
عزّة باحثة غربية، مطلقة علمانية، غربية التوجه تمثل التنوير والانفتاح
بسمية شرف الدين أرملة، ميسورة الحال سياسية معتدلة، واقعية صوت العقل والتوازن
لبيبة موظفة، متزوجة تعيسة محايدة سياسياً، منهكة نفسياً تعكس المعاناة اليومية
رشيدة طالبة جامعية، حامل متدينة، منقبة تمثل التدين المحافظ
نفيسة الفيشاوي طالبة جامعية متدينة، جاسوسة للحكومة تمثل الاختراق والرقابة
هادية مسلمة غير منقبة متدينة معتدلة تمثل الوسطية الدينية
اعتدال محمد الشيخ طالبة ثانوية متدينة، منقبة تمثل الجيل الشاب المتدين
مديحة ملحدة علمانية، غير متدينة تمثل الإلحاد والتفكير الحر
نجاة مسيحية مسيحية متدينة تمثل الأقلية الدينية
ساملة أبو خليل فتاة شوارع، أمية ساذجة، غير سياسية تمثل البراءة والشعب البسيط
الشخصيات الثانوية (المرآة)
تشير إحدى الدراسات إلى أن الشخصيات الأكثر تأثيراً في المسرحية ليست السياسيات الاثنتي عشرة، بل ثلاث شخصيات "مرآة" من العنابر الأخرى:
1. زوبة (من عنبر الدعارة): شخصية "المهرج الشكسبيري" التي تعكس حقائق الحياة بصراحة وسخرية. تبيع جسدها لكنها تحتفظ بإنسانيتها، وهي التي تجلب الأمل عبر جلب الرسائل والورق والقلم.
2. زينب القتّالة: قتلت زوجها بعد أن اكتشفت تحرشه بابنتهما. تمثل العدالة المنتقمة والكرامة التي تستعيدها المرأة بعنف حين تفشل كل السبل السلمية.
3. صباح المتسوّلة: تفتح المسرحية وتختتم بأغانيها الحزينة. تمثل صوت الفقراء والمهمشين، وأغانيها تنبئ بالواقع المرير.
الشخصيات السلطوية
• ضابط المباحث: يمثل السلطة القمعية، يرتدي نظارة سوداء، يطرح الأسئلة نفسها، ويتكرر ظهوره كرمز للدولة البوليسية.
• الشاويشة فهمية: شخصية معقدة، بين القمع والتعاطف، بين الخوف من السلطة والإنسانية مع المسجونات.
• المدير العام: يظهر في الصورة المعلقة وفي زيارته للعنبر، يمثل السلطة العليا، المتغطرسة، التي لا تعترف بالحقوق.
سادساً: البعد التاريخي العميق
1. المسرحية كوثيقة تاريخية
تُعد المسرحية شهادة حية على مرحلة سياسية مفصلية في تاريخ مصر الحديث: مرحلة ما قبل اغتيال السادات (1981). اعتقالات سبتمبر 1981 كانت نقطة تحول في تاريخ المعارضة المصرية، والمسرحية توثق هذه التجربة من منظور نسوي.
2. استمرارية الصراع
المسرحية لا تقدم حدثاً تاريخياً منغلقاً، بل نموذجاً متكرراً للصراع بين السلطة والحرية. وكما تشير الدراسات، فإن ما حدث عام 1981 "لا يزال ذا صلة بنضال المرأة في ظل الهيمنة العربية-الإسلامية". الزنزانة الواحدة تصبح استعارة للعالم كله.
3. العلاقة بين القهر المنزلي والقهر السياسي
الإهداء "إلى كل من عرف القهر في البيت أو في السجن" يربط بين القهر الخاص والعام، بين السلطة الذكورية في الأسرة والسلطة السياسية في الدولة. هذا الربط يشكل جوهر الرؤية النسوية للسعداوي: المرأة تخضع لشكلين من القهر متكاملين.
4. التغيير الدوري للصور المعلقة
في نهاية المسرحية، تختفي صورة الرجل الأول وتحل محلها صورة رجل آخر. هذا المشهد يحمل دلالة تاريخية عميقة: تغيير الرموز لا يغير جوهر السلطة. الاستبداد يتجدد بأشكال جديدة، والمقاومة يجب أن تتجدد معه.
5. دروس التاريخ
المسرحية تطرح سؤالاً أساسياً: هل يتعلم الإنسان من التاريخ؟ فبينما تتغير الصور المعلقة، يبقى ضابط المباحث الجديد يطرح الأسئلة نفسها، وتبقى علية ترد بالجواب نفسه: "أقوى من الفولاذ... الإنسان". هذا التكرار يوحي بأن التاريخ يعيد نفسه، وأن المقاومة الإنسانية هي الثابت الوحيد في وجه تقلب الأنظمة.
سابعاً: الخلاصة
مسرحية "الإنسان" لنوال السعداوي هي عمل متعدد الأبعاد: درامياً، تستخدم تقنيات مسرحية رمزية مكثفة؛ وفكرياً، تجمع بين النقد النسوي والماركسي والديني؛ وفلسفياً، تطرح أسئلة حول الإرادة والحرية والوعي؛ وتاريخياً، توثق مرحلة مفصلية في تاريخ مصر المعاصر.
تبقى الرسالة الأساسية للمسرحية أن الإنسان - بأضعفه صوره وأكثرها تهميشاً - يمتلك قدرة على المقاومة والتحدي تفوق كل آلات القمع. وفي هذا، تقدم المسرحية رؤية إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان، فتظل ذات صلة بكل عصر يمارس فيه الاستبداد سلطته على البشر.
المراجع
1. السعداوي، نوال. الإنسان: اثنتا عشرة امرأة في زنزانة. مؤسسة هنداوي، 2019 (صدر الأصل عام 1982).
2. Al-Khateeb, Ebtehal. "Women Lost, Women Found: Searching for an Arab-Islamic Feminist Identity in Nawal El Saadawi’s Twelve Women in a Cell in Light of Current Egyptian Spring Events." Journal of International Women s Studies, Vol. 14, Iss. 5, 2013.
3. El Captan, Nour. "Narrating Egyptian Women s Prison Experiences - El Saadawi and Bakr." The Undergraduate Research Journal, Vol. 9, Article 8, American University in Cairo, 2023.
4. Vinson, Pauline Homsi. "Shahrazadian Gestures in Arab Women s Autobiographies." 2008. (مشار إليه في المصدر 12).
5. Newson-Horst, Adele. "Conversations with Nawal El Saadawi." 2008. (مشار إليه في المصدر 12).
6. "Twelve Women in a Cell" – UK Theatre Web production archive, 2004.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟