أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - الفلسفة العلمية: مركّبٌ من كل العلوم!















المزيد.....

الفلسفة العلمية: مركّبٌ من كل العلوم!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 18:17
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بقلم : د. آدم عربي

لكي نؤكد أهمية الفلسفة في وعينا وثقافتنا وحياتنا، يمكن أن نقول ببساطة: الفلسفة هي الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى العالم، والطريقة التي يحاول بها فهمه وتفسيره.
ولهذا السبب لا يمكن أن تنتهي حاجة الإنسان إلى الفلسفة. فكل علم من العلوم يتناول جانبا محددا من الواقع، أما الفلسفة فتحاول أن تنظر إلى الواقع في شموله، وأن تبحث عن العلاقات والقوانين العامة التي تربط أجزاءه المختلفة.
فالفيزياء تدرس جانبا من الطبيعة، والكيمياء تدرس جانبا آخر، والأحياء تدرس الحياة، والاقتصاد يدرس النشاط الاقتصادي، وعلم الاجتماع يدرس العلاقات الاجتماعية... لكن هذه الأجزاء، مهما اختلفت، لا تعيش منفصلة عن بعضها. إنها أجزاء من عالم واحد مترابط.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى فلسفة علمية تحاول أن تفهم هذا العالم في كليته، وأن تبحث عن القوانين العامة التي تتجاوز حدود كل علم جزئي.
فالإنسان الذي يرفض الفلسفة العلمية قد ينتهي، من حيث لا يريد، إلى النظر إلى العالم على أنه مجموعة أجزاء منفصلة، لكل جزء منها قوانينه الخاصة، من دون أن يبحث عن القوانين والعلاقات العامة التي تشترك فيها هذه الأجزاء.
لكن الحقيقة الأساسية هي أن العالم واحد، رغم تعدد ظواهره وأجزائه. ولذلك نحتاج إلى معرفة لا تكتفي بدراسة كل جزء منفردا، وإنما تحاول فهم العلاقة بين الأجزاء والقوانين العامة التي تحكم الواقع كله.
وهنا تصبح الفلسفة، إذا التزمت بالعلم والموضوعية، محاولة للوصول إلى الحقيقة من خلال فهم العالم كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
كيف نفهم الواقع؟
لنفترض أننا نريد أن نفهم ظاهرة مثل الصاعقة.
إذا فهمنا الصاعقة على أنها ظاهرة مادية لها أسباب مادية يمكن اكتشافها، فسوف نبحث عن وسيلة مادية لحماية الإنسان منها، مثل مانعة الصواعق.
أما إذا فهمناها على أنها نتيجة غضب إلهي، فقد نعتقد أن الصلاة وحدها هي الوسيلة للتخلص من خطرها.
لكن التجربة العملية أثبتت أن الإنسان يستطيع حماية نفسه من خطر الصاعقة من خلال الوسائل المادية المناسبة، بينما لا تكفي الصلاة وحدها لمنعها.
وهنا تظهر أهمية الطريقة التي نفهم بها الواقع؛ لأن تفسيرنا للظاهرة يحدد الوسيلة التي نستخدمها في التعامل معها.
ولكل إنسان، كما يقول الشاعر، في ما يحاول مذهب؛ لكن نجاح أي محاولة لا يتوقف على رغبتنا فيها وحدها، وإنما على مدى توافقها مع الواقع وقوانينه.
الحقيقة لا تخضع لرغباتنا
تعلم الإنسان من خلال التجربة شيئا أساسيا: لا يستطيع أن يفعل كل ما يريد لمجرد أنه يريده.
هناك قوانين موضوعية للواقع، وعلى الإنسان أن يكتشفها وأن يجعل تفكيره وأفعاله منسجمة معها إذا أراد النجاح.
ولهذا فإن هدف المعرفة الإنسانية هو الوصول إلى الحقيقة؛ أي الوصول إلى فهم صحيح للأشياء يمكن اختباره وإثبات صحته من خلال الممارسة والتجربة العملية.
لكن الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى منهج. فنحن بحاجة إلى طريقة في التفكير تساعدنا على التمييز بين الفكرة الصحيحة والفكرة الخاطئة، وبين التفسير الذي ينسجم مع الواقع والتفسير الذي يناقضه.
وهنا يأتي المنطق.
فالمنطق هو مجموعة القواعد والمبادئ التي تساعد الفكر على أن يسير بطريقة صحيحة في بحثه عن الحقيقة.
لكن من أين جاء المنطق أصلا؟
لم يأتِ إلى الإنسان جاهزا، وإنما نشأ وتطور عبر التجربة العملية. فالإنسان، خلال صراعه مع الطبيعة ومحاولته البقاء فيها ومن خلال نجاحه وفشله ، اكتشف أن بعض طرق التفكير تؤدي إلى النجاح، بينما تؤدي طرق أخرى إلى الفشل.
ومن خلال تراكم هذه التجارب أصبح الإنسان أكثر قدرة على التفكير المنطقي.
وبمعنى آخر، لم يكن التفكير المنطقي ترفا فكريا؛ بل كان، في جانب مهم منه، شرطا من شروط البقاء على قيد الحياة.
فالنجاح والفشل في الممارسة العملية علّما الإنسان أن يربط بين الأسباب والنتائج، وأن يراجع أفكاره، وأن يتجنب التناقض، وأن يبحث عن الطريقة الأكثر توافقا مع الواقع.
عندما تتدخل المصلحة في الحقيقة
لكن المشكلة لا تتوقف عند كيفية اكتشاف الحقيقة.
فحتى عندما يصل الإنسان إلى تفسير موضوعي لظاهرة ما، يبقى سؤال آخر: ماذا سيفعل بهذه الحقيقة؟
هنا تدخل المصالح.
فالجماعات والأفراد لا ينظرون دائما إلى الواقع بالطريقة نفسها؛ لأن مصالحهم مختلفة، وأحيانا متعارضة.
وهناك فئات اجتماعية تستفيد من واقع معين، ولذلك تميل إلى المحافظة عليه ومقاومة أي تغيير يمكن أن يهدد مصالحها.
وهنا يظهر تناقض واضح:
قد تسعى هذه الفئات إلى حماية الواقع الذي يحقق لها المنافع، لكنها في الوقت نفسه قد تضطر إلى إنكار بعض حقائق هذا الواقع؛ لأن الاعتراف بها يمكن أن يدفع الآخرين إلى المطالبة بتغييره.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي موقف جاد هو:
ما السبب الحقيقي لهذه الظاهرة؟
إنه سؤال بسيط، لكنه أساسي جدا.
فمهما اختلفت مصالح الناس وغاياتهم ودوافعهم، فإن فهم السبب الحقيقي لأي ظاهرة هو الخطوة الأولى نحو التعامل معها بطريقة صحيحة.
ولهذا فإن الإجابة الموضوعية يجب أن تكون نقطة البداية في أي عمل ناجح، حتى لو كان الشخص الذي يقوم بهذا العمل سيئ النية أو كانت أهدافه غير أخلاقية.
فالمشكلة ليست دائما في القدرة على اكتشاف الحقيقة، وإنما أحيانا ا في الموقف الذي نتخذه منها بعد اكتشافها.
عندما تصبح الحقيقة ضد المصلحة
قد يصل الإنسان إلى تفسير موضوعي لظاهرة معينة، ثم يكتشف أن هذا التفسير يتعارض مع مصلحته.
في هذه الحالة قد يعمل على نشر الحقيقة إذا كانت تخدم مصالحه، وقد يحاول إخفاءها أو تشويهها إذا كانت تهدد تلك المصالح.
وهنا يمكن استخدام وسائل كثيرة لحجب الحقيقة، ليس بالقوة وحدها، وإنما أيضا بالأفكار والمعتقدات والتفسيرات التي تبدو في ظاهرها مقنعة، لكنها في حقيقتها تبعد الإنسان عن الواقع الموضوعي.
خذ مثلا ظاهرة الفقر.
قد يسأل الإنسان: لماذا يوجد الفقر؟ وما الأسباب التي تنتجه وتعيد إنتاجه؟
وقد يصل بعد البحث إلى إجابة موضوعية عن أسبابه.
لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟
إذا كانت هذه الإجابة تقوده إلى ضرورة تغيير الظروف التي تنتج الفقر وتزيده، فقد يعمل على نشرها والدعوة إلى تغيير الواقع.
أما إذا كان مستفيدا من استمرار الفقر، فقد يكون من مصلحته أن يخفي هذه الحقيقة، أو يشوهها، أو يقدم للفقراء تفسيرات تجعلهم يقبلون واقعهم بدل أن يبحثوا عن أسبابه الحقيقية.
وقد يستعين في ذلك بأفكار ومعتقدات بعيدة عن العلم وعن الحقيقة الموضوعية.
وهكذا يمكن أن تتحول الأفكار من وسيلة لفهم الواقع إلى وسيلة لحجب الواقع.
عندما يصبح العجز وسيلة للسيطرة
وهنا نصل إلى مسألة شديدة الأهمية.
عندما يعجز الإنسان عن معرفة أسباب المصائب والمشكلات التي تصيبه، أو عندما يتم تعجيزه عمدا عن معرفة هذه الأسباب، يصبح من السهل إقناعه بأن ما يحدث له ليس نتيجة أسباب يمكن فهمها وتغييرها، وإنما هو أمر مقدر عليه لا يستطيع تغييره.
فإذا لم يعرف الإنسان سبب المشكلة، يصبح من السهل أن يقبلها باعتبارها قدرا محتوما.
أما إذا عرف أسبابها الموضوعية، فإنه يستطيع أن يسأل سؤالا مختلفا:
هل يمكن تغيير هذه الأسباب؟
وهنا تنتقل علاقة الإنسان بالواقع من الاستسلام له إلى محاولة فهمه والتأثير فيه.
وهذا هو جوهر الفلسفة العلمية: أن تساعد الإنسان على الانتقال من تفسير العالم تفسيرا غامضا أو أسطوريا إلى محاولة فهمه من خلال الواقع وأسبابه وقوانينه، وأن تجعل المعرفة أداة للفهم والعمل والتغيير.
فالفلسفة، بهذا المعنى، ليست كلاما مجردًا بعيدا عن الحياة، وليست بديلا عن العلوم.
إنها محاولة لفهم الصورة الكاملة التي تكشف العلوم أجزاءها المختلفة، وربط المعرفة بالممارسة، والفكر بالواقع، والحقيقة بالقدرة على اختبارها، وفهم الإنسان للعالم بقدرته على التعامل معه وتغييره.
ولهذا تبقى الفلسفة حاجة إنسانية دائمة: لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى معرفة الأشياء، بل يحتاج أيضا إلى أن يفهم علاقتها ببعضها، وأن يعرف كيف يفكر فيها، وكيف يميز بين الحقيقة والوهم، وبين تفسير الواقع وتبريره.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحتمية الماركسية ونقيضها الديني
- العداء مع الآخر!
- عندما يصبح التسارع شبيها بالجاذبية.. النسبية العامة بمثال بس ...
- العبودية في القرن الحادي والعشرين!
- القانون الكوني(الكزومولوجي) الذي يحكم تطور الكون
- حين تصبح الثانية أطول: الجاذبية وانحناء الزمن!
- المادة والوعي!
- حين يتزيّن الدينُ بلباس الفيزياء!
- عبيد الدَّيْن: البنية الخفية للرأسمالية المالية المعاصرة
- بمناسبة الاول من أيار في يوم العمَّال العالمي!
- -التنكنيك- الشعري وأهميته!
- الشحارير لا تغني وحدها!
- امرأة تعتلي الغياب!
- هل الشعوب مسؤولة عن هزائمها؟!
- لنتعلم من الطبيعة ، فهي خيرُ مُعلم!
- في دولة الحقوق!
- في صناعة التاريخ!
- العودة إلى البداية: الاتصال الإنساني في دورته الحلزونية!
- في الملكية الفكرية: بين الاحتكار والمشاعية!
- الحركة بين الفيزياء والفلسفة!


المزيد.....




- غموض يكتنف مكان إقامة الأمير هاري وعائلته بعد عودتهم إلى الم ...
- إثيوبيا.. وزير سابق يدعو حكومته لمطالبة مصر بـ-تعويضات- ويوض ...
- قصف إسرائيلي وتوغلات في جنوب سوريا.. وانفجار في الحسكة يودي ...
- الفيلق الأفريقي.. مالي اختبار لنموذج روسيا الأمني في أفريقيا ...
- إساءات السفير الأمريكي تقوده إلى الخارجية البلجيكية
- نائب وزير الدفاع الروسي يطّلع على أساليب قتالية مستوحاة من ح ...
- -بوليتيكو-: مواجهة إيران تستنزف القوات الأمريكية وتقوض الردع ...
- السودان.. -الدعم السريع- تعلن سيطرتها على قاعدتي سركم وبكوري ...
- الديمقراطيون يعدون تشريعا لمواجهة أمر ترامب بإعادة تسمية بحي ...
- سائحة روسية تروي تفاصيل نجاتها من فيضانات نيبال المدمرة


المزيد.....

- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - الفلسفة العلمية: مركّبٌ من كل العلوم!