أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - ادم عربي - العبودية في القرن الحادي والعشرين!















المزيد.....

العبودية في القرن الحادي والعشرين!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 00:16
المحور: حقوق الانسان
    


العبودية في القرن الحادي والعشرين
بقلم: د. آدم عربي
رغم أن العالم يفاخر اليوم بتقدمه في مجال حقوق الإنسان، فإن تقارير دولية عديدة ما تزال تكشف عن استمرار أشكال مختلفة مما يُعرف بـ"العبودية الحديثة". وقد احتلت عدة بلدان عربية مراتب متقدمة في هذا المجال، وفقا لتقرير سنوي أصدرته مؤسسة "ووك فري"، قدّر عدد البشر الذين يعيشون تحت أنماط متنوعة من الاستعباد بنحو ستة وثلاثين مليون إنسان موزعين على 167 دولة حول العالم.
ويعرّف التقرير العبودية الحديثة بأنها كل حالة يُجرَّد فيها الإنسان من جزء أساسي من حريته، ويُعامل بوصفه أداة للاستغلال أو مصدرا للربح، بحيث يُفرض عليه التحكم والإدارة والتصرف من قبل آخرين، وكأنه شيء قابل للامتلاك والتداول كسائر السلع. وتتخذ هذه الظاهرة صورا متعددة، من بينها العمل القسري، والاستغلال الجنسي، وإجبار النساء على الدعارة، والزواج القسري، وبيع الأطفال واستغلالهم، فضلا عن مختلف الأعمال التي يُدفع الإنسان إلى ممارستها تحت وطأة التهديد والعقاب.
وفي اليمن شهدت السنوات الماضية حادثة لافتة، حين حصل أحد العبيد على حريته بعدما اشتراه رجل ثم أعتقه تكفيرا عن ذنب اقترفه. غير أن آخرين لم يروا في امتلاك العبيد أو الجواري أي حرج أخلاقي أو ديني، بل سعوا إلى إضفاء المشروعية على ذلك. فقد اعتبر أحدهم أن الاحتفاظ بالجواري أمر غير محرّم، وأن عتق العبيد يمثل وسيلة من وسائل التكفير عن الذنوب. وضمن هذا المنطق يبرز سؤال ضمني: كيف يمكن للإنسان أن يعتق عبدا إذا لم يكن العبد موجودا أصلا؟
ولم يقتصر الأمر على مجرد الدفاع النظري عن هذه الأفكار، بل وصل إلى المطالبة بإعادة تنظيمها قانونيا. فقد دعت إحدى الناشطات، اللواتي قدّمن أنفسهن بوصفهن "مصلحات اجتماعيات" في أحد البلدان العربية، إلى إصدار تشريع حديث ينظم مسألة الجواري، بحجة حماية الرجال من الوقوع في الانحراف، وصيانة المجتمع من الأمراض والمعاصي، والحيلولة دون انتشار الأطفال المولودين خارج إطار الزواج. وبذلك تحولت الدعوة إلى مطالبة صريحة بإحياء مؤسسة الجواري في القرن الحادي والعشرين.
أما المشكلة التي رأت هذه "المصلحة الاجتماعية" أنها تستوجب المعالجة، فهي العلاقات التي تنشأ بين الرجال والنساء خارج إطار الزواج، وما تراه مترتبا عليها من تراجع ديني وأخلاقي، وانتشار للمعاصي، وظهور أطفال خارج الزواج، وتفشي بعض الأمراض. وبعد أن بحثت عن حل لهذه الإشكالات، انتهت إلى أن إعادة العمل بنظام الجواري، ضمن إطار قانوني منظم، هو السبيل الأمثل لمعالجتها.
لكن سؤالا جوهريا يفرض نفسه هنا: من أين ستأتي هؤلاء الجواري؟ وقدمت صاحبة الفكرة إجابة صريحة تمثلت في استقدامهن من روسيا أو من دول غير إسلامية أخرى، بل ذهبت أبعد من ذلك عندما اقترحت أن تتحول غير المسلمات اللواتي قد يقعن في الأسر خلال حروب داعش فيما مضى إلى جواري يُخصَّصن للرجال في مجتمعاتنا.
وفي الاتجاه نفسه، وقبل سنوات، دعا الشيخ المصري أبو إسحاق الحويني إلى العودة إلى نظام الرق وسبي النساء غير المسلمات واتخاذهن جواري للرجال المسلمين المقتدرين ماليا، معتبرا أن ذلك يمثل حلا اقتصاديا فعالا ويسهم في معالجة الفقر. كما رأى الداعية صالح الغانم أن الحصول على الجواري عن طريق الحروب أمر جائز إذا جرت الحرب تحت راية ولي الأمر، الذي يملك وحده حق التصرف بالأسرى والسبايا، سواء بإطلاق سراحهم أو توزيعهم أو اتخاذ قرارات أخرى بشأنهم.
وفي إحدى الزيارات لصديق ميسور الحال، ينتمي إلى ما تبقى من الطبقة الوسطى ويحمل شيئا من إرثه اليساري القديم، ارتكبت العاملة المنزلية السريلانكية خطأً بسيطا أثناء أداء عملها، فما كان منه إلا أن انفجر غاضبا مرددا المثل الشهير: "لا تشترِ العبد إلا والعصا معه".
أعادتني عبارته إلى مقابلة صحفية قديمة مع أحد كبار الليبراليين الأوروبيين. فعندما سُئل: "من هو الزنجي؟" أجاب، دون تردد: "إنه عبد". والمفارقة أن صديقي، الذي أصبحت أسرته عاجزة تقريبا عن تسيير شؤونها اليومية من دون هذا الشكل من العمل المنزلي الرخيص، كان يكرر الفكرة ذاتها بصيغة أخرى؛ فالعاملة السريلانكية، في نظره، ليست إنسانة تؤدي عملا مقابل أجر، بل كائن يجب التعامل معه بعقلية السيد والعبد.
ومنذ ذلك الحين ظل هذا المثل الشعبي يثير فضولي: لماذا يُقال إن العبد يجب أن يُشترى ومعه العصا؟ وبعد تأمل طويل بدا الجواب واضحا. فالإنسان، مهما كانت ظروفه، يحمل في داخله نزوعا فطريا إلى الحرية. ولهذا لا يمكن للعبد أن يكون راضيا حقا عن عبوديته، حتى وإن أظهر الخضوع أو التكيف معها. ومن هنا تنشأ حاجة السيد الدائمة إلى العصا، سواء كانت عصا حقيقية أم رمزا للقوة والعقاب والتهديد. فالعبد لا يصبح عبدا إلا بالقهر، ولا يبقى عبدا إلا باستمرار القهر.
وفي هذا المعنى تكمن دلالة "العصا" التي ما تزال حاضرة بأشكال متعددة في حياتنا، ظاهرة أحيانا ومستترة أحيانا أخرى، حيث تُدار كثير من العلاقات والسلطات بالقوة بدلا من الإقناع، وبالخوف بدلا من الاقتناع الحر.
في الأزمنة القديمة كانت السلاسل والأغلال أدوات ضرورية لإخضاع العبيد، لأن أرواحهم كانت ترفض الاستسلام وتقاوم القهر. أما اليوم فقد خفّ حضور القيود المادية، لكن ذلك لا يعني أن العبودية اختفت. لقد تحررت الأجساد في كثير من الأحيان، بينما استسلمت الأرواح والعقول. وهكذا تحولت العبودية لدى بعض الناس من وضع قانوني مفروض إلى نمط تفكير وطريقة حياة.
فكم من إنسان عاش مقيدا بالأغلال، لكنه ظل حرا في داخله، لأنه أدرك حقيقة القيد وسعى إلى كسره، ورفض أن يتبنى أخلاق العبودية أو أن يعتبر استعباده فضلا يستوجب الامتنان. وفي المقابل، كم من إنسان عاش من دون سلاسل أو قيود ظاهرة، لكنه ظل أسيرا لأنه تشرب عقلية الخضوع، فلم يعد قادرا على رؤية القيود المزروعة في وعيه وإرادته ونظرته إلى العالم.
ولهذا فإن الحرية الحقيقية لا تُقاس بوجود القيود المادية أو غيابها فحسب، بل تتحدد بقدرة الإنسان على اكتشاف ما يقيده، والتمرد عليه، وصيانة استقلال عقله وإرادته في مواجهة كل أشكال السيطرة، مهما تغيرت أسماؤها أو تبدلت صورها.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القانون الكوني(الكزومولوجي) الذي يحكم تطور الكون
- حين تصبح الثانية أطول: الجاذبية وانحناء الزمن!
- المادة والوعي!
- حين يتزيّن الدينُ بلباس الفيزياء!
- عبيد الدَّيْن: البنية الخفية للرأسمالية المالية المعاصرة
- بمناسبة الاول من أيار في يوم العمَّال العالمي!
- -التنكنيك- الشعري وأهميته!
- الشحارير لا تغني وحدها!
- امرأة تعتلي الغياب!
- هل الشعوب مسؤولة عن هزائمها؟!
- لنتعلم من الطبيعة ، فهي خيرُ مُعلم!
- في دولة الحقوق!
- في صناعة التاريخ!
- العودة إلى البداية: الاتصال الإنساني في دورته الحلزونية!
- في الملكية الفكرية: بين الاحتكار والمشاعية!
- الحركة بين الفيزياء والفلسفة!
- نشوة العدم!
- الانتقال والسفر عبر الزمن!
- سيناريوهات محتملة للحرب على إيران!
- وهم الدولة المقدسة!


المزيد.....




- الاتحاد الأوروبي يعتبر الحوار مع طالبان المسار الوحيد بشأن ا ...
- لاجئون سوريون يستعدون للعودة إلى بلادهم
- قضية المخدرات الكبرى.. النيابة المصرية تطالب بإعدام عصابة سا ...
- تشديد أمني في بلفاست ومخاوف متصاعدة بين المهاجرين
- الأمم المتحدة تعلن موقفها من تهديد ترامب بالاستيلاء على خرج ...
- ارتفاع وتيرة اعتقال الفلسطينيات
- بلفاست تحت وطأة الشغب: اعتداءات تستهدف المهاجرين عقب حادثة ط ...
- الأب ثم الأم.. الاعتقال يلاحق عائلة طحاينة الفلسطينية
- العفو الدولية تحذر من -تطهير عرقي- متسارع بالضفة وتدعو لتحرك ...
- رايتس ووتش تطالب بمحاسبة قادة الدعم السريع حتى بعد انشقاقهم ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - ادم عربي - العبودية في القرن الحادي والعشرين!