أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوزية بن حورية - قراءة نقدية في نص -طقوس الشاي المقدسة- بقلم الاديبة والكاتبة المسرحية والناقدة والشاعرة فوزية بن حورية















المزيد.....


قراءة نقدية في نص -طقوس الشاي المقدسة- بقلم الاديبة والكاتبة المسرحية والناقدة والشاعرة فوزية بن حورية


فوزية بن حورية

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 09:59
المحور: الادب والفن
    


كلنا نعلم ان العتبات السردية بصفة عامة تكشف للقارء مدى محور الموضوع الرءيسي داخل النص الادبي، وعن عمق العلاقة بين العتبة السردية والنص الأدبي ايا كان جنسه ودلالته العميقة،... ان العتبات تزيل الالتباس المحتمل الذي يحصل للقارء او المتلقي من اول نظرة، وذلك جراء الانطباع الأولي... فيقوده إلى تخيلات او الى احتمال تأويلات كثيرة يكون مصدرها وسببها العتبة... لذا اقول ان عتبة المقالة تعد المراة الكاشفة لموضوع النص وجوهره. حيث ان العتبة العنوانية تعد من أهم العتبات السردية النصية التي تكشف عن مضمون العمل... مثل عتبة النص الذي بين يدينا... تعلمنا الى ان هناك داخل المقالة يوجد طقس من الطقوس المقدسة للعاءلة حتى انها لا تتنازل ولا تتخلى عنه ابدا حتى اصبح وكانه شعيرة كالشعاءر الدينية... وقد تنفرد بها في الوسط الاجتماعي والاسري في فلسطين... اطلق عليها الناقد طه دخل الله عبد الرحمن عنوانا اختاره بعناية فاءقة الا وهو "طقوس شرب الشاي" في الحقيقة المعيشية الاجتماعية ان لكل عاءلة طقس معين، وخاص تنفرد به... وقلما تجتمع عليه عاءلتان مختلفتان سواء كان ذلك في الزمان او المكان لان الدنيا اهواء... والناس كالجداول وروافد الانهار... طباعهم... واتجاهاتهم،... وميولاتهم مختلفة وكذلك اذواقهم في الحياة... مع العلم ان كلمة طقوس تلفت انتباه القارء لان هذه الكلمة هي في الاصل جمع لكلمة طقس، والطقوس مرتبطة عادة بالاديان خاصة.
ان الطقس الديني هو العبادة العامة المألوفة والشعاءر الدينية المقدسة... هذا من الناحية الدينية... اما اذا نظرنا الى هذه الكلمة من الناحية اللغوية لوجدناها تُشير لغويا إلى مجموعة من الأعمال، أو الإجراءات المرتبطة بعادة لا انحياد عنها ابدا لانها مقدسة في نظر القاءمين بها... او المؤمنين بها... أو الشعائر الثابتة كالشعاءر الدينية المتكررة التي تؤديها جماعات من المسلمين او غيرهم ينتمون لاي دين سماوي كالاسلام والمسيحية... او دين وضعي كالبوذية والهندوسية والطاوية وغيرها من الاديان الوضعية... ان الطقوس هي اعلام الظاهرة، كالزمان منها الأشهر والاعياد... مثلا الاشهر الحرم والاعياد الدينية، والوطنية... واعياد الميلاد،.. واعياد الزواج... وتطلق ايضا على المكان مثل المساجد الثلاثة والمشعر الحرام،... وتطلق على مقامات اولياء الله الصالحين... وبما ان الطقوس هي رموز لا تمثل العلامات الدينية فقط... وانما ترتبط ايضل بالعادات والتقاليد،... والقصص والأساطير... وتختلط بحركات الدراويش.. وبالشعائر الدينية فتعلو الى مراتب التقديس وذلك وفق قواعد محددة لا يختلف عليها اثنان.. سواء كانت رمزية أو تقليدية. لذا اختار الكاتب عنوانا مكثف المعاني (طقوس شرب الشاي) الا انها تشير هنا الى عادة ثابتة بل راسخة لا تتزحزح ولا تتغير في عاءلة البطل حتى صارت منذ تخطيه عتبة الزواج وغلق باب العزوبية خلفه طقسا جميلا من جملة الطقوس المقدسة في العادات والتقاليد اليومية في الحياة الزوحية، وكانها جزءا لا يتجزا منها طوال السنة مثل العادات والتقاليد الفلكلورية المقدسة لدى الشعوب... وما اعنيه جلسة الشاي التي اصبحت طقسا يوميا مقدسا لا انفصال عنه بادق تفاصيله واجملها... مهما كانت الاحداث...
و نتساءل لماذا اختار لها الكاتب توقيت اخر النهار، الا وهو المساء... لانه اجمل توقيت لابهى رومنسية مساءية... عند الشفق والغسق في اجمل واروع تجليات انكماش خيوط الشمس وانحسارها التدريجي الى الوراء في تخاتل وحياء زاده التغنج المشوب بالخفر والدلال سحرا كغجرية خجلة احمر وجهها فانعكس احمراره على وجه السماء من شدة خجلها حتى انصهر فصار كالدهان... فتتسلل مختفية في تان رويدا رويدا حتى لا تثير انتباه الليل... حتى ان المدينة بعدما نصبت العتمة خيمتها عليها، تتثاءب هي الاخرى في تكاسل ثم تتكوم حول نفسها في الظلمة تحت ستار الليل بعدما اغتسلت في الظلماء من الوعثاء التي انزلها الحراس بها ثم تتقلب لترتاح على ارجوحة الامل من صخب النهار وضجيج الباعة والناس المرتبكين من خوف ووجل... ومن منظر العساكر ووجوههم المغبرة المتجهمة كوجوه الابالسة... وصوت خطواتهم المتمردة... فتركن الى الراحة المنشودة في حذر مفروض...ان منظر الغروب والغسق لشاعري... في هذا الزمن والتوقيت يجلس بطل القصة الى طاولة صغيرة لم تكن من خشب شجر العود اوالصندل او الابنوس المنقوش ببديع الزخارف انما من خشب بسيط... لكن ماجعل هذه الجلسة ولا جلسة ديوان الملوك هي طقوس الشاي وعيون رفيقة الحياة المتحدثة في صمت مما جعلها فريدة من نوعها ماديا ومعنويا... لا تشبهها طقوس الاديان ولا الاعراس ولا الاعياد بل لا يشبه اي شيء عرفه البشر... هكذا يقول طه دخل الله عبد الرحمن... طقوس لم يعرفها العالم انما عرفها البطل وشريكة حياته ورفيقة دربه... هذه الطقوس في شرب الشاي ما هي في الحقيقة الا طقوس مناجاة بين محبين شابين... وتبادل لغة الحب والغرام لغة العاشقين المتيمين... الهاءمين... كلغة كطاءري حمام يتغازلان على غصن ورد او ياسمين جنين... هذا البطل الذي نراه يعود من العمل اخر النهار وقلبه يهتز وينتفض مع كل خطوة يخطوها بين عجلة وهرولة لا يبصرها الناس وهو يمشي مسرعا في صمت لم يدركه المارة لملاقاة حبيبته وحبة قلبه وكان بينهما موعدا للالتقاء لاول مرة... وما اجمل اللقاء حين يختزل في لغة العيون ويبحر الاحساس في لجة القلبين في صمت وسكون... فتتصاعد الاحلام وما سطراه لمستقبل الايام كالبخار في تان ثم يتحول البخار ابناء يتجهون الى بلور النافذة، نافذة الحياة الخارجية وتتركز عليها ناشدة الخروج الى معترك الحياة خارج الجدار الاسري ونافذة الاحلام وبلورها الشفاف الكاشف ماهو خارج الجدران... هذا ما يدل الى ان المنزل والمنازل حوله لا يحوطها الامن والامان... فتصير نتيجة الاحلام قصاءد شاعرية من الماء وهذا تعبير مجازي جميل جدا وكاني به يقول ما اشبه الابناء بالقصيدة الشاعرية لما في حب الابناء من عطف وحنان وجد وهزل وتوجيه وحياة كاملة بزخم نعيمها كالماء الذي جعل منه الله كل شيء حي... هذان القلبان العاشقان اتسعا للكون برحابته من حلم وصبر واناة... وصار لهما ابناء وعاءلة ستتوسع توسع الكون توسع ادم وحواء عمارا الكون فصار زاهرا بالبشر... طارت العصافير فاصبح وحيدين من جديد كما بدا وحيدين ثم ضاقا بعضهما من ضجر وتالم وشق عليهما امرا ما حتى عجزا فما زادهما الا تعلقا وتشبثا ببعضهما فزادت لحمتهما كزوجين وشريكين فانضما لبعضيهما حتى التصقا اكثر... فاكثر حتى لا يفرق بينهما مفرق...
نعم هكذا نرى ان بطلنا حالما يتخطى عتبة الباب ويلج باب البيت يلتفت الى الركن الذي توضع به ماءدة الحب والغرام وطقوس الشاي... ينصرف معجلا في خطاه الى الداخل ثم يعود بسرعة وكانه في عجلة من امره وهو يكاد يركض والابتسامة على شفتيه ليجد رفيقة دربه قد وضعت طاقم الشاي وابريقه المميز بزخرفه الازرق الداكن احيانا والماءل في بعض النمنمات الى اللون الفيروزي على خلفية بيضاء.. فيجلس قبالتها وهو يتامل اناملها الرقيقة في شغف لم تنبس به الشفاه لكن تكلمت به نظراته ورفرفة رموشه وهو يراقبها في سكون ظاهري وصخب عاطفي داخلي... صفقات قلبه تكاد تصرخ احبك... وامواج عاطفته تفيض على وجهه المشرق سعادة ونظراته الحالمة... حتى انه يخالها تمسك بمصير السماء، سماء لا ككل سماء بل هي سقف حياتهما البكر لا سماء سقف الارض... وهي تسكب الشاي في بطء متعمدة ذلك وكانها تقول له اريت رغوة الشاي في الكاس فهي شعوري وتعلقي وشغفي بك وعوامل حبي الذي يتعامل في فؤادي... تامل جيدا ولا تنسى... فيقول هامسا وكانها توقظ في نفسه ذكرى حب حبيبة قديم لم يكن عابرا بل ظل راسخا في سويداء قلبه،... الا ان ذكراه كانت غافية كنار خامدة تحت الرماد... فنهض بخار الذكرى متكاسلا لانه لا يريد النهوض من الغفوة فعكر عليه جلسته الغرامية المرتبطة بطقوس الشاي للعاشقين... فيتجاهل تلك الذكرى التي يتصاعد بخارها في صدره كعاشق وله.. ويستفيق منه ومن حلم ثقيل حلم مر ولم ينتهي بل ظل خامدا فيتلوى في الهواء كافعى من عطر طيب حبيبته الغاءبة ثم يتلاشى شيءا فشيءا تاركا في صدره اثر صعوده الذي اثار في نفسه ما اثار من حنين لحب قديم ولواعجه ولوعته في صدره المحموم... فيناجيه في صمت مكتوم...
لقد كانت الرشفة والتجربة الاولى في حياته الجديدة بالنسبة لرفيقته صعبة جدا خوفا من تذوق يلسع لسانها بحرارة الشاي فتتردد في تلذذ ثم ماتفتا ان تقبل على كاس الشاي فترتشف الرشفة الثانية فينزل الشاي في قرار الروح لذيذا... لقد شبه بطل النص الرشفة الاولى بالقبلة الاولى... وهو يراقب ويلاحظ فيؤجل رشفته لا عن بخل ولا تقتير انما لانه يجد متعة اعمق والذ في الانتظار.
ثم يواصل في وصف طقوس الشاي فيشبه ذوبان قلب السكر بقلب الحبيبة... لعمري انه لتشبيه جميل،.. ذوبان السكر في كاس رفيقته في تؤدة والمقصود به ذوبان الروح، روح الحبيب من شدة التعلق والولع... يتاملها في صمت كانما هو يتعلم من رفيقته فن الذوبان والاختفاء هنا يتبين لنا ان رفيقته تحسن فن المراوغة والاختباء... الا وهو المد والجزر العاطفي في غنج ودلال انثوي جميل تحبذه النفس... والمقصود باندماج المرارة بالحلاوة... مرارة الحياة في غير امان ثم تندمج بااحلاوة حال عودته الى البيت ومقابلة رفيقته... في الواقع ان مسيرة الحياة خليط بينهما... فيقول البطل ان المرارة وحدها تليق بمن عرفوا ان الفرح لا يكتمل الا اذا شابه شيء من الخوف... وحياة بطلنا خليط بينهما... ففي طريق الذهاب الى العمل والاياب معاناة من خوف من عدم عودته الى البيت جراء صدور شيء ما من حراس ابالسة تمنعه من العودة الى المنزل... وحالما يصل سالما يشعر بالفرح.. فيتبادل احيانا ورفيقته كؤوس نشوة فرحة العودة سالما... وهنا الكؤوس ليس المقصود بها كؤوس الشاي انما هي كؤوس ايام الحياة وسويعاتها فتشرب من كاسه من اخباره التي يحملها معه بعد عودته الى البيت... وتترك حلاوة كلامها المواسي والباث السعادة والامل في نفسه والمحفز له على مواصلة الحياة بمعنويات مرتفعة... وروحه على شفتيه... رغم المرارة يتطعم العسل الذي يمتص المرارة عسلا فريدا من نوعه لانه مصنوعا من حلاوة كلامها المتفاءل وسكر روحها الطيبة...
يعترف الناقد الفذ طه دخل الله عبد الرحمن ان جلسة الشاي في الواقع ما هي في هذا الطقس المقدس الا ذريعة العاشقين،... وهذا ما نراه في حقيقة الواقع الاجتماعي في جل الاوساط الاجتماعية الشبابية تقريبا، وحتى بين الكهول يلتقون في المقاهي بتعلة الصداقة او العمل، او التعارف فيتخذون جلسة شرب فنجان قهوة او رشفة شاي ذريعة ومبررا... وهذا واقع حقيقي معيشي ملموس لا لبس فيه او عليه يعيشه شباب اليوم كما عاشته بعض الاجيال السابقة. لا يشك فيه اثنان.... الا انها هنا ليست ذريعة التعارف انما هي ذريعة المحبين والعاشقين للصمت المشترك الذي يترك العيون وحدها التي تتكلم وتبوح بما يقوله القلب للقلب في سكون... فللعيون مغناطيس احد من شفرات السيوف واحد من نصل السكين واشد حلاوة من كلام السنة الاحبة... ولا يدركها الا الاحبة انفسهم والعاشقون المتيمون... الا ان هذا الصمت المجازي كموسيقى الجاز يجعل القلوب ترقص طربا بفرحة اللقاء بعد فراق يوم كامل حافل بالعمل الدؤوب... ومحفوف بالمخاطر... الا ان الملعقة صوتها كان كعصى كمنجة تتنقل بين الاوتار فينقطع ذاك الصمت... وتلك السكينة نبراس العاشقين... فكان صوتها كدقات الساعة وكعقاربها التي تدور بدل التقدم الى الامام الا انها تدور بعكس الزمن الى الخلف... الى زمن مغاير تماما لزماننا... لكن اي زمن هذا؟!..."زمنٍ لا يفنى فيه العشاقُ ولا يبردُ فيه الشاي" اتراه زمنا لا موت فيه ولا فناء... زمن الحياة الابدية... زمن شرعه ماء الحياة...
ويمضي الكاتب في ولهه وعشقه في جلسة طقوس الشاي فيتغزل ويتشبب بالحب. حتى انه شخصه فراه في شكل هيفاء ترتدي فستانا في قوام ممشوق وهذا التشخيص للحب فيه اعجاز ادبي... الا ان اناقة الحب تتمثل في لبسه ثوب التفاصيل اليومية في حياته... حيث ان الشاي في اسرة البطل وبيته لم يكن شايا ككل الشاي عند الناس بل هو موعد للحب والعشق والدفء والحياة ككل يتجدد كل مساء للبوح بما يكن كل منهما للطرف الاخر من مشاعر فياضة كعاشقين شابين او مراهقين..متيمين هاءمين في ميادين الحب يغرفان حلاوة عذرية الحب وصفاءه بعد العودة في امان... ومراة يرى كل منهما وجهه في صفاءها اكثر وضوحا واشراقا... هما يتعاتبان ككل الازواج مع تنازلات جمة.. فيها نسب ماءوية من دون شجار ثم سريعا ما يتصالحان ويعود دفء الحب اليهما فبلفهما في سعادة الغفران... في انسجام تام وتعود السعادة تغمرهما من جديد كان شيءا لم يكن... مادام هناك مذبحا صغيرا وتقدم القرابين من سكينة... واغتسال من برودة الخارج ومن قسوة الطرقات ومن وحشة الناس نحن نعرف اين يعيش كاتبنا... والوسط الاجتماعي الذي يقاسمه الحياة الخارجية... وهذه رمزية راءعة البرودة واين في الخارج معاملات جافة كالصقيع السبيري..... وطرقات فيها ما فيها من تعرضات لعديد المكابدات... ووحشة الناس... وجوه متجهة عن انياب الشر مكشرة.... لذا كان توقيت شرب الشاي في المساء ساعة الغروب طقسا مقدسا من اجل عودة الاحبة الى الدار سالمين بعد غياب يوم كامل محفوف بالمخاطر... فكانا في هذا الطقس كاهنين صغيرين في معبد من زجاج سهل التهشيم والمعبد هنا هو البيت وقد يكون الوطن فهو هش البنيان وشفاف لا حصن له ولا سور يحميه... ولا ستاءر تخفي ما يجري داخله ولا حيطان سميكة تحميه... مكشوف الداخل... ومن خزف فالخزف سريع التحطيم والانحدار... ودخان سريع التشتت والاندثار... انها الاحلام... انها العمر،... انها الابناء،... انها الحياة باكملها... تشبيه رمزي راءع وعميق جدا اكثر عمقا من قلب البطل.. فاحصاء التفاصيل وقد تكون الاحداث اليومية التي صار احصاءها عبادة يروي تفاصيلها كل مساء مع شرب الشاي وكانها الورد الذي يكرره العابد مع حبات السبحة اطلق عليها النفاصيل... الحياة كلها تفاصيل حين نتلو القران نجد فيه كثير من التفاصيل ذكرها الله لم نكن نعرفها حدثت لامم غابرة مثل ما حدث لسبدنا يوسف عليه السلام... والفراعنة ولوط وقارون، و.. و.. فالتاريخ في حد ذاته تفاصيل... طفولتنا،... وصبانا،... ومراهقتنا وايام الدراسة،... والعمل،... ويوم الامس،... وقبل الامس،... وليلة البارحة كلها تفاصيل نبحث عنها وفي داخلها... فنستحضر البعض منها لكن تستحيل عودتها... وكذلك رجوعنا الى السنوات التي خلت ومضت من عمرنا فنظل نراها في مرايا الايام تفاصيل دقيقة ورفيعة بسعادتها وجروحها تلك هي الحياة اصلها تفاصيل تتبع تفاصبل... ومشاهد تتبع مشاهد... حتى يتم عقد الحياة....
ان البطل شخص الشاي فجعله يتنفس انفاسه الاخيرة وكانه انسان في ساعة النزع... ومتى حين يرسب اخر ما في الكاس من اوراق وكان الكاس هنا هي العمر او الروح فتصمت تلك الملعقة ملعقة الرزق التي نلتقط بها غذاء النفس والجسد كانما اتمت دورها على اكمل وجه وتطلب لنفسها الراحة واين هناك. في عند القاع... في حين كان يقرا كل من الزوجين طالعهما في الورق المتناثر الا وهي الثواني واللحظات والساعات والايام والشهور وسنوات العمر، سجل الحياة فترى الزوجة المتفاءلة غدا مبهجا ومشرقا مفعما بالسعادة وزاخرا بالفرح والحياة بينما هو متشاءما... مهموما من المستقبل لا يرى الا يدها تمتد نحوه مؤازرة فتنتشله من بؤر الماساة وتمحو عنه شواءب النفس وجروحها... ومتاعب الحياة وشروخها.. وتشظي الايام... وتذكره بابتسامة رقيقة بفرحة الايام وهو مستسلم فانساق لكلامها ونظرتها الوردية للمستقبل... فصدق كلامها لا لشيء الا لانه حين تلتحم اصابعها بيده وتلمس كفه تسري يشعر بشحنة مغناطيسية تمنحه تيارات ايجابية تسري في روحه واحساسه وشعوره فتمنحه عزيمة قوية ودفءا روحيا... فيصبح حينها متفاءلا مثلها فيتحول المستقبل امام ناظريه الى كاس شاي دافء يشربانه معا وهذا تشبيه لكاس الحياة في سعادة كما تعودا... وهنا عودة لنشوة فرحة الحياة بعد مرارة... وياس..
ان الناقد طه دخل الله عبد الرحمن طوح بنا وخاتلنا كما اشتهى واراد وراوغنا مراوغة محارب في ساحة الوغى ثم سحب من تحت ارجلنا البساط او كما تقول امي "اجبد بينا الحبل" وتركنا بين الدهشة والذهول من الفاجاة حين نكتشف ان كل تلك المشاهد الراءعة وذاك الانسجام والحب والالفة واللهاث من شدة الشوق للوصول الى المنزل للالتقاء في تعطش بالزوجة الحنونة والصاخبة التي تضج حياة وحياء... فنصطدم بان كل هذه المشاهد التي تزخر بالحياة والحب والعشق والغرام حول كاس الشاي لم يكن سوى ذكرى جميلة واكثر... ذاك الشاي الساخن الذي تخشى زوجته الرشفة الاولى خوفا من سخونته فيحترق لسانها ثم في الرشفة الثانية تغرق في قاعة لجة دفء الحب والحياة لكن في حياء جميل... اصبح هذا وطقوسه باردا كالصقيع وذلك لانه يحتسيه فريدا شريدا سابحا في الذكريات التي عصفت بواقعها عواصف الحياة التي لا ترحم يقربه من فمه الا انه الان لم يتذوق مرارته التي كان يستعذبها بل اصبح لا يتطعمه اصلا ولا يتلذذ بجلسته الخالية من رفيقة الدرب وسنين العمر سيدة القلب والدار هي الانس والسكن وهكذا اكتشف انه لم يكن يرتشف الشاي ولا يحتسيه انما يرتشفها هي... هي مهجة الحياة واصل سعادتها... دونها الحياة عدم... وانه يتنفس الحياة من عينيها من نظرات الحب والاخلاص التي يشع نورها من عينيها الى روحه حتى انه عبر قاءلا يرتشف من عينيها المؤازرة والوقوف الى جانبه سندا يقويه في هزات الارض واعاصير الايام... كل هذا شبهه بالماء الذي يرويه من الظما... ويتنفس راءحتها فتزود رءتيه وعقله بالاكسجين فينتعش جسمه ويشعر بالحياة... بعد رحيلها لم يعد لطقوس الشاي ولا لطاقمه وابريقه المزخرف ولا لسكب الشاي في الكاس ولا الارتشاف منه، اهمية ولا طعما ولا اي شيء ينبء بالحياة فتزهر... الا ان الشاي ظل عادة وطقسا... لكنه مرا كعمر يفتقد الحبيب وشريك سنوات العمر... عمرا صار كسنوات عجاف... ينتظر يدا لن تعود لتسكب في نفسه وذاته حلاوة الحياة وبهجتها... نفهم ان البطل فقد رفيقة دربه ونبراس سعادته واصبح وحيدا فريدا يعاني من قسوة الوحدة ومعاناتها ومكابدتها.... كل شيء برحيلها في حياته انقلب راسا على عقب. فلا الحياة هي الحياة ولا طقوس الشاي هي ذاتها... هنا يتجلى لنا مدى متانة الرباط المقدس الذي ربط بينهما وجمعهما كزوجين. حميمين...
الاديبة والكاتبة المسرحية والناقدة والشاعرة فوزية بن حورية تونس 2026 /9/13
========
**طقوس شرب الشاي**
**في المساءِ، حينَ يرتدُّ الضوءُ إلى عتمتِهِ الأولى، وتنسحبُ المدينةُ من نوافذنا كضيفٍ أثقلَهُ الانتظار، كنّا نجلسُ على تلكَ الطاولةِ الخشبيةِ الصغيرة، حيثُ للشاي طقوسٌ لا تشبهُ شيئًا مما عرفَهُ البشر. لم يكنِ الشايُ عندنا مشروبًا، بل كانَ لغةً أخرى للحب، لغةً تصعدُ مع البخار، وتتكثفُ على زجاجِ النافذة، فتصيرُ قصائدَ ماءٍ لا يقرؤها إلا قلبانِ اتسعا للكونِ ثم ضاقا ببعضهما حتى التصقا.**
**كنتُ أراقبُ يدَها وهي تمسكُ الإبريقَ كأنها تمسكُ بمصيرِ المساء، تسكبُ الشايَ ببطءٍ متعمد، كأنها توقظُ في الكأسِ ذاكرةً غافية، فينهضُ البخارُ متكاسلًا كعاشقٍ يستفيقُ من حلمٍ ثقيل، ويتلوى في الهواءِ كأفعى من عطر، ثم يتلاشى، تاركًا في صدري أثرَ صعودِهِ المحموم. كانتِ الرشفةُ الأولى عندها كالقبلةِ الأولى؛ تذوقٌ خائفٌ، وترددٌ لذيذ، ثم انحدارٌ بطيءٌ إلى قرارِ الروح. أما أنا فكنتُ أؤجلُ رشفتي، لا بخلاً، بل لأني كنتُ أجدُ في الانتظارِ متعةً أعمق، متعةَ أن أرى شفتيها تلمسانِ حافةَ الفنجان، فأشعرَ أن للفنجانِ حظًّا لا أناله، وأن للشايِ سرًّا لا أفهمه، وأن ثمةَ غيرةً حلوةً تسكنُ صدري كقطٍّ صغيرٍ يخمشُ بلطف.**
**كان السكرُ يذوبُ في كأسِها على مهل، كأنه يتعلمُ منها فنَّ الاختفاء، بينما يظلُّ شاييَ مرًّا كحنينٍ قديم، لأني كنتُ أومنُ أن المرارةَ وحدها تليقُ بمن عرفوا أن الفرحَ لا يكتملُ إلا إذا شابَهُ شيءٌ من الخوف. وكنّا نتبادلُ الكؤوسَ أحيانًا، فتشربُ من كأسي وتتركُ حلاوتَها على شفتي، فأذوقُ في مرارتي عسلًا ما أنزلَ اللهُ به من سلطان، عسلًا مصنوعًا من ريقِ المحبوبةِ وسكرِ الروح.**
**أتدري ما الشاي؟ إنه ذريعةُ العاشقينَ للصمتِ المشترك، ذاكَ الصمتُ الذي يقولُ فيه القلبُ للقلبِ ما لا تطيقُه اللغة، صمتٌ مملوءٌ حتى الحوافِ بالمعاني، ككأسٍ ممتلئةٍ لا تفيض. كنّا نصمتُ طويلًا، فلا يقطعُ السكينةَ إلا صوتُ الملعقةِ وهي تدورُ في الفنجان، ذلكَ الصوتُ الرتيبُ الذي يشبهُ دقاتِ ساعةٍ تدورُ عقاربُها إلى الوراء، إلى زمنٍ لا يشبهُ زمنَنا، زمنٍ لا يفنى فيه العشاقُ ولا يبردُ فيه الشاي.**
**يا لأناقةِ الحبِّ حينَ يلبسُ ثوبَ التفاصيل! فالشايُ عندنا لم يكن شايًا، بل كانَ موعدًا متجددًا للبوح، ومرآةً نرى فيها وجوهَنا أكثرَ وضوحًا، ومذبحًا صغيرًا نقدمُ فيه القرابينَ من سكينةٍ ودفء، ونغتسلُ فيه من برودةِ الخارج، من قسوةِ الطرقات، من وحشةِ الناس. كانَ طقسًا مقدسًا، وكنّا كاهنينِ صغيرينِ في معبدٍ من زجاجٍ وخزفٍ ودخان، نتعبدُ فيه لإلهٍ واحدٍ اسمُه التفاصيل.**
**ثم جاءتِ اللحظةُ التي يتنفسُ فيها الشايُ أنفاسَهُ الأخيرة، حينَ يرسبُ آخرُ ما في الكأسِ من أوراق، فتصمتُ الملعقةُ كأنها أتمتْ صلاتَها. هناكَ، عندَ القاع، كنّا نقرأُ طالعَنا في الورقِ المتناثر، فترى هي غدًا مشرقًا، وأرى أنا يدَها تمتدُّ نحوي، فتمحو بالتفسيرِ ما خطّتْهُ الأيام. وكنتُ أصدقُها، لا لأنها تُحسنُ قراءةَ الغيب، بل لأنها حينَ تبتسمُ وأصابعُها تلمسُ كفي، يتحولُ الغدُ كله إلى كأسِ شايٍ دافئٍ نشربُه معًا.**
**واليومَ، وقد مرّتِ السنون، ما زلتُ كلَّ مساءٍ أجلسُ وحدي أمامَ كأسٍ من شايٍ بارد، أرفعُه إلى شفتي فلا أذوقُ شيئًا، لأني أدركتُ متأخرًا أنني لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها، وأتنفسُ قربَها، وأرتشفُ من عينيها ما لا يرتشفُه الظمأُ من ماء. فحينَ رحلت، رحلَ معها طعمُ كلِّ شيء، وبقيَ الشايُ مرًّا كعمرٍ لا حبيبَ فيه، ينتظرُ يدًا لن تعودَ لتسكبَ فيه من جديد.**
**طه دخل الله عبد الرحمن**
**البعنه == الجليل**
**23/08/2026**



#فوزية_بن_حورية (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية مقتضبة للاديبة والكاتبة المسرحية والناقدة والشاع ...
- كلمة حوح
- حكام الرصيف
- الثورات الداخلية وخراب الدول
- قراءة تحليلية لمقال طه دخل الله عبد الرحمن بقلم الأديبة والك ...
- قراءة تحليلية لسليمان شاحوذ في مقال -مسرحية الدم المتدفق- لل ...
- هجرة المغرب الى اسبانيا
- قراءة نقدية لقصيد -حوار مع لص الروح- للشاعر الدكتور اسامة مح ...
- كلمة النقاد في مقالة -المشهد الثقافي في تونس يشتكي- للاديبة ...
- المشهد الثقافي في تونس يشتكي
- الأستاذ شفيع بالزين والكاتب السيء
- قراءات نقدية تحليلية لبعض النقاد لمقال-أصابع الشر وأصابع الا ...
- قراءة نقدية تحليلية لمقال (أصابع الشر وأصابع الاتهام) للأديب ...
- اصابع الشر واصابع الاتهام
- اصابع الشر
- تعليق نقدي لمقالة -القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة - بقل ...
- نقد وتعقيب نقدي لمقالة -الحداثة من منظور اسلامي-
- نقد لقصيدة -حوار مع لص الروح - للدكتور اسامة محمد زيدان بقلم ...
- تعقيب نقدي للاديبة والكاتبة المسرحية والناقدة والشاعرة فوزية ...
- قراءة نقدية لقصيدة -ابحث عن وطن- بقلم الاديبة والكاتبة المسر ...


المزيد.....




- الممثل الروسي يورا بوريسوف يشارك في بطولة -أرينا-.. أول تجرب ...
- على عتبة دمشق.. أصالة تلم شمل السوريين في ألبوم من 14 أغنية. ...
- عصر الترجمة الذكية.. مطالب في الصين بتقليص تدريس الإنجليزية ...
- اللغة العربية وتحدّيات التكنولوجيا
- أثر الثقافة في التربية: بين الحزم والعقاب.. كيف ندير الصف؟
- الثقافة بين أجيال القدس: هل ما زالت تجمعنا؟
- في رحاب بغداد وفوق مياه النيل!
- بـ14 جائزة.. مسلسل -ويدوز باي- يحطم الرقم القياسي في جوائز إ ...
- -حبوب السعادة- التي تحولت إلى لعنة.. تقرير جديد يكشف سبب وفا ...
- فيلم -نازا- الإسرائيلي يفضح -أسطورة الجيش الأخلاقي- و-هآرتس- ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوزية بن حورية - قراءة نقدية في نص -طقوس الشاي المقدسة- بقلم الاديبة والكاتبة المسرحية والناقدة والشاعرة فوزية بن حورية