نعيمة عبد الجواد
أستاذة جامعية، وكاتبة، وقاصة، وشاعرة، وروائية، وباحثة، ومكم دولي
(Naeema Abdelgawad)
الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 22:12
المحور:
الادب والفن
يتشارك البشر في خوض تجربة واحدة، قد تبدو هينة في بعض الأحيان، وأحيان أخرى قد تكون من الصعوبة لدرجة أنها قد تلجم الألسنة عن التعبير. وهناك لحظات عصيبة تصبح فيها نفس التجربة وسيلة تدمير أو، على النقيض، طوق نجاة. تلك التجربة هي التعبير وما قد يفهمه المرء مما قد يتفوه به أحدهم أو يكتبه. وأبرز نموذج لذلك هو الميمز التي انتشرت مؤخَّرًا، والتي تتغيَّر نظرة الفرد لها وأيضًا مدى استعداده لاستيعابها تبعًا لوقعها على الإنسان في لحظة ما وفي حالة نفسية ما؛ فمن يكون في مزاج منفتح قد يرى الميم الأكثر تفاهة أو سخافة عبقري، في حين من يمر بحالة سيئة قد لا يرضيه أكثرها فكاهة وحصافة. كذلك هناك فئة ثالثة قد لا تستوعبها على الإطلاق، وتمرّ عليها مرور الكرام دون أدنى تأثير. وبالقياس، ينطبق ذلك على الأغنيات والألحان، وما شابه ذلك من منشورات أو مواقف تعتمد على اللغة أوالصورة، أو كليهما. أمَّا الأخطر تأثيرًا هو فهم التعبير من قبل من هم في موقع سُلطة؛ فصدق أو كذب التعبير لا أهمية له، لكن أهم شيء هو كيفية دراسة الحالة النفسية والمزاجية للمتلقِّي لكي يصل للمتلقِّي المعنى بالطريقة التي يقصدها المتكلِّم. ومن أبرز الوظائف التي قوامها تلك الحيلة، أو بالأحرى استخدام الألاعيب اللغوية، هي وظيفة العاملين في السلك الدبلوماسي، وأيضًا، وبوجه خاص، المشتغلين في مجال القانون، وبالتحديد هؤلاء المتخصصين في الشقّ الجنائي، حيث الكلمات والأدلة يمكن تأويلها لمعاني لا حصر لها ولا عدد.
ومنذ باكورة الحركات الفلسفية، يجتهد الفلاسفة في فهم اللغة ومدلولاتها في محاولة يائسة للوصول إلى معنى محدد للتراكيب اللغوية. لكن في بدايات القرن العشرين، وضع الفيلسوف النمساوي-الإنجليزي "لودفيج فيتجنشتاين" Ludwig Wittgenstein (1889-1951) نهاية لهذا الجدل المتوارث منذ قرون طويلة عندما أوضح أن تلقِّي الفرد للمعلومة أو التعبير يختلف من شخص لآخر، وكذلك ينطبق الحال على تعبيره لما هو راغب في الإفصاح عنه، فكلٌّ منا يحمل بداخله تجربة مختلفة تجعله يتحدَّث بلغة تختلف عن الآخر، وهذا لما تحتويه من إشارات ضمنية وأسلوب في التعبير. لكن الوضع يتفاقم عن التحدُّث بلغة أخرى؛ فحينها قد يختلف الأمر تمامًا نظرًا للزخم الثقافي والتاريخي الذي يلفّ أي لغة. ويؤكِّد "لودفيج فيتجنشتاين" في هذا الشأن: "عندما نتحدَّث بلغة مختلفة، لسوف نلحظ عالمًا مختلفًا بعض الشيء". ويقصد هنا اختلاف الأنماط اللغوية والتعبير بين الفئات المختلفة لأبناء نفس المجتمع.
وينظر مجتمع الفلاسفة ل"فيتجنشتاين" على أنه شخص أعجوبي الفهم وشديد الألمعية لدرجة العبقرية النادرة، لدرجة أن أراءه ونظرياته الفلسفية لا تزال عاملًا يثير حوار وجدل بين الفلاسفة، إلى يومنا هذا. فلقد كان إدراكه وترتيبه للأفكار مدهشًا مما أجبر الفيلسوف البريطاني الشهير "برتراند راسل" Bertrand Russell (1872-1970( على الانبهار بذكائه وعبقريته عندما كان "فيتجنشتاين" واحدًا من طلبته، لدرجة أنه نعته بالقول: "ربما يكون هو (يقصد "فيتجنشتاين") النموذج الأكثر كمالًا الذي صادفته على الإطلاق للعبقرية كما يتم تصوُّرها بالشكل التقليدي؛ فعبقريته عاطفية، عميقة، مكثفة ومهيمنة."
وتلك العبقرية صنعت من "فيتجنشتاين" شخصية غير مألوفة تعشق الفلسفة والسعي وراء منطق التعبير، وعندما لا يجد ما يقوله يصمت دون أدنى خجل أو خوف من احتمال أن يشير له أحدهم أن مصرحًا بأن أفكاره نضبت. ولذلك يقول: "أنا لا أعرف إلَّا الغرض الذي من أجله أحمل ما لدي من حصيلة لغوية."
ولفهم منطق "فيتجنشتاين" بعض الشيء، يجدر الغوص في خلفيته الاجتماعية. فلقد كان والده أحد أبرز أغنياء النمسا، وكان يولي التعليم والثقافة اهتمامًا خاصًا، لدرجة أنه كان يتردد على منزله كبار المؤلفين والموسقيين العالمين في عصره، وعمد إلى تلقين أولاده أفضل مستوى تعليمي. ولقد رأى الوالد أن لدى ابنه "لودفيج فيتجنشتاين" ميول فلسفية، وبالرغم من ذلك، درس الهندسة وتفوَّق فيها. لكن ميوله المتقلِّبة لم تجعله في بادئ الأمر يعمل في هذا المجال، بل أنه امتهن التدريس وقيل أن أحد تلاميذه كان الزعيم النازي "أدولف هتلر". ويحكي الطلَّاب أنه بالرغم من ضآلة جسده، كان شديد الهيبة وذو أسلوب متميز في التدريس عشقه الطلَّاب. لكنه لم يلبث أن يستقر في تلك المهنة إلى أن عاد للتدريس في الجامعة وبعدها سافر لبريطانيا لدراسة علم الطيران. لكنه لم يستمر في تلك الدراسة، وترك جامعته للذهاب إلى "جامعة كمبريدج" لدراسة الفلسفة تحت إشراف الفيلسوف "برتراند راسل".
كان "فيتجنشتاين" يسعى للحرية ويعتقد أنها قريبة من الإنسان، إذا فقط حاول التحرر من كل ما يكبِّله من أفكار ومعتقدات خاطئة، أو كما صرَّح: "سيتم سجن الإنسان في غرفة بابها غير مغلق ويفتح إلى الداخل؛ وذلك لطالما لم يخطر بباله أن يسحب الباب بدلاً من دفعه". فهو يُسلِّط الضوء على العادات الراسخة وأساليب التفكير المُتأصلة وكيف يُمكن أن تُعمي البصر عن رؤية الحلول البسيطة، حتى مع توافرها بسهولة. ويُوضِّح فكرة أن الأطر العقلية الخاصة بكل فرد، والتي تُشكِّلها اللغة والخبرة، يُمكن أن تصير عقبات غير ضرورية تحول بين الفرد وبين البدائل المتاحة الواضحة.
وعلى غرار "ليو تولستوي"، قام "فيتجنشتاين" بالتنازل عن الثروة الهائلة التي ورثها عن والده لأخواته من أجل تكريس نفسه لحياة من الزهد ينعم فيها بالسعي وراء الفلسفة والعيش بحرَّية؛ لكن أثَّر ذلك عليه بالسلب، وجعله فريسة للضائقة المالية لما تبقى له من حياته.
لقد ترك "فيتجنشتاين" تراثًا فلسفيًا راقيًا لا يزال يحظى باحترام كبير في الأوساط الأدبية، وإن كانت أهم أعماله كتاب "التحقيقات الفلسفية"Philosophische Untersuchungen (1953)، الذي تم تصنيفه في استطلاع رأي أجراه أساتذة الجامعات والكليات عام 1999 بأنه أهم كتاب فلسفي في القرن العشرين، وتم نعته بأنه: "تحفة فنية فريدة في فلسفة القرن العشرين، تجتذب تخصصات وتوجهات فلسفية متنوعة". وكذلك كان أيضًا الحال بالنسبة للدراسة التي أعدها مركز العلوم المعرفية بجامعة مينيسوتا، حيث احتل نفس الكتاب المرتبة 54 في قائمة أهم المؤلفات في مجال العلوم المعرفية، في القرن العشرين، التي تعد الأكثر تأثيرًا.
قد يصيب البعض الدهشة من تلك التقييمات التي تضع كتاب فلسفي على رأس العلوم المعرفية، لكن نفس تلك الدهشة سرعان ما تزول عند معرفة أن الفلسفة في حد ذاتها ترسم أسس التطور البشري في جميع المجالات بما فيها الموضة والأغاني، والأكثر من هذا العمارة والهندسة. وبعيدًا عن الخوض في تفاصيل كثيرة، فإن النظام اللغوي الذي ألقى "فيتجنشتاين" عليه الضوء له من الخطورة الكبرى التي يجب لفت النظر لها؛ فهو موجَّه مباشرة إلى عقل الإنسان ويستهدف المقاصد اللغوية التي منها تصدر التصرفات والتوجهات الفكرية. وتلك الدِّقة التي حلل بها "فتجينشتاين" المعنى تستخدم في أغراض كثيرة سواء مدنية أو عسكرية، والأخطر من ذلك هو تدريب نظم الذكاء الاصطناعي لتماهي وعي الإنسان، من كل الجوانب تقريبًا، مما يخلق روبوت قادرًا على التصرُّف كبشر طبيعي. وعلى التوازي، من يتم الإبقاءعليه من البشر سيتم تحويله بكل سهوبة إلى سايبورج Cyborg، أي بشري آلي.
أمَّا الأمر الأكثر تعقيدًا فهو استخدام نموذج "فتجينشتاين" اللغوي في رسم الخطوط العريضة للأغنيات وحتى أفلام الكارتون الموجهة للأطفال. ولا يجب على أي فرد أن يعتقد أنه كان بمحض الصدفة أنه كان من السلس للبشر الانتقال من استخدام الهواتف العادية إلى تلك الذكية والتي بدورها كانت مدخلًا سهَّل استقبال والترحيب بجميع التطبيقات والألآت الذكية التي تحيطنا من كل جانب. ولفهم ذلك يجب مراجعة ما حدث إبَّان الثورة الصناعية الأولى والثانية وحتى الثالثة، حيثما جابه البشر مقاومة شرسة متباطئة لاستقبال نظم تقصي العنصر البشري تدريجيًا، وتسهِّل استبداله بالآلة. وحاليًا، يتم نفس الإقصاء من خلال الذكاء الاصطناعي المتسارع الخطوات، في حين أن المقاومة أصبحت حاليًا ضئيلة وشبه معدومة.
لقد استشرف "فيتجنشتاين" ما حدث للبشر في الوقت الحالي عندما ردد: "حينما لا تكون لدينا القدرة على التفكير، نلجأ دومًا لاقتباس أقوال الآخرين". وهذا ما يحدث حاليًا للبشر الذين تم تدريبهم على اقتباس بعضهم البعض أوَّلًا، وأكبر دليل هو ما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي من تناقل نفس الخبر ونشره من قبل الكثيرين، واستقباله بنفس الحماس تقريبًا حتى ممن قرأه أو شاهده من قبل. وعمَّا قريب، لسوف يتم اقتباس ما يفيض به الذكاء الاصطناعي من معلومات بشكل كامل ودون وعي، والسبب هو أن البشر قد كفُّوا عن التفكير، وأصبحوا يثقون في الأجهزة الذكية أكثر من ثقتهم في عقولهم التي خلقت ودرَّبت تلك الأجهزة، وكشفت لها عن جميع المعاني الخفية التي تبطنها.
#نعيمة_عبد_الجواد (هاشتاغ)
Naeema_Abdelgawad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟