أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم سعيد - من المجتمع المفتوح إلى التوتاليتارية الجديدة















المزيد.....



من المجتمع المفتوح إلى التوتاليتارية الجديدة


أكرم سعيد

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 17:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بات من الواضح تحليلياً أن الديمقراطية الراهنة تتجه نحو إعادة إنتاج أدوات الحكم التوتاليتارية. وتتجلى هذه الظاهرة في سعي السلطات الغربية إلى تضييق هامش الحريات وتكثيف الرقابة، عبر تفكيك المكتسبات الدستورية التي ناضلت الشعوب من أجلها لتأمين حقوقها الاجتماعية والسياسية. لقد غدت الليبرالية المعاصرة تمارس إقصاءً ممنهجاً؛ فكل من لا يتبنى أطروحاتها يُدرج تلقائياً في خانة "أعداء المجتمع المفتوح" الذين يستوجب قمعهم. تعيد هذه الشمولية الليبرالية إنتاج إستراتيجيات النظم الاستبدادية القائمة على شيطنة الخصوم؛ إذ يُختزل المعارضون في قوالب جاهزة، لتشريع معاقبتهم وعزلهم مجتمعياً. ويظهر هذا التوجه جلياً في قمع حركة "السترات الصفراء" والاحتجاجات العمالية ضد رفع سن التقاعد في فرنسا، إلى جانب كبح حركات التضامن والاحتجاج في بريطانيا المناهضة للحرب على غزة. إن هذا المسار يثبت الارتباط الشرطي بين أزمات الرأسمالية البنيوية وبين ارتداد الأنظمة البرجوازية نحو دولة الحرب والعسكرة، محوّلةً وعود ”المجتمع المفتوح” إلى مجتمعات مغلقة ومحكومة بالقبضة الأمنية الشمولية، كما نلمسه اليوم في العمق الأوروبي.
مقاربات نقدية في أطروحة ” المجتمع المفتوح ” لكارل بوبر
تتبدى أهمية تفكيك مفهوم المجتمع المفتوح في الراهن السياسي من منطلق الأزمة الهيكلية التي تواجهها قيم العقلانية والحرية البرجوازية؛ إذ باتت هذه المنظومة عُرضة لتقويضٍ مستمرّ من قِبل التيارات المحافظة وظواهر العنصرية المستحدثة. وفي ظل المشهد العالمي الذي يتسم بالسيولة الشديدة وضبابية غير مسبوقة، يغدو الفرد مستهلكاً للخطابات الأيديولوجية المضللة التي تنتجها النخب الحاكمة بغرض احتكار الحقيقة، ما لم يرتكز إلى فكر الاشتراكي بوصفه أداةً تفسيرية نقدية قادرة على تفكيك هذه البنى الخطابية. وتكمن المعضلة الأساسية في عجز السرديات الليبرالية البرجوازية عن تقديم طروحات علمية ومادية لتفسير الأزمات البنيوية الراهنة، والتي تتجلى في: التناقضات الاقتصادية الحادة، وتصاعد المد الشعبوي، والنزاعات الجيوسياسية، وتعمق الفجوات الطبقية والفساد المؤسساتي المنظم.
تفكيك المجتمع المفتوح عند كارل بوبر
تتأسس مقاربة كارل بوبر لـ"المجتمع المفتوح" على أرضية إبستمولوجية بالدرجة الأولى، وهو ما يفسر غياب البنى التفسيرية المادية الملموسة لهذا المفهوم في أدبياته؛ حيث يغدو التباين بينه وبين الاستبداد السوفيتي كمجتمع مغلق هو المدخل التحليلي الأبرز لفهمه. وبالعودة إلى متون كتابه العمدة "المجتمع المفتوح وأعداؤه"، يمكن رصد الملامح الهيكلية لهذا الطرح الفلسفي.يقرر بوبر في هذا السياق: «إننا ندعو المجتمع السحري أو القبلي أو الجماعي مجتمعاً مغلقاً، والمنظومة التي يواجه فيها الأفراد مسؤولية اتخاذ القرار الفردي مجتمعاً مفتوحاً» (كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه - إدريس الشيخ شرفي، ج1، الفصل 10، ص 387). ويضيف مؤكداً أن «السمة الأبرز للمجتمع المفتوح تكمن في الحراك التنافسي بين أعضائه لتسلق المراتب الاجتماعية».(المصدر نفسه، ص 389). إجرائياً، يكفل المجتمع المفتوح الفضاء الحقوقي الذي يتيح للمواطنين ممارسة النقد البنيوي للسلطة الحاكمة وإعادة تشكيلها بالطرق السلمية؛ مما يترتب على ذلك نظام ديمقراطي يمتلك قنوات مؤسساتية قادرة على إحداث التغيير والتداول السلمي على السلطة، متجاوزاً بذلك حتمية الصدام الثوري وإراقة الدماء.
تأسست أطروحة كارل بوبر الدفاعية عن الديمقراطية الليبرالية على فرضية نجاح النظم الرأسمالية الغربية بعد الحرب العالمية الثانية في مأسسة تداول السلطة سلمياً، مستدلاً بالانتخابات الدورية كآلية إمبيريقية تتيح إحداث التحولات الهيكلية كبديل عن العنف الثوري. وضمن هذا المنظور، صاغ بوبر ثنائية وجودية حاسمة بقوله:« إنَّ بمقدورنا الارتداد إلى حظيرة البدائية، ولكن إذا ما شئنا الحفاظ على إنسانيتنا، فلن يكون أمامنا سوى مسارٍ وحيد: إنه المسار نحو المجتمع المفتوح.» - (المجتمع المفتوح وأعداؤه، ج1، ص 428). ومن مفارقات الفكر السياسي، يحاكي هذا الاستشراف البوبري، في بنيته التحذيرية، البرادايم الثنائي الذي طرحته الأدبيات الماركسية الكلاسيكية والممثَّل في مقولة:« إما الاشتراكية أو البربرية ». بيد أن المنظور الماركسي يؤصّل هذه المعادلة بنيوياً؛ إذ يرى أن غياب الطليعة الثورية القادرة على تفكيك علاقات الإنتاج الرأسمالية يترك التشكيلة الاجتماعية أسيرةً لأزمات التراكم الحادة، والاغتراب، والاضطهاد الطبقي. هذا الانسداد الهيكلي يدفع بالإنسانية، وفق التحليل المادي، نحو تفكك قيمي ومادي يفضي بالضرورة إلى النكوص نحو طور البربرية.
الشكلانية الانتخابية وإعادة إنتاج الأزمة الهيكلية للرأسمالية المعاصرة
يجمع العديد من المنظرين المعاصرين على وسم النظام الدولي الحالي بـ” الليبرالية المتوحشة ”، في إشارة واضحة إلى أن آليات الديمقراطية البرجوازية وعقيدتها القائمة على "المجتمع المفتوح" والتداول السلمي الديمقراطي على السلطة كل أربع سنوات، عاجزة بنيوياً عن كبح جماح التوحش الرأسمالي. وتكشف القراءة النقدية للتاريخ السياسي المعاصر أن هذا التناوب الانتخابي الإجرائي لم يحمِ البشرية من المآسي التاريخية؛ إذ إن الانتقال الدوري للسلطة داخل الأنظمة الغربية، سواء بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في أمريكا، أو بين اليمين واليسار الإصلاحي كما هو مشهودٌ في فرنسا، وبريطانيا، والسويد، أو أي دولة أوروبية أخرى، يمثل إعادة إنتاج للطبقة الحاكمة ذاتها بمسميات مختلفة. ومن منظور مادي، لا ينعكس هذا التغيير الشكلي إيجابياً على واقع الطبقة العاملة والشرائح الكادحة التي تواجه هبوطاً مستمراً في شروط عيشها وتفاقماً في مآسيها اليومية. وتؤكد المعطيات الراهنة عجز الخيارات السياسية البرجوازية، بشِقّيها الحاكم والمعارض، عن صياغة حلول حقيقية للأزمات المركبة، ولجوءها بدلاً من ذلك إلى سياسات التقشف والتهميش؛ مما يضع العالم الرأسمالي اليوم في قلب الفوضى والحروب، ويجعل من صندوق الاقتراع مجرد واجهة تجميلية لمنظومة مأزومة بنيوياً.
ماطرحه بوبر يقع في قلب أزمة الفلسفة السياسية الليبرالية المعاصرة، ويمس التناقض الجوهري بين النظرية الليبرالية والواقع المؤسساتي للدولة الحديثة. من منظور الأكاديمي فوثوقية بوبر في كتابه «المجتمع المفتوح وأعداؤه» قائمة على فرضية بإمكانية عزل الحكومة دون إراقة دماء هي المعيار الوحيد للديمقراطية. بيد أنه عند إدراج متغيّرات البنية التحتية الصلبة للسلطة ضمن التحليل المنهجي والمتمثلة في ” الأجهزة الفوقية الدائمة وغير المنتخبة ” (ما يُصطلح عليه بالدولة العميقة Deep State)، واللوبيات الاحتكارية، وتأثير المال السياسي الممنهج، تتكشف المحدودية المعرفية لفرضية كارل بوبر. إن إدخال هذه الفواعل غير المرئية في معادلة النقد السياسي يُثبت أن "المجتمع المفتوح" البوبري ليس سوى انفتاح شكلي قشري (تمظهري) يطفو على السطح السياسي. فبينما تُترك صناديق الاقتراع كآلية إجرائية للجمهور، تقبع السلطة الحقيقية وصناعة القرار الاستراتيجي في ركائز هيكلية معزولة تماماً عن الرقابة الشعبية أو المحاسبة الديمقراطية. هذا الانفصال البنيوي يحوّل التداول السلمي للسلطة إلى مجرد ميكانيزم تدويري للنخب، حيث تتغير الوجوه الحزبية المتنافسة في المتن، بينما تظل مصالح الكارتيلات العابرة للقوميات والأجهزة السيادية الثابتة هي الموجه الفعلي لسياسات الدولة، مما يفرغ "المجتمع المفتوح" من مضمونه ويحوله إلى أداة لشرعنة عصر الإستبداد واللاعقلانية.
يتجلى و يظهر هذا التناقض عبر تفكيك أطروحة بوبر ومقارنتها بالواقع المعاش. تتبدى الثغرة المنهجية والأبستمولوجية الأساسية في فلسفة كارل بوبر السياسية في نزعته الإجرائية المفرطة (Proceduralism). فقد ارتكز تحليله البنيوي للمجتمع المفتوح على تقديس آلية التغيير المتمثلة في صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة، مع إغفال تام وفصل تعسفي لـ"مساحة وفضاء التغيير الحقيقي المتاح" داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية. فبالنسبة لبوبر، يتحدد المجتمع المفتوح إمبيريقياً بمجرد قدرة الأفراد على التوجه إلى صناديق الاقتراع واستبدال نخب حزبية بنخب أخرى (إحلال الحزب A محل الحزب B) دون الانزلاق نحو نزاع مسلح أو حرب أهلية. إن هذا التركيز الحصري على "العملية الإجرائية" الشكلية وإهمال التناقضات البنيوية يمثل مكمن الضعف الجوهري في أطروحته؛ إذ إنه يعجز عن تفسير كيف يمكن لرأس المال - الكارتيلات الاحتكارية تحويل الديمقراطية إلى قشرة خارجية، والتحكم المسبق بخيارات الناخبين عبر صناعة اللاعقلانية والتسطيح الثقافي، وهو ما يحول التداول السلمي نفسه إلى آداة وظيفية لإعادة إنتاج ذات النظام المستبد بغلاف ليبرالي تجميلي. لكن التحليل البنيوي (Structural Analysis) يوضح أنك عندما تستبدل (A) بـ (B)، فإنك تقوم فقط بتغيير "الإدارة السياسية المؤقتة" للدولة، في حين أن السياسات الكبرى (النظام الرأسمالي، الالتزامات الجيوسياسية، الهيكل المالي) تظل ثابتة ومحمية بواسطة الأجهزة الفوقية غير المنتخبة. بالتالي، فإن حرية التغيير هنا هي حرية اختيار داخل السقف المسموح به وليست حرية لتغيير السقف نفسه.
يشرح ألتوسير أن الدولة تحمي نفسها عبر نوعين من الأجهزة: الأجهزة القمعية الدائمة (Repressive State Apparatuses): مثل الجيش، المخابرات، والـ FBI؛ وهي تتدخل مادياً لحفظ النظام عند الضرورة. الأجهزة الأيديولوجية (Ideological State Apparatuses): مثل المدارس، الإعلام، والأحزاب التقليدية؛ ووظيفتها إقناع المواطنين بأن هذا "السقف المحدد" هو الخيار العقلاني الوحيد والمدخل الحصري للحفاظ على الاستقرار. بناءً على ذلك، عندما يتحدث بوبر عن غياب العنف، فإن العنف لم يختفِ، بل تم مأسسته واحتكاره من قِبل الأجهزة الفوقية لضمان ألا يفكر المجتمع أصلاً في تجاوزه. لتفسير هذا التناقض أكاديمياً، يتفوق المفكر الماركسي البنيوي لويس ألتوسير (Louis Althusser) على بوبر.
وخاض هربرت ماركوزه سجالاً نقدياً مباشراً ومكتوباً ضد كارل بوبر، لا سيما في مقالته الصادرة عام 1959 بعنوان "كارل بوبر ومشكلة القوانين التاريخية" والتي تضمنها كتابه "دراسات في الفلسفة النقدية" (1972) المُعاد نشره لاحقاً تحت عنوان "من لوثر إلى بوبر" Studies in Critical Philosophy - Herbert Marcuse Official Website, From Luther to Popper | Verso Books. يوجه ماركوزه في هذا النص نقداً بنيوياً لكتاب بوبر "بؤس التاريخانية"، مفككاً ما يعتبره اختزالاً وضعياً للظواهر الاجتماعية وتشويهًا أيديولوجيًا لليبرالية التدريجية Karl Popper and the Problem of Historical Laws by Herbert , Studies in Critical Philosophy by Herbert Marcuse, Beacon. في أطروحته الشهيرة حول ” التسامح القمعي ”، يهاجم ماركوزه الفكرة البوبرية القائلة بأن حرية النقاش وحرية التعبير في المجتمع المفتوح تؤدي تلقائياً إلى الحقيقة والتغيير السلمي. رأي ماركوز: في ظل الرأسمالية المتقدمة، يتم تسليع وسائل الإعلام والثقافة وتحويلها إلى أدوات بيد الطبقة المهيمنة. عندما تسمح الدولة بـ”حرية التعبير للجميع”، فإن صوت المعارضة الحقيقي (الراديكالي) يضيع ويُبتلع في محيط ضخم من الدعاية الرأسمالية والاستهلاكية. هذا التسامح يصبح "قمعياً" لأنه يمنح النظام شرعية زائفة بأنه مجتمع مفتوح، بينما هو في الواقع يحيد أي فكر تغييري حقيقي ويجعله غير فعال.
تظهر الأبحاث الأكاديمية الحديثة في علم الاجتماع السياسي أن الأنظمة الديمقراطية الغربية طوّرت ما يُعرف بـ "الاستبداد الناعم" أو "الديمقراطية المدارة" (Managed Democracy). في هذا النموذج: يُترك المجتمع "مفتوحاً بالكامل" في القضايا الاجتماعية والثقافية والهوياتية (مثل حرية التعبير، حقوق الأقليات، أسلوب الحياة)، لكنه يُغلق "بإحكام" في القضايا السيادية والاقتصادية (السياسة النقدية، السيطرة على الشركات، التسليح). هذا الفصل الذكي يجعل المواطن يشعر بالحرية (لأنه يغير الحكومات ويتمتع بحريته الشخصية)، مما يخفف من احتمالية لجوئه إلى العنف، وهو الهدف الذي كان ينشده بوبر، ولكن على حساب جوهر التغيير الحقيقي.
عسكرة الفضاء الاجتماعي وتحول "حالة الاستثناء" إلى برادايم للحكم
يتحدد الدور الوظيفي للدولة البرجوازية المعاصرة في لحظات التوحش البنيوي المتمثلة في الأزمات الاقتصادية الخانقة، والحروب، والتهديدات الجيوسياسية الوجودية، عبر الانتقال الحتمي من آليات الهيمنة الناعمة إلى الاستراتيجيات المكثفة لـ” الضبط القهري - ” Coercive Control. فحين تفقد البرجوازية رغبتها وقدرتها البنيوية على صون قيم الحرية والتقدم الإنساني، تعمد إلى إعادة تشكيل الفضاء الاجتماعي وتحويله إلى ثكنة مغلقة، مستظلةً بشعارات أيديولوجية فضفاضة مثل ” الأمن القومي أو حالة الطوارئ الاقتصادية ”. وتجد هذه الديناميكية التنفيذية تأصيلها الفلسفي في الأطروحة العمدة لـ جورجيو أجامبين (Giorgio Agamben) حول «حالة الاستثناء» (State of Exception)؛ حيث يوضح أن القوانين الاستثنائية، وعسكرة الأجهزة الشرطية، وتفعيل الرقابة الرقمية الشاملة، لم تعد مجرد تدابير مؤقتة لمواجهة عارض طارئ، بل تحولت إلى " الأصل البنيوي والنموذج القياسي للحكم ". إن هذه القوانين الاستثنائية تُوظف كـ أدوات سيادية لحماية مصالح الكارتيلات والاحتكارات الحاكمة، وتحصينها ضد أي انفجار شعبي أو انتفاضة بروليتارية محتملة يغذيها السخط العام، واليأس، والارتفاع المطرد في تكاليف المعيشة الناجم عن أزمات رأس المال .
من تعطيل الدستور الليبرالي إلى شرعنة المنظومة العنصرية والقمعية
تُشخّص المقاربة النقدية تحولاً جوهرياً في الفضاء القانوني الغربي يتوازى مع صعود تيارات اليمين المتطرف؛ حيث يشهد الواقع المعاصر تعطيلاً وظيفياً (-function-al Paralysis) للضمانات الدستورية والقانونية الليبرالية في مواجهة الصعود العنصرية. ففي البيئة القانونية التقليدية للديمقراطيات الغربية، يُجرّم القانون بشكل صارم خطابات الكراهية والتهديد؛ إذ إن أي سلوك ينطوي على الإساءة للهوية الدينية، أو الجندرية، أو العرقية للأفراد، أو يتضمن تهديداً موثقاً (سواء عبر الكتابة، أو الوسائط الرقمية، أو الشهادة المباشرة)، يستوجب ملاحقة قضائية تفضي إلى عقوبات جنائية سالبة للحرية لا تقل عن ستة أشهر. ومع ذلك، يكشف الواقع السياسي عن ازدواجية معيارية بنيوية؛ حيث تمارس النخب والتيارات اليمينية المتطرفة، منذ سنوات، انتهاكات ممنهجة لروح الدستور عبر منصات الإعلام والخطاب العام، من خلال توجيه الإساءات والتهديدات المباشرة لفئات واسعة من المواطنين الأوروبيين (ممن حازوا الجنسية قانونياً أو ولدوا في هذه البيئات)، دون التعرض لأي مساءلة قانونية حقيقية أو ردع قضائي. ويتبدى هذا التآكل الدستوري في أحدث تجلياته الراهنة عبر التهديدات الإقصائية التي وجهها مسؤول رفيع في حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) ضد شريحة واسعة من المواطنين الألمان، مما يقدم دليلاً حياً على انتقال الدولة الغربية من مرحلة "شلل القوانين الليبرالية" إلى مرحلة التأسيس الضمني لمنظومة قانونية وإجرائية قائمة على التمييز العنصري والقمع المؤسساتي.
شواهد تطبيقية على "الارتداد المؤسساتي" والتطبيع مع الخطاب الاقصائي
تتجلى هذه التحولات البنيوية بشكل عياني في الخطاب السياسي المعاصر؛ حيث توعد مسؤولو حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD)، وعلى رأسهم زعيمة الحزب أليس فايدل (Alice Weidel)، باتخاذ إجراءات استثنائية وصارمة وغير مسبوقة ضد المهاجرين واللاجئين في حال وصولهم إلى سدة الحكم. وفي ذات السياق الإقصائي، برزت تصريحات المسؤول البارز في الحزب بولاية ساكسونيا أنهالت، أولريش سيغموند (Ulrich Siegmund)، والتي أقام فيها ربطاً دلالياً وخطيرًا بين وتيرة إنتاج الأسلحة المحلي وتكثيف حملات الطرد والترحيل القسري للمهاجرين.إن هذا النموذج الألماني ليس معزولاً، بل يشكل جزءاً من ظاهرة شمولية؛ إذ يمكن رصد مئات النماذج المماثلة من التهديدات الوجودية والخطابات العنصرية الموجهة عبر الخريطة السياسية الأوروبية برمتها. وتكمن المفارقة الأكاديمية هنا في مرور هذه الانتهاكات الممنهجة دون أي ملاحقة قضائية أو مساءلة قانونية حقيقية، مما يمثل دليلاً حياً على انتقال النظام القانوني الليبرالي من مرحلة الشلل الوظيفي إلى مرحلة التواطؤ البنيوي مع نزعات القمع والتمييز.
الازدواجية المعيارية في تصنيف العنف السياسي وسقوط حيادية الدولة
يتعدى التآكل المؤسساتي والدستوري فضاء الخطاب السياسي والنظري المحض ليتجسد عياناً في الازدواجية المعيارية البنيوية (Structural Double Standards) التي تنتهجها الأجهزة السيادية والإعلامية الغربية في تصنيف وتعريف "العمليات الإرهابية الموجهة ضد المدنيين". فبينما يتم التعاطي الفوري والحاسم مع أي عمل عنفي يقدم عليه فرد من مجتمع اللاجئين أو المهاجرين بوصفه "فعلاً إرهابياً شمولياً" يُدان فيه الفرد وخلفيته الثقافية والدينية بالكامل، يجري تمييع وتخفيف التوصيف القانوني والإعلامي للعديد من العمليات الإرهابية الكبرى التي تقف وراءها قوى وشخصيات تنتمي إلى تيار اليمين المتطرف، وتجريدها من صبغتها الإيديولوجية المنظمة.ويمكن رصد هذا التمايز والانحياز البنيوي عبر شواهد تاريخية ومعاصرة كبرى في شمال أوروبا:في مملكة النرويج: تتجلى هذه المفارقة في المقاربة الرسمية والتحليلية للمجزرة التاريخية المروعة في "جزيرة أوتويا" عام 2011، والتي نفذها المتطرف اليميني النرويجي أندرس بهرنغ بريفيك (Anders Behring Breivik). فرغم أن العملية كانت منسقة ومنظمة إيديولوجياً، وأسفرت عن مقتل 69 شخصاً في الجزيرة (غالبيتهم الساحقة من الشباب والفتيان المنتمين لحزب العمال)، إلى جانب 8 ضحايا آخرين في تفجير العاصمة أوسلو، إلا أن الخطاب السائد مـال نحو تصوير الجاني كـ "حالة نفسية معزولة" أو ذئب منفرد، متفادياً محاكمة المنظومة الفكرية لليمين المتطرف التي أنتجته. في مملكة السويد: يتكرر هذا السلوك المؤسساتي في الأحداث المعاصرة، كما حدث في واقعة إطلاق النار الجماعي الدامية بتاريخ 4 فبراير 2025 في مدرسة (Campus Risbergska) لتعليم الكبار في مدينة أوربرو (Örebro)؛ حيث أدى الهجوم الممنهج إلى مقتل 11 شخصاً (بمن فيهم المنفذ) وإصابة آخرين. ورغم الطابع العنصري أو الإقصائي الذي يصاحب استهداف مثل هذه المنشآت التعليمية المخصصة للمهاجرين أو الفئات الهشة، إلا أن أجهزة الدولة الرسمية والمنصات الإعلامية السائدة تعمد إلى تمييع الأبعاد الإيديولوجية وتأخير إطلاق وصف "الإرهاب الممنهج" عندما يكون الفاعل مرتبطاً بمرجعيات اليمين الحاكم أو المتطرف. تُثبت هذه النماذج أن تعهدات الدولة الليبرالية بحماية الحقوق المتساوية وحياد القانون تسقط فوراً عند اصطدامها بالتناقضات العرقية والطبقية؛ إذ يُوظف القانون كـ” أداة أيديولوجية انتقائية ” لإعادة إنتاج الهيمنة، ووسيلة لـ "صناعة اللاعقلانية" عبر التلاعب بتعريفات الأمن والجريمة لحماية البنية الرأسمالية السائدة.
تتبدى المفارقة السلوكية والاختلال المعياري في الخطاب السياسي الغربي المعاصر في الموقف الذي عبّر عنه زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني (CDU)، فريدريش ميرتس (Friedrich Merz)، حين اتهم حزب البديل من أجل ألمانيا - (AfD) بالدعوة إلى ” التطهير العرقي” وإقصاء الأفراد بناءً على الأصل أو اللون:( قال ميرتس: الأشخاص من أصول مهاجرة يعملون أيضا في مهن تتطلب مهارات متخصصة... لو تحول ما يدعى هنا إعادة الهجره إلى واقع ملموس، فلن يكون ذلك سوى مرادف للتطهير العرقي القائم على الأصل ولون البشرة.) ـ مصدر: من رويترز ـ 9 سبتمبر 2026. إذ يُبرز هذا الموقف نمطاً من ” النفاق البنيوي الممنهج ” (Structural Hypocrisy) الذي يتسم به الفضاء السياسي المعاصر. فبينما يتبنى الخطاب الرسمي الحاكم مواقف قاطعة في إدانة الطروحات العنصرية داخلياً لحماية الاستقرار الإجرائي للنظام، فإنه يُظهر انحيازاً بنيوياً وتواطؤاً صريحاً في الساحات الخارجية؛ ويتجلى ذلك في الدعم غير المشروط الذي قدمته ذات النخبة السياسية، ومن بينها ميرتس نفسه، للممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة، والتي وصفتها هيئات ومنظمات دولية بأنها تنطوي على نزعات تطهير عرقية وإبادة جماعية. إن هذه الازدواجية تُثبت أن مفاهيم حقوق الإنسان ومناهضة التمييز لا تُعامل كقيم أخلاقية مطلقة، بل كـ" أدوات أيديولوجية أداتية "(Instrumental Ideology) تُوظف نفعياً وتُنتزع من سياقها؛ حيث تُشعل في الداخل للحفاظ على قشرة الليبرالية التجميلية، وتُطفأ في الخارج فور اصطدامها بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية المعولمة لكارتيلات السلطة.
الهامش:
* بعض أجزاء هذا البحث مستمدة من مقال للكاتب بعنوان: «المجتمع الرأسمالي: من الليبرالية نحو التوتاليتارية»، والمنشور باللغة الكردية على موقعي (هاوپشتي / التضامن) و (دەنگەکان / الأصوات)، بتاريخ: 27 مايو 2024.
* انتقد ماركوزه اختزال بوبر للديمقراطية في الجانب "الإجرائي السياسي" (صناديق الاقتراع). وجادل بأن الاستبداد الحديث ليس استبداداً عسكرياً فظاً كـ(الفاشية أو الستالينية)، بل هو ” استبداد تكنولوجي وعقلاني”. الأجهزة الدائمة والفوقية (البيروقراطية، الكارتيلات المالية، مراكز التخطيط الأمنية) تدير المجتمع بـ "كفاءة تكنولوجية" تجعل أي محاولة للخروج تبدو للمواطن غباءً أو انتحاراً اقتصادياً.
* يقدم الفيلسوف الماركسي الفرنسي إتيان باليبار (Étienne Balibar)ايضا، شروحات وتفكيكاً بنيوياً في غاية الأهمية لكيفية تحول الأنظمة الديمقراطية الغربية المعاصرة إلى نماذج مفرغة من مضمونها السيادي. في أدبياته الأكاديمية المنشورة في العقود الأخيرة، صاغ باليبار مفهوم "اللا-ديمقراطية الممنهجة" (Dedemocratization) أو ما يُعرف في الأدبيات الأوروبية بـ ” ما بعد الديمقراطية المدارية ”.
* في العلوم السياسية، يميز المفكرون (مثل صمويل هنتنغتون وجوزيف شومبيتر) بين نوعين من الديمقراطية: الديمقراطية الجوهرية؛ التي تضمن سيادة القانون، الفصل الحقيقي بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة. الديمقراطية الإجرائية/الشكلية؛ تُبقي النخب الحاكمة على واجهة الديمقراطية (انتخابات، برلمان) كأداة لشرعنة حكمها أمام المجتمع.
* جدلية المركز والمحيط: التلازم البنيوي بين الرفاه الغربي والانسداد الشرقي”: إن السؤال المحوري الذي يفرض نفسه تحليلياً في هذا السياق هو: ما هي العوامل البنيوية التي أتاحت للنظم الرأسمالية الغربية مأسسة هياكل مجتمعية وُصمت بالانفتاح والديمقراطية الإجرائية، في حين ارتكست دول المحيط والشرق، في الأعم الأغلب، داخل قوالب سياسية استبدادية ومجتمعات مغلقة؟ يمكن تفكيك هذه الجدلية العميقة عبر رصد الترابط الشرطي الحتمي بين التراكم الرأسمالي المعولم والترتيبات الجيوسياسية للاستعمار؛ حيث يتكشف أن الانفتاح الغربي لم يكن نتاجاً جينياً لثقافة التنوير فحسب، بل كان إفرازاً فوقياً لاقتصاد استعماري كلاسيكي إمبريالي اقتات تاريخياً على تجريف فائض القيمة ونهب المقدرات المادية لشعوب العالم الثالث. هذا التدفق العابر للقارات للثروات المنهوبة مكن البرجوازية المركزية من شراء السلم الاجتماعي داخلياً عبر صياغة " العقد الاجتماعي " قائمة على الرفاه النسبي وتوزيع النذر اليسير من الريع الاستعماري؛ وهي التجربة التي وظفتها النظم الغربية إبان الحرب الباردة كأداة أيديولوجية دعائية لتسويق تفوقها الأخلاقي والسياسي في مواجهة النموذج السوفيتي الشمولي. و بالمقترب الجدلي ذاته، حظر المركز الرأسمالي الغربي على دول المحيط إمكانية التطور التاريخي الذاتي والمستقل. فكلما تبجحت الايديولوجيا الليبرالية بقيم ” المجتمع المفتوح ”، اعجزت أدواتها الجيوسياسية أي حركات تحررية أو نخب وطنية في الجنوب، تروم كسر طوق التبعية وتدشين مسارات ديمقراطية سيادية. إن هندسة الإمبريالية عمدت بشكل ممنهج إلى زرع ورعاية الأنظمة الاستبدادية والشمولية التابعة لها، لتأدية وظيفة حراسة خطوط الإمداد وتأمين مصالح الشركات عابرة القوميات. ويظل الانقلاب العسكري الذي قادته الاستخبارات الغربية ضد حكومة محمد مصدق الديمقراطية في إيران (1953)، والإطاحة بنظام سلفادور أليندي المنتخب في تشيلي (1973)، شواهد الإمبريقية صارخة تلخص كيف قام ” المجتمع المفتوح ” الغربي بإجهاض وعود الديمقراطيات الناشئة قسراً، وتحويل مجتمعات الجنوب إلى قوالب محكومة بالقبضة الأمنية والانسداد السياسي الحتمي، لإعادة إنتاج علاقة التبعية والسيطرة.



#أكرم_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفول الليبرالية وعالم ما بعد الليبرالية ـ صرخة مدوّية من ساك ...
- الرأسمالية: الأزمة والبربرية
- مفارقة الاغتراب والوعي عند ماركس*
- اللاعقلانية في عالم اليوم
- اللاهوت السياسي والرأسمالية
- أسئلة وأجوبة حول الإشتراكية
- شرح نظرية فائض القيمة - كارل ماركس
- جئنا نحميكم!. مهمات الاشتراكيون في العصر الراسمالية الوحشية
- رسالة الانقلاب الى الاردوغان
- اردوغان سيصفي من؟!.
- هدفان للانقلاب الاخير في تركيا
- تفسير الظاهرة الارهاب - ملاحظات من دفاتر اليومية/٤
- صراع بين السيادة الوطنية والتبعية لإمپريالية ملاحظات من دفا ...
- يوم يسقط فيها دمشق نتائج و توقعات الملاحظات من دفاتري اليو ...
- ماركس و الحداثة..ملاحظات من دفاتر اليومية/1
- ملاحظات مختصرة حول الشيوعية العمالية في ايران


المزيد.....




- ترامب: من المبكر جدا دعم ترشيح فانس للرئاسة في 2028
- رسائل مصرية مباشرة لإيران بشأن الخليج والملاحة البحرية.. ماذ ...
- متحدث باسم الجيش المصري: لسنا بمنأى عما يحدث حولنا من حروب
- اتصالات خليجية مكثفة بعد تأجيل اجتماع صلالة بشأن مضيق هرمز
- ترامب يتعهد بدراسة الكشف عن وثائق سرية مرتبطة بهجمات 11 سبتم ...
- إيران: تأجيل اجتماع صلالة جاء بناء على طلب بعض دول المنطقة و ...
- تمرد برلماني على جدول الأعمال.. 63 نائبا يعلنون مقاطعة جلسة ...
- واشنطن تعلن استعدادها لتزويد إيران بالوقود النووي
- كوشنر يشن هجوما جديدا على إسرائيل.. ما علاقة قطر؟
- معارك باليمن وقصف على السعودية


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم سعيد - من المجتمع المفتوح إلى التوتاليتارية الجديدة