أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نوال عايد الفاعوري - ثمانون عاما من العمر... ووحدة واحدة














المزيد.....

ثمانون عاما من العمر... ووحدة واحدة


نوال عايد الفاعوري
(Nawal Alfaouri)


الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 20:12
المحور: قضايا ثقافية
    


في الثمانين، لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الأشياء كما كان يحتاج إليها في شبابه.
لا يحتاج بيتا كبيرا، ولا سيارة فاخرة، ولا حسابا ممتلئا في البنك.
يحتاج فقط إلى يد تمتد إليه حين يتعب، وصوت يسأله بصدق: كيف أصبحت اليوم؟
صديقي الذي بلغ الثمانين
أرمل، يعيش وحده في بيت كان يوما عامرا بالحياة واليوم لم يبق فيه إلا صوته وخطواته وذكرياته.
أبناؤه كبروا، تزوجوا، واستقرت حياتهم، وأصبح لكل واحد منهم بيته وعائلته ومسؤولياته، وهم يحبونه بلا شك
يزورونه يوم في منتصف الاسبوع ويدعونه إلى العشاء في آخره ، ويتصلون به من حين إلى آخر.
كلما جلست معه، أشعر أن ثمة شيئا لا تراه الزيارات.
وكلما سألته عن حاله يبتسم ويقول:
"أنا بخير."
لكنني أعرف أن كلمة "بخير" عند رجل في الثمانين قد تخفي وراءها أشياء كثيرة.
ها هو اليوم يحتاج إلى من يمسك بيده.
لكنه لا يدع احدا يرى تلك الحاجة، لأنه لا يطلبها.
الآباء لا يحتاجون إلى الحب اللفظي بل يحتاجون إلى أن يتحول الحب إلى أفعال.
لا يكفي أن نقول: "أبوي غالي".
يجب أن نعرف ماذا أكل.
هل استحم؟
هل تناول دواءه؟
هل يستطيع تنظيف بيته؟
هل ملابسه نظيفة؟
هل نام جيدا؟
هل هناك شيء يؤلمه ولا يريد أن يخبرنا به؟
هو لا يحتاج أن يراه أبناؤه بل يحتاج إلى أن ينتبهوا إليه.
هناك فرق كبير بين أن تسأل أباك:
"بدك اشي يا بوي "
وبين أن تعرف بنفسك ما الذي يحتاجه.
صديقي لا يخبرهم لكي لا يثقل عليهم
لا يقول إنه تعب.
ولا يقول إنه لم يأكل.
ولا يقول إن الغسيل تراكم.
ولا يقول إن تنظيف البيت أصبح مرهقا.
ولا يقول إن الذهاب إلى الطبيب وحده صار أمرا يخيفه أحيانا."
يمضي أيامه بالطريقة نفسها التي يمضي بها رجل اعتاد أن يعتمد على نفسه طوال حياته، لكن نفسه اليوم قد بدأت تتعب.
ابوك لا يحتاج إلى أن تعيش معه طوال الوقت.
ولا يحتاج أن نتخلى عن حياتك من أجله.
لكنه يحتاج أن يشعر أنه ما زال داخل حياتك، لا على هامشها.
أن تزوره لأنك اشتقت إليه، لا لأن اليوم هو يوم الزيارة.
أن تجلس معه أمام فنجان قهوة، وتترك الوقت يمر ببطء.
البر ليس زيارة محددة في الأسبوع، ولا دعوة إلى العشاء في آخر.
البر أن تنتبه.
أن ترى ما لا يقال.
أن تسأل قبل أن يطلب.
أن تقترب قبل أن يشعر بأنه وحيد.
ابوك لا يقول لك: اجلس معي
لكنه يتمنى أن تجلس
لا يقول:رافقني إلى الطبيب
لكنه يفرح حين تذهب معه.
قد لا يقول لكنه يشعر بالأمان حين يجد من يهتم بتفاصيل حياته الصغيرة.
لا يقول: أنا وحيد
لأن الاعتراف بالوحدة، بالنسبة لرجل قضى عمره قويا، قد يكون أصعب من الوحدة نفسها.
سيأتي يوم لن تجده في ذلك البيت.
سيبقى الكرسي مكانه.
وقد تبقى بعض ملابسه.
وقد يبقى فنجان قهوته.
لكن صوته لن يكون هناك.
وحينها لن يكون السؤال: كم مرة زرناه؟
بل ربما سيكون السؤال الأكثر قسوة:
هل كان يعرف، وهو يعيش وحده، أنه كان محبوبا؟
كلما جلست مع صديقي، لا أسأله كثيرا عن الأشياء الكبيرة.
أسأله عن يومه.
عن طعامه.
عن نومه.
عن صحته.
وأحاول أن أكون معه في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو لنا عابرة، لكنها بالنسبة لرجل يعيش وحده قد تعني الكثير.
وأفكر دائما:
وأظن أن هذا هو أقل ما يستحقه أب في الثمانين
ألا يضطر إلى أن يعيش وحده
وأن ينام كل ليلة مطمئنا إلى أن هناك من يراه
ومن يسمعه
ومن يسأل عنه
ومن يقول له دون مناسبة:
"يا صديقي... أنت لست وحدك."



#نوال_عايد_الفاعوري (هاشتاغ)       Nawal_Alfaouri#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تقولي ابدا إنك خائفة... لكن احذري من وطن يهزم الحلم
- رفرفة في غزة... وإعصار في واشنطن
- حين يضيق الشاطئ... وتتسع الحدود
- مزرعة الحيوان... حين تلد الثورة استبدادًا جديدًا
- حين يصبح التأقلم خسارة للذات
- العبودية المختارة... حين يصنع العبد سيده
- حين يعانق القلب .. قبل الذراعين
- ترانيم السابع من تموز الجديد «تجلّيات الطمأنينة»
- خليلة الشيطان… حين يصبح التبرير أكثر إغواءً من الخطيئة
- الكتابة .. نافذة الروح على الورق
- فرساي الأخيرة: لا منتصر في الحرب ولا مهزوم في السلام.
- حيونة الانسان الكتاب الذي اعاد تعريف الانسانيه
- ثوره صامته في عباءة الامن والامان
- مادورو .. اجا دورو ..
- المرأة وفلسفة القهوة .. جديد الدكتور سمير محمد ايوب
- على حافة العيد
- على حافة ايلول
- في تلك المدينة… هل صار الجوع قدرًا… أم عجزنا هو من أطلق سراح ...
- على حافة السابع من تموز
- على حافة الغياب


المزيد.....




- الحوثي ينفي استهداف مكة ويتهم السعودية بتشديدها الحصار
- تونس تعرب عن بالغ انشغالها إزاء الأوضاع الإنسانية المتدهورة ...
- أمريكا تعلن تسليم مصر دفعة طائرات جديدة
- طيار يصور جسما غامضا يمر بجانب طائرة تجارية في المكسيك
- كلوب يدشن حقبة جديدة لمنتخب -الماكينات-.. ويدعو للاعتزاز بأل ...
- مذيع مقرب من عبدالرحمن السيد: أمريكا تنفذ إرهابا أكثر من -ال ...
- تقرير إسرائيلي عن مستودعات استراتيجية وبنى تحت الأرض لحزب ال ...
- -إلياس-.. أصغر كوكب خارج المجموعة الشمسية على الإطلاق
- رئيس -صومالي لاند- يغري الولايات المتحدة بتسهيلات عسكرية مقا ...
- أضرار جسيمة تطال قواعد أمريكية في الشرق الأوسط خلال الصراع م ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نوال عايد الفاعوري - ثمانون عاما من العمر... ووحدة واحدة