أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - شال العتمة الاختياري















المزيد.....

شال العتمة الاختياري


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 20:13
المحور: الادب والفن
    


الفصل السابع عشر:
لم يغمض لندى جفنٌ في تلك الليلةِ العاصفةِ بالترقب. كانت الساعاتُ المتوانية تمرُّ فوق قلبِها الوجل بطيئةً متوترة.. كأنَّ الزمنَ في هذا المعتزلِ البارد يتعمدُ اختبارَ صبرها الأخير وقدرتِها على الصمودِ قبل الخلاصِ الموعود.
أنهت إعدادَ حقيبتِها الصغيرة منذ وقتٍ مبكر، رتَّبت ثيابَها بعنايةٍ فائقةٍ أقربَ الى إقامةِ طقوسِ مقدسة، ثم وضعتها قريبًا من الباب، كأنّ هاجسها الأكبر كان أن ينكث الفجرُ وعدَه، فتضطرّ إلى الركض وراء الحرية، خوفًا من أن تنفلت من بين يديها.
جلست على حافة السريرِ تُحدّق في تلك الحقيبةِ مأخوذةً بركودها، وفي أعماقها تتنازع مشاعرُ غريبةٌ.. مزيجٌ من فرحٍ مرتبك، وخوفٍ غامض، كأنها من فرط الخيبات لا تصدّق تمامًا أنها ستغادرُ أسرَ هذا المكان أخيرًا. كانت تخشى بكبرياءِ الأنثى الخائفة أن يحدثَ أمرٌ طارئٌ في اللحظةِ الأخيرة.. أن يُفتح البابُ بغتةً ليقال لها بنبرةٍ بيروقراطيةٍ صلبة إن ثمة خطًا آخر قد وقع في السجلات، وإنَّ عليها البقاءَ أسابيع إضافيةً داخل هذه الجدران المصمتة التي استنزفت رُوحَها ببطءٍ مرير.
ولم تُطلعْ ندى حبيبَها مايك بشيءٍ مما جرى معها في تلك الليلةِ المشهودة، لا عن صراعِها المرير مع اللجنةِ الطبية، ولا عن قلقِها الطويل الطاغي، ولا حتى عن الموعدِ الدقيق لعودتها. أرادت بحبٍ وعاطفةٍ أن تفاجئَه بظهورِها المباغتِ أمامه كالنور، لتلمحَ في مآقي عينيه تلك الدهشةَ الدافئةَ التي افتقدتها وطال حرمانُها منها في غربتها. كانت تتخيلُ لحظةَ اللقاءِ العاصفةَ تلك مرارًا وتكرارًا في خيالِها الصامت، حتى غدت الفكرةُ وحدها كافيةً لتبديدِ وحشةِ الأسابيع الماضية وعذابها الصامت.
غفت ندى لبرهةٍ قليلةٍ من فرط الإعياء والإنهاك، لكنها انتفضت فجأةً من مرقدِها كمن سقط من حلمٍ مضطرب. تناولت ساعتَها بلهفةٍ عارمة، فإذا بعقاربِها تشيرُ الى الثالثةِ بعد منتصف الليل، فنهضت على الفور، وكأنَّ النومَ في تلك اللحظة المصيرية صار خيانةً لانتظارها الطويل. تركت زخات الماء تغسل ببطء بقايا هواجسها، ارتدت ملابسَ السفر كاملةً، صففت خصلات شعرها بعنايةٍ ورقة، ثم سحبت حقيبتَها في هدوءٍ حذر، وخرجت صوبَ الحديقة العامة للمصحّة، كي لا تستسلمَ لغفوةٍ أخرى قد تؤخرُها عن الفجر الذي انتظرته طويلًا.
كان البردُ الصباحي رقيقًا وقاسيًا في آنٍ معًا، يلفُّ أركانَ المكانِ بصمته الفضيّ الساحر. جلست ندى على إحدى الأرائك المعدنية الباردة، وضمَّت كفيها المرتجفتين الى صدرها، لعلها تستمد من جسدها دفئًا غائبًا.
بدت الحديقة الفسيحة شبه خاليةٍ من الحركة، إلا من جذوع الأشجار الشاخصة التي تقف في العتمة ساكنةً كحرّاسٍ متعبين يرقبون في صمت انطفاءَ الليل الأخير.
ومع انبعاث خيوطِ الفجر الأولى، شعرت ندى بدفقٍ دافئٍ عجيب يتسرَّب الى أحشائها، كأنَّ الضوءَ الطالعَ لم يكن يشرقُ على صفحة السماءِ الزرقاء وحدها، بل كان يشرقُ ويهلُّ على رُوحِها المظلمة أيضًا. راحت ترقبُ تبدُّلَ الألوان ببطءٍ أسطوري على الأفق، والصباح وهو يفتح بواباتِه الفسيحةَ للحياة.. دبت حركةُ عمالِ النظافة في الممرات، وبدأت الأبوابُ تُفتح تباعًا استعدادًا لولادة ذلك الروتين اليومي الرتيب الذي حفظته عن ظهر قلب، الوجوه المنطفئةُ نفسها، التعليماتُ الجافة نفسها، وساعاتُ العلاج والتدجين نفسها. لكنها، في هذه المرة الفريدة، كانت تنظر الى تلك التفاصيل كلها من الخارج، كأنما انفصلت روحُها أخيرًا وبشكلٍ حاسمٍ عن ذلك العالم البيروقراطي الذي لوّعها طويلًا.
رفضت ندى هذه المرة بكبرياءٍ وعناد أن تذهبَ الى ردهة المطعم لتناول وجبة الإفطار، فما كان بها توق الى زادِ الجسد، بل كان جوعُها دافقًا صوبَ مائدةِ الحريةِ والانعتاق. بقيت عيناها معلقتينِ بالطريق الطويل الممتد الذي ستطلُّ منه الحافلةُ الموعودة التي ستقلُّها الى محطة القطار، كأنما تخشى في سرّها أن تتأخر الحافلةُ عن موعدها، أو ألا تأتيَ أصلًا لتتركَها لمصيرها.
وبدأ النزلاءُ الآخرون يتوافدون الى فناء الحديقة واحدًا تلو الآخر، بوجوهٍ أكلها التعب وأحلامٍ مبعثرة، بعضُهم كان يبتسم في خفاءٍ باعتزازِ المنتصرين الذين هزَموا الوعكة، وبعضُهم الآخر يحمل في ملامحه حزنًا خافتًا، لأنه سيغادر المكانَ دون أن يستشعرَ في أعماقه أنه تعافى تمامًا من عِطبِه الروحي. أما ندى، فقد لزمت الصمتَ المطبق على عادتها القديمة، وهي تغالبُ ارتجافًا خفيًّا يعصف بوجدانها.
أطلّت المشرفةُ أخيرًا بوقارِها الإداري المعهود، وهي تحمل بيديها قائمةَ الأسماء والرسائل الطبية المغلقة. بدت تنادي أسماء المغادرين واحدًا تلو الآخر بنبرةٍ رتيبة، وكلما قرأت اسمًا من السجل، سلمت صاحبَه تقريرَه الطبي النهائي المختوم قبل أن تأذنَ له بالصعود الى جوف الحافلة.
كانت ندى تراقب ذلك المشهد الختامي وقلبُها يخفق بعنفٍ يكاد يثقب صدرها، وكلما اقترب الدورُ منها، ازداد شعورُها الداخلي بأن هذه اللحظةَ رخوة للغاية وقابلةٌ للتهشم تحت أي عذر بيروقراطي. حتى إذا نودي اسمُها أخيرًا، نهضت بحذرٍ رصين، وتناولت الظرفَ الطبي من يد المشرفة، ثم صعدت درجات الحافلة بوصفها آخرَ المغادرين لذلك اليوم من تلك المصحّة.
جلست قرب النافذة الزجاجية، وما إن دارت محركات الحافلة وتجاوزت بوابةَ المصحّة الحديدية بأمتارٍ قليلة، حتى شعرت ندى كأنَّ قيدًا ثقيلًا من الرصاص قد تشظى في أعماق ذاتها وتلاشى الى الأبد.
غاصت في مقعدِها الوثير كمن ينجو بأعجوبةٍ من غرقٍ طويلٍ مرير، ثم نزعت شالَها الصوفيّ برفقٍ وربطته حول عينيها بإحكام، فلم تكن تريدُ إطلاقًا أن تلمحَ مبنى المصحة وهو يبتعد في الأفق، ولا نوافذَه الصماء، ولا أسوارَه الكالحة، ولا أيَّ زاويةٍ من ذلك المكان الموحش الذي شهد أيامَ آلامها واوجاعِها الصامتة الرهيبة.
أسندت رأسَها المتعبَ الى ظهر المقعد وأغمضت عينيها بقوةٍ تحت الشال، كأنما تمحو بظلمته تلك الصورَ البشعةَ المحفورةَ في تلافيف ذاكرتها، فلم تكن تريد أن تتذكرَ نفسَها هناك قط.. ان تتذكر تلك المرأةَ المنهكةَ المستسلمةَ التي كانت تتلمس بقايا آدميتِها وسط عواصف الخوف والوحدة والضياع. أرادت في تلك اللحظة أن تدفنَ الى الأبد كلَّ اللحظات القاسية، وكلَّ الوجوه العابرة الجافة، وكلَّ تلك الليالي الطوال التي بكت فيها بحرقةٍ وصمت كي لا يسمعَ نحيبَها أحد.
وفي أعماق روحها المكلومة كانت كلماتها تؤكد:
"بأنَّ النسيانَ الكامل لما مضى أمرٌ مستحيل، لكنَّ الإنسانَ في بعض الأحيان لا يُكتبُ له العيشُ والنجاة، إلا حين يختار بكامل وعيه وإرادته أن يفتح نافذةً جديدةً مشرقةً للحياة، بدلًا من التحديق المستمر والسقيم في أطلال الخراب القديم."
لذلك، تركت الحافلةَ تمضي بها مسرعةً نحو غدٍ جديد، بينما كانت رُوحُها المنعتقةُ تركضُ بوثباتٍ واسعةٍ الى الأمام، الى ذلك اللقاء الدافئ القادم... الى الحياة الحقيقية الحرة التي تنتظرها بكل لهفةٍ خارج أسوار ذلك الكابوس الثقيل.
*



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تآمر الملفات واسترداد الحق
- طوق النجاة
- المعجب الشجاع
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية
- الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح
- الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*
- في المصحة: حفلة الكراهية
- مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث
- وقفة تأملية في جغرافيا الفجيعة: قراءة في كتاب -دهاليز الموت- ...
- أولى نصال العنصرية، الفصل الثني
- رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك
- الى روح الزميل والصديق الراحل سالم قبيلات
- قراءة نقدية لقصة كشك الحكاية... للاديبة سعاد الراعي ،الكتابة ...
- قصي الشيخ عسكر: قراءة نقدية لمجموعة النخلة العمة وابناؤها ال ...
- جمعة عبد الله: سمات مضيئة في مجموعة -النخلة العمة وأبناؤها ا ...


المزيد.....




- -أنا أدعم إسرائيل-.. عبارة تُفرغ قاعة عرض كوميدي في شيكاغو
- بعد غياب استمر 6 سنوات.. سيلين ديون تحيي أول حفل لها في باري ...
- كالأفلام.. امرأتان تكتشفان أنهما شقيقتان بعد عقود من صداقتهم ...
- قراءات أدبية إخترنا لك: رواية -ليديا - تاليف: الكاتب عادل ا ...
- فيلم وثائقي عن الضحايا المدنيين في غزة يفوز بجائزة لجنة التح ...
- بوتين وولي عهد أبو ظبي يتفقان على ترجمة نتائج قمة -بريكس- إل ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس بدموع الفرح بعد غياب 6 س ...
- دليل المفاهيم التنظيمية: هيكلية منظمة العمل العربية ونظام ال ...
- -الأطفال يستحقون الأفضل-.. يوتيوبر يقتحم المسرح خلال كلمة رئ ...
- كمال ميرزا: متلازمة إدوارد سعيد تكشف أزمة النخبة العربية


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - شال العتمة الاختياري