أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيمة عبد الجواد - -كافكا- المقهور يجبر القارئ على تذكُّر أعماله طوال العمر















المزيد.....

-كافكا- المقهور يجبر القارئ على تذكُّر أعماله طوال العمر


نعيمة عبد الجواد
أستاذة جامعية، وكاتبة، وقاصة، وشاعرة، وروائية، وباحثة، ومكم دولي

(Naeema Abdelgawad)


الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 18:13
المحور: الادب والفن
    


ماذا بعد؟ ولماذا كل هذا اللغط؟ وما الذنب الذي اقترفته؟ جميعها أسئلة قد تدور في رأس أي فرد سواء في حالات الضيق أو حتى في أقصى مراحل السعادة وتحقيق الذَّات. والعجيب أن الرَّابط المشترك بين كل هذه الأسئلة أنَّ جميعها لا يمكن الإجابة عنها بشكل مرضي أبدًا، سواء لمن يسألها أو حتى لمن يحاول الإجابة عنها. فالقاسم المشترك بين كل هذه الأسئلة هو محاولة فهم وجود الإنسان وخوضه لتجارب لم يخترها، تقريبًا في جميع الأحيان، وفي نهاية الأمر ينتهي به الحال بائسًا يائسًا لا يجد المتعة في أي شيء، حتى ولو كان يبدو للآخرين وكأنَّه يرفل في النعيم؛ فمثل تلك الأحاسيس تكون غالبًا هي السرّ الدفين لأي شخص، والتي لا يستطيع أن يعبِّر عنها ولا يصرِّح بها لتداخلها العميق مع الذَّات وكذلك لاختلاطها بأفكار ومشاعر متناقضة ولا نهاية لها. وحتى انعكاس هذه الأفكار لا يكون سهلًا على الغالبية العظمى من البشر، لكن يمكن تجسيده إمَّا في صورة مرض نفسي لا يمكن الشفاء منه، أو إبداع أدبي يكتب الخلود لصاحبه، إذا استطاع أن يلمس أوتار المشكلة التي تؤرِّق لنفسه ولا تسنح له الفرصة للفرار أو الخلاص منها.
ويحاول المبدعين على مرّ العصور كتابة أسمائهم في قوائم الخالدين عند محاولاتهم لتجسيد إنعكاس للإجابة على تلك الأسئلة العميقة؛ مع ملاحظة أنه لا يستطيع أي فرد الوصول لتمثيل نابض لهذا التجسيد المؤلم، فيما خلا من اكتوى بنيران عقوبة أبدية لم يقترف إثمًا جسيمًا لينالها، ومن ضمن هؤلاء المبدعين كان الروائي الروسي العظيم "فيودور ديستويفسكي" Fyodor Destoesvsky (1821-1881) والكاتب التشيكي "فرانتس كافكا" Franz Kafka (1883-1924)، ولعل السرّ الذي يكمن وراء نجاحهما المنقطع النظير ذاك ليس الانتاج السردي الذي صنع منهما نجمين بارزين في عالم كبار المفكِّرين الفلاسفة، بل لأنهما خاضا تجربة القهر المفروض على الإنسان في أشد وجوهه إيلامًا، والتي أتاحت لهما التعبير عن ذاك الشعور وإيضاحه من زوايا مختلفة، وهذا لتوافر كل الأدوات والظروف التي تجعل ما يسردانه حيًّا نابضا، وقبل أي شئ صادقًا.
فلقد حاول كل من "ديستويفسكي" و"فرانتس كافكا" في أعمالهما الإجابة عن الأسئلة الوجودية التي لطالما أرَّقت البشر وأنقضَّت كالصقر على مسار حياتهم بعد أن أغرقوا في مشكلات لم يمكنهم الخروج منها. لكن يمتاز "كافكا" في أعماله أنه يضرب مباشرة وبلا رحمة على أوتار قسوة الحياة، وفي كل عمل يستهدف سؤالًا ويحاول قدر الإمكان الإجابة عنه في إطار سردي. وبما أن جميع الأسئلة الوجودية لا إجابة لها، فإن الغالبية العظمى من أعمال "كافكا" غير مكتملة، لأنه ببساطة لم يكملها. أضف إلى ذلك، يلفَّها غموض خانق وظلامية في الشعور تجعل القارئ لا ينفك طوال حياته عن البحث عن أي إجابة لأيٍ من تلك الأسئلة. وبتلك الطريقة الصادمة يحثّ "كافكا" القارئ على تذكُّر العمل بأكمله طوال ما تبقى له من عمر على ظهر الأرض.
ومن الأعمال القليلة عند "كافكا" التي ناقشت أغلب القضايا الوجودية كانت رواية "المحاكمة" The Trial التي تم نشرها بعد نحو عشر سنوات من كتابتها (عام 1925)، بالرغم من أنها نص غير مكتمل، وإن كانت الخاتمة تمت الإشارة لها في أحد فصول الرواية.
في رواية "المحاكمة"، يوجِّه "كافكا" أصابع الإتهام لبس فقط للبيروقراطية أو النظم الشمولية التي تقهر الأفراد، كما تم تحليلها فيما سبق، بل أيضًا للحياة بوجه عام التي أصبحت جزء أصيل في ذاك القهر. ومن ثمَّ، السيد "جوزيف كيه"، الذي يعمل موظفًا في بنك، في صبيحة إتمامه عامه الثلاثين، يجد قرعًا متواصلًا على بابه، وعند فتحه الباب يتبيَّن له أن الزائر موظفون حكوميون منوطين بالقبض عليه لكي تتم محاكمته على تهمة لا يعلمها، ولا هم أيضًا يفصحون له عنها. والمدهش في الأمر أنه يمارس طقوس حياته بأكملها ويذهب إلى عمله، لكن يتخلل كل هذا أوقات الاستجواب والمحاكمة. والمثير للدهشة أن "جوزيف كيه" يقدِّم دفاعًا عن نفسه ينطقه بكل حرارة وحماس وصدق، بالرغم من أنه حتى لا يعلم ما هي التهمة الموجهة له. وذلك يعطي انطباعًا، إن لم يكن دليلًا دامغًا، على أن كل هذه المحاكمة تدور في عقل بطل الرواية ودفاعاته هي محاولة يائسة للإجابة عن أسئلة وأسباب وجودية تقهره وتدفعه للهاوية دون أن يعلم السبب.
والرواية في تشابكها الذي يجعلها تدور بين الصراع النفسي الداخلي والصراع مع المؤسسات والنظم التي تقهر الإنسان في العصر الحديث هي إحدى محاولات "كافكا" ليس فقط للتعبير عن الذَّات والشعور بالقهر الدَّاخلي، بل أيضًا وسيلة للولوج إلى باطن النفس البشرية ونزع الأقنعة التي يخفي بها الفرد صراعه الدَّاخلي على أقرب المقرَّبون له، وأيضًا عن نفسه. "كافكا" الباحث عن بواطن الذَّات يُقدِّر الكتب التي تفتح مغاليق النفس، ولهذا يردد: "إن العديد من الكتب هي بمثابة مفتاح لغرف مجهولة داخل قلعة الذات".
ومن ذلك المنطلق جاءت عظمة "فرانتس كافكا" الذي حظي بالعديد من الألقاب، بدءًا من كاتب الوجودية إلى مؤلِّف ينتمي لمدرسة الحداثة، لصعوبة تصنيف ما يكتبه من سرد يرقى إلى أعظم الدروس الفلسفية. وأخيرًا، تم الاهتداء إلى تصنيف ما يكتبه على أنه "جنس أدبي فرعي"، ويكفي أن نوعيه انتاجه الأدبي أصبحت صفة ويطلق عليها "الكافكية"، ويعد شرفًا عظيمًا لأي مبدع أن يُشار لما يكتبه بأنه ينطوي على ملامح من "الكافكية"، هذا بالرغم من أن جميع أعمال "كافكا" الصادمة لم تحظ بالتقدير طوال حياته عند نشرها، ولولا جهود صديقه "ماكس برود" Max Prod، لما عرف العالم شيئًا عن "كافكا". فلقد قام بنشر كتابات "كافكا" بعد وفاته بعد أن أعاد تنسيقها وتحريرها نظرًا لأن أغلبها غير مكتملة، مخالفةً منه لوصية صديقه الذي شدد عليه أن يحرق كل ما قام بتأليفه؛ لأنه يئس من محاولاته المستميته لنشر صوته وفكره ومعتقداته. وبالرغم من أن كل عمل له لم يكن مفهومًا للآخرين عند نشره، لكن "كافكا" لم يهن ولم يتنازل عمَّا يعتقد. فهو يؤمن إيمانًا عميقًا أن أنه يجب على أي فرد أن يقرأ فقط الكتب التي تجرحه أو تطعنه داخليًا ونفسيًا. "وإذا لم يوقظ الكتاب الذي نقرأه بضربة على الرأس، فما غرضنا من القراءة؟" فهو يعتقد أن الغرض من القراءة ليس بثّ السعادة في نفس الإنسان؛ فالكتاب إذا كان كذلك، يكون فقد الغرض الذي كُتِب من أجله، ولسوف يكون من الأفضل حتى تستمر تلك السعادة الزائفة إذا لم تلاشت الكتب من الحياة. ويؤكد على ذلك قائلًا: "الكتب التي تسعدنا هي تلك التي نستطيع كتابتها بأنفسنا، لو اضطررنا لذلك. لكننا نحتاج إلى كتب تؤثر فينا ككارثة، تُحزننا بعمق، كموت من أحببناه أكثر من أنفسنا، كالنفي إلى غابات بعيدة عن الجميع، كالانتحار. يجب أن يكون الكتاب بمثابة فأس يُكسر به البحر المتجمد في داخلنا. هذا هو اعتقادي".
وبالرغم من غرابة وقسوة إتِّجاهات "كافكا" الفكرية وغرابة إنتاجه الأدبي الذي اتَّخذ من اللامعقول والصادم طريقًا له، لكن كل عمل يقدِّمه يجعل القارئ يقف عنده ليس فقط للحظات أو لشهور، بل لجميع سنوات العمر القادمة؛ لأن كل عمل بمثابة درس قاسي، أو كما أطلق عليه "كارثة" أو "نفي" أو "انتحار" أو حتى "فأس" يكسر جميع الأفكار والمفاهيم الجامدة داخل رأس القارئ. ويجب ملاحظة أنه لا يجب النظر إلى "كافكا" وكأنه كاتبًا تعوز أفكاره ولو حتى القليل من الفكاهة أو يطغى عليها الظلامية، بالإضافة إلى جميع حبكات أعماله التي لا تخرج عن كونها كابوسًا متنقِّلًا يطارد القارئ؛ فهذه هي شخصية "كافكا" وهذا هو الغرض الذي من أجله ألَّف جميع أعماله.
رواية "المحاكمة" تندرج تحت هذا التصنيف، وتبلور جميع مفاهيم "كافكا" في آن واحد. وأكبر جانب في عظمتها أنها وجودية وعبثية وحداثية ونفسية، وقبل أي شيء فلسفية المفاهيم ولا يعوزها الجانب الفكاهي، لكنه بالطبع فكاهي تراجيدي الغرض منه التفكير العميق في حجم الكارثة التي يجابهها الإنسان بسبب وجوده على ظهر الأرض. ومن ثمَّ، كانت رواية "المحاكمة" جديرة بأن يتم إدراجها في عام 1999 ضمن قائمة جريدة "لوموند" Le Monde الفرنسية لأفضل 100 (مائة) كتاب في القرن العشرين، ووقعت في المرتبة الثانية من بين أفضل الروايات الألمانية في القرن العشرين. وعلى ما أعتقد أن ذاك التصنيف لسوف يرتقي لمراتب متقدِّمة أكثر فأكثر خلال القرن الواحد والعشرين؛ نظرًا لتفشِّي القهر واستشراءه بصورة أكثر قسوة، وكأن "كافكا" كان يصف أحوال الأجيال التالية له لقرون طويلة.



#نعيمة_عبد_الجواد (هاشتاغ)       Naeema_Abdelgawad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يتوقَّع الجميع فشلك الذريع، يفتح الخلود أبوابه: -روستا ...
- فلاسفة اليابان والشَّرق: ساموراي ومماليك
- قرأت لك التخشبوش: رواية تاريخية من العصر المملوكي
- إزاحة الستار عن صلابة الإراة الحُرَّة يتطلب الجوع جاك بوريدا ...
- أطلس قاهر المهام العشر وحامل لعنته الأبدية
- فلسفة الغباء ما بين -مارميون- و-جوته-
- أوجست ويلسون وتدوين يوميات الشعب الأسود
- انتاج أدبي فذَ بتقنية جبل الجليد: إرنست هيمنجواي
- النماذج الأصلية من كارل يونج إلى شكسبير وموليير
- إبراهيم الفقيه وملحمة لخرائط الروح واكتشاف الذات
- قوانين السلطة والهيمنة كما بدأت عند -دي مونتين-
- -لودفيج فيتجنشتاين-: فيلسوف مهَّد الانتقال السلس للعصر الرقم ...
- طريق المرور لحياة عظيمة يبدأ ب-بيدرو بارامو-
- غريب جوجول يزدهر مع كافكا
- هكذا تحدَّث زارادشت عن الذكاء الاصطناعي
- تقدير الذَّات في ظل الموضوعية والأنانية العقلانية: أيان راند
- الذكاء الاصطناعي بين ال-كالي يوجا- وفلسفة -إيفولا-
- ريونوسوكي أكوتاجاوا
- عندما يصاب نمر الحداثة بالتعب يظهر ميكيافيللي
- -نيكولاي جوجول- فريسة قهر المجتمع وقهر القدر


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيمة عبد الجواد - -كافكا- المقهور يجبر القارئ على تذكُّر أعماله طوال العمر